خففت واشنطن منذ بداية الأزمة بين تركيا وسوريا من أهمية ما يجري وزادت اعتقادها بأن تركيا لن ترتكب عملا عسكريا, دون ان نرى ما يعتمد عليه مثل هذا الاعتقاد, فسياق الاحداث يؤكد العكس تماما, خاصة من الجانب التركي, حيث التصعيد والاستفزاز والتهديد المباشر بعمل عسكري . لذلك فالتطمين الأمريكي لا ينبغي الركون اليه, خاصة ان تطمينات سابقة في أحداث أخرى لم تكن أكثر من مخدر مؤقت, رأينا آثارها تاليا وبالا على شعوبنا ومنطقتنا, ولعل مثل هذه المخاوف الجدية من تفجر نزاع مسلح بين تركيا وسوريا هو ما جعل الرئيس المصري حسني مبارك لا ينتظر ولا يتريث, بل يبادر بالتحرك في مساع حميدة لانتزاع ما يمكن من فتيل توتر, قبل ان تقع الفأس في الرأس, وليذهب التطمين الامريكي الى الجحيم. والأحداث وتسارعها تثبت ان هناك حملة عداء مسعورة على كافة المستويات تشنها تركيا ضد سوريا, تحت ذرائع مختلفة ينعدم أكثرها الى المنطق والحجة والسند الواقعي, فإذا قبلنا مثلا حجة دعم حزب العمال الكردستاني المعارض وايواء زعيمه عبدالله أوجلان كما تزعم تركيا, فإنه من المضحك قبول المطالبة باغلاق ملف لواء الاسكندرونة مثلا, فهذا الملف غير مفتوح أصلا, ولم نسمع ان سوريا من قريب أو بعيد تتحدث عنه, فهو ليس أكثر من نفخ تركي في رماد الفتنة. وعلى افتراض ان سوريا تأوي حزبا تركيا معارضا, فإن هذا الأمر غير الجديد على تركيا, يثير التساؤل حول توقيت التصعيد حوله, ولماذا لم تطالب أنقرة باغلاق هذا الملف سابقا؟.. ثم يثير تساؤلا أخطر, وهو ان ايواء حزب معارض, لا يستدعي كل هذه الحملة من تصريحات العداء والتهديد بعمل عسكري, فأغلب الدول بشكل أو آخر, تستضيف أحزابا معارضة لبلدان اخرى وتؤوي سياسيين لاجئين ومعارضين, لم تصل حدود العداء بينها الى شن حرب أو التهديد بها. ثم نلاحظ استشراء حالة العداء التي تقف وراءها نوايا اخرى غير معلنة, في شروط تركيا التعجيزية التي منها مثلا تسليم المعارض عبدالله أوجلان أولا, فكيف يمكن لسوريا ان تسلم هذا اذا لم يكن فعلا في أراضيها؟.. هل تطارده في أراضي الآخرين أم ترسل وراءه من يصيده أينما يوجد في العالم فترضى عنها تركيا؟ النتيجة ان تركيا تغلق أبواب التفاهم وامكانيات الحل بالحوار وبالمفاوضات فيما لو استمرت في توترها وتصعيدها على هذا النحو, بما في ذلك تعريض مساعي الرئيس المصري ومبادرته للفشل نتيجة هذا التشدد غير المنطقي, فنعرف ان حربا من نوع ما ممكنة ومحتملة أكثر من غيرها, وهي ليست نتاجا لمواقف سوريا التي أكدت حرصها على الحوار, ولكن نتيجة أزمات تركية داخلية أكثر من أي سبب آخر, من تصدير مسعود يلماظ الأنظار الى الخارج على تهم الفساد التي تلاحقه, الى تصدير أزمة واحتقانات النخبة العسكرية نفسها. مع ذلك ينبغي عدم استبعاد التأثيرات الخارجية كالدور الاسرائيلي بعد الشراكة الاستراتيجية مع تركيا, فهذه يهمها مثلا اضعاف الدور السوري والموقف التفاوضي لدمشق الى أدنى قدر ممكن, بحيث يمكن ارغامها على قبول التسوية بشروط اسرائيل, فنجد ان مصالح لتركيا مع اسرائيل تجتمع معا في ضرب سوريا أو تهديدها واضعافها. وصحيح ان ميزان القوة العسكرية من حيث عدد الجنود والطائرات والدبابات وغيرها يكاد يكون متساويا بين تركيا وسوريا, الا ان الحرب كلها في حال فرضت على سوريا, سواء أكانت على شكل ضربات جوية أو تحرشات على الحدود أو غزوا محدودا, فإنها ستصب فورا في مصلحة تركيا عسكريا, لأن سوريا عليها تأمين حدودها الشمالية كما تأمين حدودها الجنوبية, فيما تركيا في وضع مريح من ناحية حدودها, ما يجعل الحرص السوري على تفويت هذه الفرصة على تركيا واسرائيل معا هو واجب قومي وهو عين العقل والحكمة ايضا.