كنت اتمنى ان يكون الاحتفال باليوبيل الفضي لحرب اكتوبر عيدا قوميا على المستوى الرسمي والشعبي... تقام فيه الاحتفالات في كل قرية عربية, ويجتمع فيه الزعماء العرب في القاهرة ليكتبوا شهادة ميلاد جديدة لحلف اكتوبر العظيم الذي قام ذات يوم قبل ربع قرن بين القوة العسكرية العربية والقوة المالية والاقتصادية, ووقف فيه سلاح البترول بجانب اسلحة الجيوش العربية, وتكاملت فيه كل الامكانيات العربية البشرية والمادية لتصنع ملحمة العبور التي انتصرت فيها الامة العربية على جيوش اسرائيل وترسانة امريكا العسكرية, وانتصرت - قبل ذلك وبعده - على مشاعر اليأس والانكسار التي كانت تسكن النفس العربية والتي استهدفت ان يكون اليقين العربي هو ان الهزيمة هي النتيجة الوحيدة في اي صدام مع اسرائيل ومن يدعمونها. ان اعظم احتفال باكتوبر هو الا يكون حدثا استثنائيا في تاريخ الامة. وانما هو النموذج الحقيقي للانجاز الذي يمكنها تحقيقه اذا اتحدت كلمتها, واجتمعت امكانياتها, وقاتلت بكل اسلحتها وبنت وعمرت واستغلت كل مواردها, وتمسكت بحقوقها واجبرت العالم كله على احترامها. ولقد كان هذا هو محور المعركة الحقيقية التي شهدها الوطن العربي خلال الربع قرن الاخير. كانت المعركة في جوهرها قتالا عنيفا بين ارادتين: - إرادة ترى في اكتوبر أكثر من النصر العسكري الذي تحقق. تراه نقطة انطلاق حقيقية لمستقبل جديد للأمة العربية, لا تكتفي فيه فقط بتحرير الارض السليبة, وإنما تصنع بطول الارض العربية الوطن الذي تريده وتتمناه.. الحر, القوي, المتحضر, المؤمن بحقوق الوطن وحقوق الانسان, الضارب بحضارته في أعماق التاريخ وبآماله الى آفاق المستقبل. كناقد استعدنا باكتوبر الثقة في النفس والقدرة على الاحلام القومية, وبدأ الحديث عن العرب كقوة سادسة في العالم تملك كل مقومات النهوض.. البشر, والامكانيات, والثروة, والارض, والموقع الفريد, والارادة التي اذا وضحت لها الرؤية صنعت المعجزات. - على الجانب الآخر من الصراع, كانت هناك القوى التي تصطدم مصالحها مع النهوض العربي, والتي ترى في سيطرة العرب على مقدراتهم وثرواتهم خطرا لا بد من التصدي له. لقد فاجأتهم الامة العربية ــ كما فاجأت نفسها ــ في حرب اكتوبر, وكان لابد أن تكون هذه المفاجأة هي الاولى والاخيرة حتى لاتتهدد مصالح اعداء الامة العربية. وهكذا ما أن أفاق أعداء الامة من هول المفاجأة حتى بدأوا العمل ــ بل القتال ــ من أجل تصفية آثار حرب اكتوبر. وعلى مدى ربع قرن فعلوا المستحيلات في هذا السبيل. لقد فتحوا مخازن سلاحهم دون قيود لاسرائىل لكي ينقذوها من الهزيمة الساحقة في اكتوبر. وكان المبرر أن السلاح الامريكي لاينبغي ان يهزم في المعركة, ولكنه هزم, والآن تنهال الاسلحة على اسرائيل بعد ان تعهدت امريكا بأن تظل القدرة العسكرية لاسرائيل أكبر من قدرة كل العرب مجتمعين.. وتمارس كل الضغوط لكي تحتفظ اسرائىل بقدراتها النووية وأسلحتها الكيماوية والبيولوجية ـ بينما تقوم الدنيا ولا تقعد إذا وصل صاروخ لسوريا أو عززت مصر قدراتها الدفاعية! لكن تعزيز القدرات العسكرية وتدعيم المساندة الاقتصادية والسياسية لاسرائىل يبقى هو الجانب الأقل أهمية. فالمهم هو ضرب القدرات العربية وانهاء حلف اكتوبر الذي انتصر قبل ربع قرن, واعادة العرب الى حالة التشتت والضياع لتفلت منهم فرصة العمر في اللحاق بالعصر وتجاوز التخلف وتحقيق النهضة. ومن فك الاشتباك الى كامب ديفيد, ومن أوسلو الى وادي عربة, تحقق لاسرائىل