رغم الكم الهائل من الكتابات والدراسات والإستطلاعات التي حاولت سبر أغوار الحرب العربية الاسرائيلية الثالثة في السادس من اكتوبر 1973 من كافة جوانبها العسكرية والاقتصادية والإنسانية , فما تزال هناك بعد مضي ربع قرن على إندلاع الكثير والهام من الأسرار الخفيه التي تستدعي الوصول اليها واستكشاف أبعادها والتحقق من إنعكاساتها الايجابية واستخلاص دروسها المستفادة سواء على مستوى الصراع العربي الاسرائيلي أو على صعيد نهوض المجتمع القومي المدني! ولعل في مقدمة وأوليات الحقائق والأسرار التي تستدعي القيام بهذا الدور, تلك النقلة النوعية والكيفية التي تتعلق بالروح المعنوية التي سادت الشارع العربي بوجه عام والشارع المصري بوجه خاص إثر انتصار اكتوبر, فمن حالة الهزيمة والانكسار واليأس والاحباط الى إستعادة الثقة في الذات وتفجر ينابيع التفوق والإبداع والإيمان بحتميات الإنتصار على العدو الاسرائيلي الذي ظل يروج منذ هزيمة العرب عام 1948 بإستحالة إنتصارنا على جيشه الذي لا يقهر! واذا كان هناك إجماع ساد أوساط المعلقين العسكريين ومراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم, على ان الاداء القتالي للجندي المصري كان مفاجأة حرب اكتوبر, وبشهادة وإعتراف القادة الاسرائىليين, لأنه خاض بكفاءة عالية أول حرب اليكترونية في التاريخ الإنساني المعاصر وتمكن من قهر الجيش الذي لا يقهر, فقد كان ذلك الاستنتاج مبنيا على توافر عدة مقومات أساسية ذكرتها في المحاضرة التي شرفت بتقديمها أمام ندوة المحررين العسكريين العرب التي نظمها الأسبوع الماضي معهد الصحافة الاقليمي التابع لمؤسسة الاهرام, لكوني شاهد على حرب اكتوبر خلال فترة عملي كمراسل عسكري آنذاك. ذكرت في البداية قصة تروي عن محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة, حين إستدعى من فرنسا أبرز قيادات جيش نابليون بونابرت الجنرال سيف, وعهد اليه تكوين جيش قوي وضخم من الفلاحين المصريين قادر على الدفاع عن مشروعه القومي الخاص بالدولة العربية الإسلامية المستقلة عن الخلافة العثمانية, لكنه إعتذر عن المهمة في البداية بدعوى أنهم لم يمارسوا القتال ردحا طويلا من الزمان حافل بالغزوات الخارجية التي استلبت مقدراتهم وغيبت ارادتهم, إضافة الى عنصر القدرية الغالب على معتقدات الفلاحين المصريين نتيجة اشتغالهم بحرفة الزراعة, وكذا نهجهم الحياتي الوسطي التي أفرزتها أجواء مصر المعتدلة وانبساط جغرافيتها وانسياب مجرى النيل, وكلها عوامل لاتؤسس جيشا حديثا وقادرا على إنجاز المشروع القومي الذي يمتد الى ماوراء حدود مصر! لكن مع اصرار محمد علي اضطر الجنرال سيف الى خوض التجربة, ومع نجاحها اعتنق الاسلام وأصبح اسمه سليمان باشا الفرنساوي, واستطاع جيش الفلاحين المصريين استيعاب تكنولوجية تصنيع البنادق والمدافع وقطع الاسطول المصري, وخاض غمار المعارك مع المماليك في الداخل حتى قضى على سطوتهم, فيما خاض في الخارج حروبا ضروسا امتدت من منابع النيل جنوب السودان مرورا بالشام. زحفا الى عاصمة الخلافة في استانبول, نهاية بحرب المورة في اليونان, وحتى تكالبت الدول العظمى وقتئذ على محمد علي واجبرته على التخلي عن مشروعه القومي وحل الجيش المصري وتفكيك مصانع السلاح وحتى مصنع الطرابيش! والتاريخ احيانا يعيد