يقول هنتجتون بإن الاتفاقات الاقتصادية بين دول تنتمي الى نفس الثقافة او ثقافة مشابهة يكون تنفيذها اكثر نجاحا من نجاح تنفيذ الاتفاقات التي تبرم بين ثقافات غربية وغير غربية, ويسوق هنتجتون محاولة منه لدعم تأكيده , مثال الاتحاد الاوروبي الذي يقوم على الاساس المشترك للثقافة الاوروبية والمسيحية الغربية ومثال منظمة التعاون الاقتصادي للبلدان الاسلامية غير العربية, وهي جمهوريات اسيا الوسطى وافغانستان وباكستان وايران وتركيا, ولا توجد دلائل على صحة قول هنتجتون هذا, وما رأيه في محفل التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا ــ المحيط الهادئ, وهو المحفل المكون من بلدان من امريكا اللاتينية واستراليا والولايات المتحدة الامريكية ونيوزيلندا وبلدان كونفوشية واسلامية في جنوب شرقي آسيا. ان الخلاف على شؤون السياسة (POLICY) بين البلدان الاعضاء في الاتحاد الاوروبي ليس اقل من الخلاف بين البلدان الاعضاء في المحفل, ان الاعضاء في هذه المنظمات وغيرها, وهم ينتمون الى شتى الحضارات, مدفوعون في المقام الاول بتوجهاتهم السياسية المشتركة ومصالحهم الاقتصادية والسياسية المشتركة, ويمكن للمرء ان يقتبس حالات كثيرة في التاريخ الحديث تخطت فيها مواقف سياسية حواجز ثقافية, يؤيد العالم العربي الاسلامي اليونان الارثوذكسية ويرفض موقف تركيا المسلمة حيال قضية قبرص, وكذلك الامر بالنسبة الى مواقف الدول فيما يتعلق بحرب الخليج سنة 1991 والحرب بين اذربيجان وارمينيا وهما الحربان اللتان يحاول هنتجتون على نحو غير مقنع ان يصورهما على انهما مثال على التصادم بين الحضارات, وبعبارة اخرى فان مايهم في المقام الاول في العلاقات بين الدول هو الاعتبارات الايديولوجية والسياسية والاقتصادية والامنية وليس الصراع الحضاري. الانتماء الثقافي وتماسك الدول وفيما يتعلق بما يسميه هنتجتون تماسك الدول المنتمية الى نفس الحضارة فلا توجد دلائل تستحق الذكر على هذا التماسك, لقد خيضت حروب كثيرة في التاريخ وفي الوقت الحاضر بين دول تنتمي الى ثقافة ذات تماثل كبير وليس بين كتل حضارية, في هذا القرن على سبيل المثال نذكر الحربين العالميتين الاوروبيتين والحرب بين العراق وايران المسلمتين والحرب بين الصين واليابان الكونفوشيتين. الغرب والاسلام ويرى هنتجتون ان احد الاعداء الرئيسيين للغرب, وهو العدو الذي تركز كتابات هنتجتون عليه, هو الاسلام, حضارة يصورها هنتجتون على انها معادية للغرب طوال قرون. ويرى هنتجتون التحدي المستمر من الاسلام متجليا في حرب الخليج سنة 1991 والاصولية الاسلامية. وعلى الرغم من ان الغرب يواجهه الآن, وفقا لهنتجتون, بضع حضارات فان التحدي الاكبر للمصالح والقيم الغربية (يأتي) من الارتباط الاسلامي ــ الكونفوشي, الذي هو في نظره مؤامرة بين ثقافتين ساخطتين لتقويض قوة الغرب عن طريق تدفق للأسلحة ولتكنولوجيا الاسلحة من الصين الكونفوشية على بلدان اسلامية. ان من الصحيح القول ان الصين باعت اسلحة لدول اسلامية, ولكن من الحقائق ايضا ان دولا اسلامية تقع في غرب جنوبي آسيا تلقت ما بين 1985 و1997 اسلحة بلغ ثمنها عشرات البلايين من الدولارات. ولم يسم احد ذلك ارتباطا او مؤامرة مسيحية اسلامية. الثقافة وحقوق الانسان ويقول هنتجتون بأن من المسائل التي ستحل بين الحضارات مسألة حقوق الانسان ومسألة الديمقراطية وبأن الغرب يعمل جاهدا للنهوض بحقوق الانسان والديمقراطية بينما لا تقوم الدول الكونفوشية والاسلامية باحترامها. غير ان مصلحة الغرب المتصورة في تشجيع احترام حقوق الانسان والديمقراطية في مجتمعات غير غربية تبقى, كما كانت خلال الحرب الباردة مسألة ايديولوجية وليست مسألة بين الحضارات. ويتفق مع هذا الحكم ما كتبه كيم هولمس, نائب رئيس دراسات السياسة الخارجية والدفاع في مؤسسة هيرتج. في تقريرنا لسياستنا الخارجية بالنسبة الى بلد معين ليست المسألة ما اذا كان ذلك البلد ديمقراطيا ولكن ما اذا كانت له سياسة خارجية موالية للغرب. في آسيا لديكم بلدان موالية للغرب ولكنها ليست بالضرورة ديمقراطية. ومن مصلحتنا ان نؤيدها. وشكك جيمس شليسنغر, وزير الدفاع ومدير وكالة الاستخبارات المركزية سابقا للولايات المتحدة تشكيكا صريحا: فيما اذا كنا نرغب بجدية في وصف الديمقراطية باعتبارها الشكل المناسب للحكم لمجتمعات اخرى. ولعل المسألة مطروحة على نحو اوضح في العالم الاسلامي. هل نريد بجد تغيير المؤسسات؟ الجواب الوجيز هو لا: خلال السنين سعينا الى المحافظة على هذه المؤسسات, احيانا بتفضيلها على قوى اكثر ديمقراطية.. في كل انحاء المنطقة. يؤيد هذان الاقتباسان القول ان جذور التعاون او الصراع بين الدول ليست بالضرورة في الشبه او التطابق الثقافي ولكن في المصالح الايديولوجية والاقتصادية والسياسية.