الحدث بسيط في مظهره, ويبدو ــ لأولئك الذين لا يريدون الغوص فيما وراء السطح ــ محليا وخاصا بالكويت, ولكن المتأمل في رمزية وواقعية مبادرة أمير الكويت في الاسبوع الماضي بدعوة حملة الشهادات العليا من مواطنيه لعشاء اعقبه حديث جاد ومهم عن المستقبل, يكتشف ان حفل العشاء الذي دعا اليه الامير ليس حفل عشاء عاديا , انما هو تعميق لمنهج اصيل لحاكم يعرف لغة العصر, وإدراك بصير لقائد, وبعد نظر نابع عن معاناة, لا يمكن ان يهمله محلل جاد, أو يمر عليه دون تمحيص. لقد تناولت اقلام عديدة من الزملاء تحليل وتفسير وقراءة الخطاب الذي القاه الامير في ذلك الحفل, وهو خطاب بكل المقاييس تاريخي, وما أريد ان اعرضه هنا هو قراءتي الخاصة للمناسبة وللقول, وأبدأ بالحديث وبعجالة عن المنهج. فأصالة المنهج جلية لدى هذا الحاكم العربي المؤمن بالعلم ايمانا جعله منذ زمن ــ رغم مسؤولياته الجسام ــ يتولى بنفسه قيادة مؤسسة رائدة تعنى بتحفيز العلم في بلده والعلماء من امته, وهي مؤسسة الكويت للتقدم العلمي, أما تعميق المسار فهو ماثل في الدعوة الودية على العشاء التي اختص بها حملة الدكتوراه من ابناء وطنه, والتي ألقى فيها كلمة هي بكل المقاييس تاريخية. ويمكننا ان نقرأ في هذه الرسالة ــ الخطاب مضامين عديدة مباشرة وغير مباشرة. ان ما يلفت النظر في هذا الخطاب موضوعان: الاول مضامينه العامة من جهة, والمشكلات التي تواجه الكويت من جهة اخرى, وكلاهما ثلاثة في ثلاثة, الثلاثة الاولى في المضامين هي: ان الكويت لكل مواطنيها فهي (ليست لفئة دون اخرى) , واننا (جميعا في سفينة واحدة) , وان الطريق الى الحفاظ على سلامة السفينة (الوطن) هو ثلاثية (التكاتف والتضامن والتآزر) . كما ان القضايا الثلاث الملحة التي يراها الامير ماثلة كتحد امام مستقبل المجتمع هي: الامن, والتعليم, والاقتصاد. اما المضامين غيرالمباشرة فهي تتمثل في هذه الوقفة التي تأتي على مشارف القرن الواحد والعشرين, وهي وصية جيل لجيل, من جيل خبير الى جيل جديد, وهي ايضا تقليب حاكم عادل للرأى في مجتمع ينتقل من طور الى طور, ولعلني ألمح مجموعة من المؤشرات غير المباشرة التي ربما أرادت القيادة الكويتية ان تطرحها ــ عبر مخاطبة النخبة المتعلمة ــ لجميع المواطنين. أولا: لعلني ألمح ــ وقد لمح القلة من المعلقين الذين قرأت لهم تعليقات بعد الخطاب ــ ان القيادة السياسية ربما وجدت ان (مؤسسات صناعة القرار) في مجتمعنا اجهدت كثيرا من ثقل العمر المركب الناشىء عن اعباء فترة استثنائىة من عمر الوطن, ومن ثم ألم ببعض اعمال هذه المؤسسات التمسك بالشكل, بعيدا عن المضمون, والتمسك بالمصالح الضيقة بعيدا عن المصالح المرسلة, على الرغم من انها تتشكل من بعض اهل الرأي الجاد, الا ان هؤلاء اقلية فيها تجرفها الاكثرية, فأصبحت استحقاقات الوطن العجلى تتطلب الاسراع في التنفيذ, فاستعاض الخطاب عن محادثة (النخبة السياسية) بــ (النخبة المتعلمة) والمجتمع نخب عديدة, منها السياسي والتجاري والعلمي, ولعل عجز الكثيرين من النخبة