ماتريد, وتعاملت مع كل طرف عربي على حده, وابتعد الحل الشامل, وتفتت تحالف اكتوبر وانتهى الأمر واسرائىل تفرض شروطها وتمارس غطرسة القوة كما تريد, والقيادة الفلسطينية تقدم التنازل تلو التنازل, ثم لاتنال شيئا الا سلطة هزيلة وهزلية مطلوب ان تكون مهمتها الاساسية هي تصفية المقاومة التي اصبحت ــ باعتراف السلطة إرهابا! ومن جانب آخر تم اغراق العرب في جحيم الحرب الاهلية كما في الجزائر, أو في طوفان الحروب العربية ــ العربية الذي اجتاح المنطقة من اقصى المغرب الى الخليج, والذي بلغ القمة في المأساة بالاجتياح العراقي للكويت وما تبعه من تطورات قصمت ظهر الامة العربية, ومازالت تدفع ثمنه الباهظ, وستظل كذلك لسنوات طويلة مقبلة. وسلاح البترول الذي لعب دورا اساسيا في اكتوبر يتم ضربه سواء باغراق السوق بالانتاج الزائد وتخفيض الاسعار, او باستنزاف العائدات والارصدة في حربي الخليج وتوابعهما, لتتحول معظم الدول العربية المنتجة للبترول الى دول مدينة!! وها نحن بعد ربع قرن من الحرب حول اكتوبر, وقد حقق الاعداء الكثير.. الجزائر اغرقوها في دماء شعبها, وغيرها من الدول العربية اغرقوها في الديون, وشعب العراق يعاني في المجاعة, وليبيا والسودان تحت الحصار, والقدس تضيع, واسرائيل تتحالف مع تركيا وتستعدان لضرب سوريا, وموازين القوى العسكرية في صالح العدو كما لم تكن من قبل, والاساطيل الامريكية تعربد في المنطقة, والعجز العربي يغري الاعداء بالمزيد من الغطرسة, ويدفع الضعاف الى المزيد من التنازلات. لكن المقاومة العربية لم تنته, والحرب مازالت مستمرة, والامة لم ترفع راية الاستسلام, سوريا مازالت صامته, وفي جنوب لبنان تستمر ملحمة الشعب ضد الاحتلال, واسرائيل تدفع ثمن تواجدها في الجنوب, ومصر التي ارادوا عزلها عن امتها العربية مازالت هي الشوكة في حلوقهم, ومازالت ــ رغم قيود كامب ديفيد ــ هي الصخرة التي تتكسر عليها محاولات فرض الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة, فقد رفض شعبها كل محاولات التطبيع حتى عندما كان البعض يهرول والبعض يسقط في خديعة الشرق اوسطية, والبعض يكتشف (!!) ان العروبة خرافة! ومصر الآن متهمة بانها ترفض بعض ما تقبله القيادات الفلسطينية من تنازلات, وبأن دورها (سلبي) في مفاوضات (الاستسلام) للحل الاسرائيلي, ومصر متهمة بأنها تسعى لتحديث جيشها, وبأنها تسعى لاثارة القلاقل باعتراضها على الترسانة النووية الاسرائيلية! وتعاقب مصر ــ كما يعاقب العرب جميعا ــ مرة باطلاق عصابات الارهاب لضرب الاقتصاد وهز الاستقرار, ومرة بمحاولة شق الصف الوطني باثارة المزاعم حول اضطهاد الاقباط, ومرات بالتآمر ضد محاولات جمع الصف العربي سياسيا واقتصاديا وعسكريا. .. ويأتي اليوبيل الفضي لحرب اكتوبر, وتحتفل الامة العربية, وتشهد مصر اول عرض عسكري من سنوات في اشارة لابد ان الجميع يدرك مغزاها, فالحرب لم تنته ولن تنتهي وهناك شبر من الارض العربية تدنسه اقدام الصهاينة, ولن تنتهي وهناك على الحدود الشرقية كيان عنصري يشكل كل الخطر على مصر وعلى العرب, والكل يؤمن ــ اكثر من اي وقت مضى ــ انها حرب وجود لاحرب حدود.. ولذلك يشتد لهيب المعركة حول اكتوبر, بين من يريدونها استثناء في تاريخ الامة, وبين من يرون فيها نقطة انطلاق فجرت طاقات العرب, وبداية مجرد بداية ــ نهايتها هي نهاية الحلم الصهيوني مهما ساعدته الظروف. .. وتحية لامة تعرف كيف تنجب الشهداء, وتعلم جيدا ان كل الايام تصلح لان تكون اكتوبر الجديد.