منذ أيام واسم الرئيس المصري حسني مبارك يحتل عناوين الصحف الاقليمية والدولية وهو ينتقل ما بين دمشق والرياض وانقرة محاولا بكل جهده نزع فتيل التوتر بين سوريا وتركيا, لانه يدرك تماما ان كل رصاصة تنطلق في هذا الصراع غير المبرر هي خصم من الرصيد الاستراتيجي للأمة العربية ومكافأة لا تستحقها اسرائيل المحرك الفعلي لانقرة كي تتحرش بسوريا. قبل ذهابه الى دمشق مباشرة كان الرئيس المصري يفتتح اهم ندوة استراتيجية تنظمها القوات المسلحة عن حرب اكتوبر ومرور 25 عاما على العبور العربي العظيم من الهزيمة الى النصر. في كلمته الموجزة كان المحور الذي ركز عليه مبارك هو التضامن العربي وكيفية استعادته مذكرا بالموقف الشجاع للخليج حينما اتخذ قرار قطع النفط ومشيدا بسوريا والرئيس الاسد (حليفنا في الحرب وشريكنا في السلام) ومطالبا بسلام عادل يحقق الاستقرار في المنطقة. قبل هذه الندوة كانت مصر وخلال استقبال مبارك لعرفات ــ حسبما ذكرت وسائل الاعلام ــ قد حذرت الفلسطينيين من تقديم اي تنازلات للاسرائيليين في المفاوضات المقبلة, وكان وزير خارجيتها اللامع عمرو موسى يشن هجوما متواصلا ومركزا ضد الغطرسة الاسرائيلية والانحياز الامريكي لها خلال وجوده في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقبل كل شيء فان مصر بكل ثقلها ومعها الأمة العربية تحتفل الآن بانتصار اكتوبر الذي لعب فيه مبارك دورا محوريا باعتباره كان وقتها قائدا للقوات الجوية وصاحب الضربة الاولى التي مهدت للانتصار العربي. قد يتعجب البعض من هذه المقدمة الطويلة ومبرراتها واسارع قائلا انني فوجئت بما كتبته توجان الفيصل تحت عنوان (وقفه مع تصريح مبارك) واعتقد ان كثيرين غيري وجدوا انفسهم اسرى للحيرة والاستغراب ومبعث المفاجأة في مقال د. توجان ليس فقط انصرافه عن التحليل الموضوعي ولكن ما عرف عن توجان من موضوعية وصورة براقة مستمدة من مواقفها المختلفة عندما كانت عضوا في مجلس النواب الاردني او بعد ذلك. جوهر ما كتبته د. توجان هو استغرابها لتصريح منسوب الى الرئيس مبارك حول القصف الامريكي لمصنع الشفاء السوداني بان هناك مصنعا كيماويا آخر بجوار الشفاء وتصل توجان في ختام مقالها الى نتيجة غاية في الغرابة في تفسيرها لتصريح الرئيس مبارك وهي أنه موقف شخصي. ومبلغ علمي أن هذا الاستنتاج لا يصمد للمناقشة بين مجرد قراء للصحف وليس بين مراقبين وسياسيين فكما تعلم توجان ان مصر باكملها ــ والتي يمثلها الرئيس مبارك ــ تغلبت على جراحها ومافعله بها النظام السوداني ومدت يدها لهذا النظام.. ولو كان الأمر مجرد انتقام شخصي فكيف تفسر توجان استقبال القاهرة لمسؤولين سودانيين بصفة شبه دورية اخرها وزير خارجيتها منذ شهر, وكيف يمكن تفسير الموقف المصري (الرسمي) الصلب ضد اي محاولة لفصل جنوب السودان عن شماله؟ تعلم توجان ان نظام البشير ــ الترابي يسعى جاهدا لتقسيم البلاد كي يستريح من (وجع الدماغ) وينفرد باي جزء من الارض وانه وقع بالفعل اتفاقا مع جون قرنق ثم مع ما يسمى بالفصائل الجنوبية (مشار ــ كاربينو) يمهد لفصل الجنوب, وتعلم توجان ان القاهرة سعت ولاتزال لجمع شمل كل المتخاصمين السودانيين.. القاهرة تعلم أن الترابي قد لا يشغله وحدة التراب الوطني لكن مصر منطلقة من علاقتها الازلية بالسودان وشعبه العريق اكثر حرصا على وحدة السودان من بعض سياسييها. لا اعرف اذا كانت توجان تعلم أن احد اسباب الهجوم الامريكي المستمر على مصر داخل الكونجرس وفي الصحف الامريكية يعود الى موقف القاهرة من المسألة السودانية ام لا.. لا اعلم ايضا اذا كانت توجان تدرك مدى الفصل بين الاحساس الشخصي تجاه نظام والمصلحة القومية ام لا؟ والا كيف تفسر لنا موقف مبارك وهو بحكم صلاحياته يستطيع أن يتخذ ما يشاء من قرارات سيادية.. على سبيل المثال لو كان موقف مبارك من النظام السوداني مجرد ضغينة شخصية.. الم يكن بوسعه زيادة حدة الازمة لدى نظام الترابي بترحيل حوالي 4 ملايين سوداني يعيشون وسط اخوانهم المصريين ويتعاملون معهم بروح قومية اسلامية حقيقية.. الم يكن في وسع مبارك دفع الغرب وامريكا الى فرض حظر جوي على السودان كما خططت واشنطن قبل فترة.. لا اعلم هل تدرك توجان ان الموقف المصري الذي استفاد من تجربتي العراق وليبيا هو الذي منع واشنطن قبل حوالي عام من فرض حظر جوي على السودان لان القاهرة ادركت وقتها ان الشعب وليس النظام هو الذي سيدفع الثمن. تقديري الشخصي أن توجان الفيصل اساءت تماما اختيار منهج التحليل وهي تحاول تصوير تصريح مبارك بأنه انطلاق من موقف شخصي.. لان جوهر الواقع يشير الى ان التعامل المصري مع (المسألة السودانية برمتها) وهو الامر الذي لاتعلمه توجان ينطلق اساسا من استراتيجية ثابتة.. ازعم انها لم تتغير طوال العقود الماضية منذ فترة عبد الناصر الى الآن مرورا بفترة السادات.. ربما تغيرت الوسائل لكن الاستراتيجية ثابتة.. السودان بالنسبة لمصر هو ذلك الشعب العربي المسلم والشعبان يربطهما شريان النيل.. لن يعكر مياهه تصرفات من حفنة من المسؤولين قفزت الى السلطة في الظلام وقهرت شعبها وروعت أمنه. تقول توجان الفيصل في ــ مقالها الغريب من حيث المضمون والمثير للتساؤلات من حيث التوقيت ــ ان لدى مصر مقومات القيادة العربية ولكي تنالها عليها ان تفي باستحقاقها.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. هل لكي تصبح مصر قائدة معترف بها من قبل توجان الفيصل ان تؤيد النظام السوداني مثلا او تسكت عن غزو العراق للكويت مثلا؟ لا اعرف ماذا تقصد توجان الفيصل.. لكن القيادة لا تقررها فقط مقالات بعض الكتاب ولكنها مسألة غاية في التعقيد مستمدة من الدور والتأثير والسكان وقبل كل شيء وبعده الحضارة. ايضا يبدو ان توجان الفيصل لم تتابع أن القاهرة (الرسمية) وليست الشعبية كانت ضد قصف امريكا لمصنع الشفاء وضرب افغانستان.. رغم أن النظام الاول تآمر عليها والنظام الثاني (طالبان) تولى مهمة توريد الارهابيين لكي يروعوا امنها ورغم ذلك فان مصر رسميا اعلنت معارضتها لاتخاذ خطوات احادية وايدت مطلب السودان في ايفاد بعثة تقصي حقائق.. وعلى الكاتبة الاردنية ان تعود فقط لتصريحات المسؤولين السودانيين انفسهم. تلك نقاط سريعة على ما ورد في مقال توجان الفيصل. جميعا كعرب ومسلمين ضد البلطجة الامريكية وضد قصف مصنع الشفاء.. لكن على توجان الفيصل ان تعيد قراءة تصريح مبارك من زاوية اخرى.. زاوية الرئيس المسؤول الذي يعلم مالا تعلمه هي, هذا الرئيس تحمل كل بشاعات الهجوم الامريكي الصهيوني ومازال لانه اختار الجانب الصحيح.. جانب أمته العربية لكنه للأسف يا سيدة توجان لم يختر ايضا جانب النظم الديكتاتورية التي تتاجر بشعوبها. رجائي الاخير لتوجان الفيصل ان تقف مع نفسها بصراحة اولا قبل ان تقف مع تصريحات الآخرين. كاتب مصري *