السياسية عن تقديم الاستحقاقات للوطن, وغياب أو ضعف الشعور بالانتماء تجاه مشروع مدني يستحقه الوطن ويتوق اليه, وتفتت بواعث معالجة الامراض الاجتماعية كالبطالة والجريمة وتدني مستوى التعليم ومعالجة الوضع الاقتصادي الذي يزداد تعقيدا, كلها تثقل المؤسسات السياسية القائمة وتقف عاجزة, لأسباب كثيرة, عن علاجها, وهذه الامراض ان استشرت في المجتمع وأطالت القعود فيه دون حلول فإن نتائجها السلبية تصل الى تآكل المؤسسة الديمقراطية نفسها, وإحقاقا للحق فإن بعض اعضاء هذه المؤسسة ممن أوتوا الوعي والمسؤولية يشعرون بهذه المخاطر, لكنهم لأسباب كثيرة ــ ذكرها بعضهم في السابق وناقشوها باستفاضة ــ يقفون حيارى في معالجتها, لذلك فإن قراءتي لرمزية هذا اللقاء, تخرج بنتائج مفادها انه توسيع عصري جدا لفعاليات الممارسة الديمقراطية, وتوسيع لمجالها التقليدي المكون من السلطتين التشريعية والتنفيذية, يضيف الى ذلك سلطة ثالثة هي سلطة المعرفة المدعومة بإرادة الفعل السياسي ممثلا بالقيادة السياسية, ولهذا السبب بالذات فإن المطلوب من هذه النخبة المتعلمة ليس فقط الاستماع, ولكن أيضا المشاركة بالرأي في المتاح من الوسائل. ثانيا: لعلني ألمح أيضا في خطاب الأمير لدخول الألفية الثالثة التي تفصلنا عنها اقل من خمسمائة يوم فقط اشارة الى أن اهم مكونات شروط المواجهة لتحدياتها الكبيرة العلم والمعرفة وتطبيقاتهما, وهنا لا أجد مفرا من مصارحة القارىء والزملاء الذين حضروا أو غابوا ــ لاسباب خاصة ــ عن اللقاء, ان التلميح لتجويد التعليم في الكويت وما يشمله من التحدي المادي والمعنوي موجه لكم, فانتم معنيون به مباشرة, ويحمل هذا التوجيه في طياته نقدا لما هو قائم ونقدا لمخرجاتكم من المتعلمين. والشكوى من تدني مستوى التعليم في الكويت تضج بها التقارير ويشتكي منه متلقو مخرجات المؤسسات التعليمية, ويحار فيه جيل الآباء, كما أن الدولة غير راضية عن مخرجات التعليم, الذي يساهم في انتاجه معظم الذين حضروا الدعوة. وعندما تأتي هذه الاشارة الى جمع معظمه من المسؤولين المباشرين عن هذا التعليم تنفيذا وتخطيطا, لا يبقى أمامنا شك في أن النخبة المتعلمة قصرت عن ملاقاة هذا التحدي حتى الآن, فاستفادت ولم تفد لأن المشتكى منه هو مخرجاتها أو بعض منها وهي معضلة قلبت النظر فيها فوجدت ان الشكوى تمتد من ضعف تكوين الاساتذة واهمال خطر من المتلقين, وغياب سياسات في الدولة حازمة لفصل الوظيفة عن الشهادة, وغياب التدريب مع ربطه بالتشجيع, وضغط اجتماعي لربط مظهرية المتعلم مع مخبره وهما شيئان لا شيء واحد. أحد المخارج, لا أقول كلها, تجربة الجامعات الخاصة غير الهادفة للربح, وهو عود حميد لأساس التعليم في بلادنا, ومخرج ان تأخرنا في الاخذ به فات وقته, لقد كانت الرسالة في الخطاب هي ابلاغ الداخل والخارج باصرار الحكم على تفعيل دور العلم والمعرفة في بناء الدولة العصرية, وان هذا الاصرار هو السلاح الحقيقي لمواجهة كل التحديات, فهو صمام أمان لحاضر حيوي وشرط سابق لتأكيد دخول المستقبل, وعلينا