على عكس استطلاعات الرأي التي كانت تتنبأ بتنافس حاد بين الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يقوده المستشار هيلموت كول , والحزب الاشتراكي الديمقراطي, فقد سجلت الانتخابات التشريعية الالمانية التي جرت في 27 سبتمبر فوزا واضحا للحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي حصل على اكثر من 40% من الاصوات. الامر الذي أهل زعيمه (جيرارد شرويدر) ليتبوأ منصب المستشارية, وبالتالي تشكيل الحكومة المقبلة, وبذلك يكون هذا سابع مستشار لالمانيا منذ تأسيسها في سنة ,1948 حيث تعاقب عليها المستشارون التالية اسماؤهم: كونراد اديناور 1949/1963 ثم تلاه لودفيج ايرهارد 1963/1966 فكورت كسنجر 1966/1969 ثم ويلي براندت 1969/1974 الذي عوضه هيلموت شميدت 1974/1982 وأخيرا هلموت كول الذي ظل يحكم المانيا منذ ست عشرة سنة. وفي الواقع, فان هذه النتيجة قد افرزت مجموعة من الحقائق التي يكون من المفيد ان نعيد ابرازها وتأمل دلالتها: أولا: انها تعني نهاية حقبة تميزت بحضور هلموت كول, الذي حكم المانيا أطول فترة في تاريخها الحديث, والذي اتسم عهده اساسا بالمساهمة في مسلسلي التوحيد: سواء على المستوى الداخلي, حيث لعب دورا ملحوظا في توحيد شطيري المانيا مع انهيار حائط برلين في سياق تفسخ المعسكر الاشتراكي, وهو الامر الذي كان يبدو مستحيلا على الاقل بالوتيرة التي تم بها. فبهذا المعنى يمكن القول ان هيلموت كول قد عجل بقدر الوحدة, غير عابىء بالاعباء المالية الضخمة التي كان يتطلبها مجهود التوحيد. بيد أن ذلك الجزء الذي ساهم كول في ارجاعه الى حظيرة الوطن هو الذي عمل بشكل ملحوظ في الاطاحة به. فبقدر ما تنبه هيلموت كول الى ضرورة وأهمية التوحيد, بقدر ما افتقر الى الاحساس بعمق الازمة, والتناقضات التي كان يعاني منها بالخصوص الجزء الشرقي من المانيا, ولاسيما حدة الازمة التي كانت مضاعفة بالمقارنة مع الجزء الغربي الذي كان سباقا الى الاختيارات الرأسمالية. وقد يعود ذلك بالاساس الى التآكل الذي أصابه بفعل المدة الطويلة التي قضاها في السلطة أو حتى على المستوى الاوروبي, حيث اسهم المستشار السابق من خلال محور باريس بون في التعجيل بالوحدة الاوروبية, وباقرار آلياتها, ولاسيما ما يتعلق بالعملة الموحدة (اليورو) التي تعتبر خطوة كبيرة وجبارة في صيرورة الغاء السيادات الوطنية الاوروبية. وقد قدم كول تنازلات مهمة في المفاوضات الاخيرة لاسيما المتعلقة برئاسة البنك المركزي الاوروبي. وهو الامر الذي كان قد ساهم في مزيد من الانتقادات لاسلوبه في ادارة المفاوضات. والسؤال الاساسي الذي تطرحه العواصم الاوروبية يتمثل في معرفة مدى وفاء المستشار الجديد للتراث الاوروبي الذي تركه سلفه, خاصة وأنه ظهر متذبذبا في مواقفه الاوروبية يساير الرأي العام, أكثر مما يؤثر فيه. وهو الامر الذي جعله يسارع الى ابراز تشبثه بالبناء الاوروبي, وبالاستمرار في تفضيل محور باريس ــ بون, ولو باعطاء أهمية اكبر للدور الانجليزي, لاسيما انه ينتمي الى منطقة اكثر قربا من انجلترا, وابتعادا عن باريس فهل هذا العنصر الجغرافي سيؤثر في افضليات المستشار الجديد؟ ان هيلموت كول الذي عمر اكبر حقبة في المستشارية, كان في نفس الوقت اول مستشار في تاريخ المانيا الحديثة تهزمه صناديق الاقتراع, وليست التحالفات البرلمانية, كما هو الامر بالنسبة لبعض المستشارين السابقين, كويلي براندت الذي اضطر الى الاستقالة بفعل فضيحة مساعده غانتر غيوم, الذي تبين أنه كان عميلا للمخابرات الالمانية الشرقية, أو بالنسبة لخلفه هيلموت شميدت الذي تخلى عن المستشاريه بعد تراجع الليبراليين عن مساندته في البوندستاج الالماني. وعلى شاكلة السياسيين العظام في الانظمة الديمقراطية, لم يجادل هيلموت كول في نتائج الانتخابات, او يطعن في مصداقيتها, او يحمل الآخر مسؤولية هزيمة حزبه, بل أعلن بكل شجاعة تحمله مسؤولية ذلك, مقررا في نفس الوقت التنحي عن رئاسة الحزب لفتح الطريق أمام زعامة جديدة يمكن ان تعطي للحزب الديمقراطي المسيحي نفسا جديدا لمواجهة الاستحقاقات المقبلة. ولا ريب في أن هذه الممارسة الحضارية تشكل احد الدروس المهمة التي ينبغي تدبرها وتأملها من اجل تطوير الممارسة السياسية في مجتمعاتنا. ثانيا: ان هذه الانتخابات قد اعطت الثقة لقوى تنتمي الى اليسار. فالى جانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي, هناك حركة الخضر, التي علاوة على تركيزها على الجوانب الايكولوجية, فانها لاتخفي تشبثها بالبعد الاجتماعي للتنمية, مما يعني ايلاء عناية اكبر للقضايا المجتمعية. علاوة على ذلك هناك الحزب الشيوعي المتجدد. وهو الذي يشكل امتدادا للحزب الشيوعي الذي كان يحكم المانيا الشرقية. ولا ريب في ان تجاوز هذا الحزب لنسبة 5% من الاصوات انما يعكس وجود شرائح اجتماعية اصيبت بالاحباط من جراء السياسة الاقتصادية التي وصلت الى طريق صعب, لم يعد معها بالامكان استمرار الدينامية الاقتصادية الالمانية بنفس الوتيرة السابقة. لذلك, فان اعادة تنشيط العجلة الاقتصادية تعتبر من التحديات الكبرى التي سيواجهها التحالف الاحمر والاخضر الذي سيحكم المانيا. ثالثا: ان افرازات الانتخابات الالمانية تدعم الاتجاه السائد في اوروبا, وهو المتمثل في هيمنة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية على السلطة في اغلب الدول الاوروبية. فبعد ايطاليا, وفرنسا, والسويد, تنضم المانيا الى هذه الجوقة. وهي معاينة تسجل بالمقابل تراجع الاحزاب اليمينية عبر القارة. وتنم هذه الحقيقة عن فشل الاختيارات الليبرالية الصرفة في تجاوز الاختناقات التي تواجهها المجتمعات الاوروبية بفعل تنامي الاقتصاد التيكنولوجي, وظاهرة العولمة المدفوعة بالتنافسية التي لا تبقى ولا تذر. فتلك الاختيارات التي تجاهلت البعد الاجتماعي قد اسهمت في تعميق الاختلالات الاجتماعية بفعل تفشي البطالة, وتراجع دور الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي. وفي الواقع فان ما يسمى بالاشتراكية الديمقراطية الاوروبية لا يمت بأية صلة الى الاشتراكية في مفهومها الكلاسيكي. فهذه النزعة السائدة حاليا لا تعيد النظر في الاختيارات الليبرالية التي ترسخت في المجتمع سواء على المستوى الاقتصادي او الاجتماعي, بل إنها فقط تريد ان تصحح الاختلالات, وكذلك الفوارق الكبيرة التي تخلفها الليبرالية المتوحشة. فهي بذلك تريد البحث عن طريق ثالث لا رأسمالي, ولا اشتراكي يسعى للتوفيق بين متطلبات السوق وأهمية العدالة الاجتماعية. ومن الواضح ان نجاح مثل هذا المشروع يمكن أن يسهم بشكل كبير في تدعيم التلاحم الاجتماعي, واستبعاد عناصر التوتر والتفكك والتهميش داخل المجتمع. في هذا السياق, فان المستشار الجديد قد ركز برنامجه حول فكرتين اساسيتين وهما: التحديث والمسؤولية. ويعني المفهوم الاول تحديث شروط العمل واصلاح تشريع العمل من خلال الاخذ بعين الاعتبار الضغوط التي يمارسها السوق العالمي على دواليب الانتاج الالماني, ومتطلبات