جميعا ان نبحث عن مداخل صحيحة وصحية لتفعيل التعليم. ثالثا: ان الحديث جاد عن الأمن وهو احدى القضايا غير الخلافية, وهو أمن ليس داخليا وخارجيا فقط, ففي تقديري ان الأمن ثلاثة, اثنان معروفان داخلي وخارجي ذكرتهما, ولكن الثالث دبلوماسي, وهو علاقتنا بالآخرين, في الجوار وما بعد الجوار, وهي علاقة لا يحق لاحد ــ لأنها مرتبطة بالأمن الوطني ــ ان يزايد عليها, والعالم يتغير من حولنا, وتتغير ايضا فيه التحالفات, وعلينا حصار العدو قبل أن يحكم الحصار حولنا, وهي أمور تحتاج الى مصارحة وشجاعة والى اتخاذ قرار. رابعا: الحديث عن الاقتصاد, ولقد لخص الأمير زبدة العلاقة بين الاقتصاد والاستقرار في قوله (ان شعبا لا يستند الى اقتصاد قوي عرضة للزعازع والتبعية) ولعلني المح هنا الاشارة الى (الزعازع) باحتمالات مقلقة لانشقاق وطني نتيجة العسرة الاقتصادية, وهو قول حق وتنبيه جاد وبعيد النظر, حيث أن تأزم المشكلات الاقتصادية تتنامى معه المشكلات الاجتماعية في قاعدة الهرم الاجتماعي وتصبح عرضة لتيارات سياسية فاسدة تعبئها لغير صالح الوطن, ولنا في الآخرين أسوة, الا ان أمر الاقتصاد قد نوقش, وكان آخر المناقشات ما عرضته غرفة التجارة في المؤتمر الاول لرجال الاقتصاد الكويتيين, وهناك دراسات جاهزة تحتاج الى تطبيق متوازن وشامل, كما ان بحث الموضوع مجددا لن يضر بل سيفيد. لقد نظر الأمير الى الوراء فوجد ان الجيل الذي تقدم بذل الكثير من التضحيات وأنجز (في النصف قرن المنصرم, شهدنا من التطورات المتسارعة ما تمخض عن تجارب ثرية, اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية وغيرها) ولكن الطموح يظل أكبر مما تحقق, والتحديات القائمة والمقبلة اكبر بكثير مما كانت, لذا فان تبعات الجيل المقبل هي اشد تحديا واكبر صراعا. لذلك اختار القائد ان يلتقي بهذه النخبة المتعلمة ليجسد وعيا بأن هناك حلقة مفقودة في بنية الدولة في العالم الثالث او النامي, ودون وضعها في مكانها وتفعيلها, والاستفادة من طاقتها الايجابية الحيوية, ستظل الدول التي تتناسى هذه الحلقة في (حزام المناطق ما قبل الحديثة) الموبوءة بالقلاقل حيث يسود الفقر والاستبداد والتسلط, هذه الحلقة هي حلقة العلماء والاكاديميين التي تقوم على خبرتها الاكاديمية والمعرفية وفي جو ديمقراطي صحي النهضة الحديثة في العالم المتقدم والناهض. فالتخطيط المحكم سياسيا واقتصاديا وامنيا مرهون بتفعيل هذه الحلقة المفقودة وتحويل المناسب من رؤاها واجتهاداتها الى خطط ومنتجات ووسائل دافعة وأدوات ثقافية صاقلة للذوق وللاداء, وهذه الفئة او الحلقة المفقودة في الغالب لا تجيد العمل السياسي الذي يحتاج الى مهارات غير مهارة الدقة والصدق والمباشرة والمصارحة العلمية, فاتخاذ القرار السياسي منوط بأهل السياسة والحكم لتحويل اجتهادات هذه الفئة العلمية الى واقع اقتصادي وثقافي وسياسي, وهنا جوهر الدعوة الى العشاء التي أطرت المضمون السامي في ثوب انساني, وبقول جامع اصبح على الجميع فهمه وتفسيره والعمل باشاراته.