وأمن العمال الالمان. وكل ذلك ينبغي ان يتم من خلال فتح ورش في قطاعات جديدة كما هو الامر بالنسبة للبيئة او الاقتصاد الاجتماعي, واعطاء الدولة مزيدا من الاشراف. في حين يتمثل الهدف الثاني في اشراك كافة القطاعات في عملية التغيير هذه. لذلك فان الحملة الانتخابية لم تنصب على برامج متباينة, بقدر ما لعبت فيها الدعاية والكيفية التي قاد بها (جرهارد شرويدر) حملته من خلال أبراز نفسه كرجل المستقبل, وكول كرجل الماضي, دورا اساسيا في هذا الاختيار. من الواضح جدا, أنه مهما كانت الاختيارات التي دافع عنها شرويدر خلال الحملة الانتخابية, فإنه لايتوفر على الحرية المطلقة لوضعها موضع التطبيق, فمن الناحية المؤسساتية ينبغي ان يأخذ بعين الاعتبار الاتجاهات المتباينة داخل حزبه, بين تيار اكثر ليبرالية واقترابا من الديمقراطية المسيحية, وبين تيار اكثر يسارية يطالب باصلاحات اكثر اجتماعية تمس بالاساس الفئات الاكثر تضررا من الاختيارات الليبرالية. وهذا الاتجاه يجد صدى واضحا عند النقابات. ولكن اكثر من ذلك, فان المستشار الجديد ينبغي ان يفاوض ويشرك الخضر الذين لا مناص من الائتلاف معهم لتشكيل حكومته. وتبدو مطالب هؤلاء متباعدة كثيرا مع تفكير شرويدر, لاسيما ما يتعلق بالاصلاح الجبائي, وبفرض ضرائب على اصحاب السيارات والوقود, وكذلك التخلي عن الطاقة النووية. فلاشك, في أن قدرة المستشار الجديد على قيادة السفينة الالمانية بحنكة, ستتبدى من خلال قدرته على اقناع حلفائه ببرنامج حكومي كفيل بأن يخرج المانيا من المأزق الذي تتخبط فيه. واذا كان الاشتراكيون الآخرون, ولاسيما توني بلير, الذي يعتبر نموذجا لشرويدر, قد استطاعوا لحد ساعة تحقيق نتائج محمودة على درب اعادة الامل الى المجتمع, فمن الواضح ان عمل المستشار الجديد سيواجه صعوبات اضافية مرتبطة بالبنية الداخلية الالمانية, وبالظرفية الاقتصادية العالمية التي بدأت تدخل حسب بعض المحللين في منطقة الاضطراب. فمن الناحية الداخلية, فعلاوة على متطلبات التحالف التي تحدثنا عنها, والتي قد توجه الممارسة نحو هذا الاتجاه, أو ذاك, فان الحكومة الجديدة مدعوة الى مواصلة المجهودات من أجل استكمال انصهار وحدة المانيا. فبعد سنوات على التوحيد مازالت الفوارق واضحة بين الجهتين, ويتطلب هذا المسعى الاستمرار في الانفاق العام من أجل تصحيح تلك الفوارق, وهو الامر الذي يثقل كاهل الميزانية الفيدرالية, لاسيما في وضعية الانكماش. ومن ثم لا يمكن تجاوزه الا باعادة اقلاع النشاط الاقتصادي, وعودة الحيوية والقدرة على التنافسية, الى المؤسسات الانتاجية الالمانية. وعلى المستوى الخارجي, وعلى خلاف ما كان يسود من تفاؤل حول عودة العافية والنشاط للاقتصاديات العالمية, فان الازمات التي عرفتها الاسواق الآسيوية, وكذلك الاقتصاد الروسي, والاقتصاديات الامريكية اللاتينية, لا يمكن الا ان تترك آثارها على باقي الاقتصاديات الغربية. وفي حالة تحقق السيناريو الاكثر تشاؤما, فان معدلات النمو ستعرف انخفاضا في اغلب الدول, وهو الامر الذي سيزيد المشاريع الاصلاحية صعوبة اكبر. وأخيرا فإن افرازات هذه الانتخابات قد أكدت, اسوة باستحقاقات في بلدان متنوعة, ان الاتجاه السائد حاليا يكمن بدرجة اساسية في اقرار نموذج مجتمعي يضع من بين اولوياته اقرار العدالة الاجتماعية من خلال تكريس مبدأ تساوي الفرص, وترسيخ قيم وسلوكات التضامن الاجتماعي. استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ــ المغرب*