نفسه, ولعلنا نتذكر في الذكرى الثامنة والعشرين لرحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر التي جاءت متزامنة مع ذكرى ربع قرن على حرب اكتوبر المجيدة, ان مشروعه الوطني الرامي الى بناء مصر الحديثة ومشروعه القومي لبناء الوحدة العربية قد تعرض للإنتكاسة على غرار ماجرى لمحمد علي في يوليو 1967, والتي سبقتها انتكاسة الوحدة المصرية السورية رغم اختلاف الزمن والظروف وتباين الاسباب! على انه لم تمض سوى ايام على نكسة 1967, حتى بادرت البحرية المصرية الى تدمير زوارق الطروبيد فرقاطة بحرية إسرائيلية واغراقها بطاقمها القتالي في أعماق البحر الأبيض, وإنبرت قوة من الصاعقة المصرية الى تدمير مجموعة من الدبابات الاسرائيلية في منطقة رأس العش, وحالت دون تقدم قوات العدو الى بور توفيق إيذانا باحتلال مدينة بورسعيد. والشاهد ان جمال عبدالناصر كان حريصا على ان يظل الجيش المصري في حالة قتال دائم مع الاسرائيليين حتى يحافظ على روحه المعنوية ساخنة, الى حين اعادة بنائه من جديد وتأهيله لخوض معركة العبور الى سيناء, فكانت حرب الاستنزاف الضارية التي اعترف العدو بخسائره البشرية والمادية الفادحة التي تكبدها تباعا, الى حين قبوله ومصر بمبادرة روجرز وزير الخارجية الامريكي لوقف اطلاق النار التي اتاحت لمصر بناء حائط صواريخ الدفاعات الجوية (سام 3) . وهكذا على مدى سنوات حرب الاستنزاف كان عبدالناصر حاضرا دائما وسط التشكيلات القتالية على خطوط التماس مع العدو الاسرائيلي, يتابع كل كبيرة وصغيرة على صعيد تجهيز وتدريب القوات المصرية على مهام خطة العبور, وكم من المرات التي اتيحت لي ورأيته يرتدي (الافارول) العسكري ويشرف بنفسه على تركيب الطائرات والمعدات العسكرية, او يستطلع آراء ومقترحات القادة العسكريين من ذوي الرتب الكبيرة والاستماع الى شكاوى ومطالب الجنود و ... رحل الزعيم الخالد وهو قرير العين راضيا مطمئنا الى المستوى القتالي الرفيع الذي تحقق للجيش المصري, وايمانه بالقضية التي يدافع عنها, وحتميات انتصاره على اسرائيل التي هزمته مرتين لظروف خارجة عن ارادته! ومن هنا نستطيع التأكيد على ان تلاحم القائد مع قواته, وتأجيجه لنوازعهم الهجومية لا الدفاعية فحسب, والحفاظ على معنوياتهم ساخنة, وايمانهم بالقضية العادلة التي يقاتلون في سبيلها, مع توفير السلاح والامكانات الملائمة, يمثل في مجمله اهم العناصر والمقومات والدوافع التي حققت نصر اكتوبر, لكنها لم تكن وحدها وراء هذا الانجاز العظيم. كانت هناك عوامل اخرى غاية في الاهمية والدقة في مقدمتها ديمقراطية الخطة العسكرية الموضوعة للحرب, مما اتاح اوسع مشاركة لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية في اعدادها وتعبئة مواردها, وبينها الجامعات والمراكز العلمية والصحافة, ولم يعد سرا الآن ان بعض الكتاب اسهموا بالمقالة والتحليل والخبر في عملية التمويه والخداع الاستراتيجي على نوايا الهجوم الوشيك, عبر التضخيم من قوة العدو وتفوقه التقني, ومن المخاطر المحتملة لعبور المانع البحري لقناة السويس او محاولة الاقتراب من النقاط الحصينة للعدو في خط بارليف المجهز بخراطيم النابالم, والايحاء للعدو بالاسترخاء العسكري على نحو نشر اخبار تفيد جنوح مصر للتفاوض والسلام مع اسرائيل, وفتح باب اشتراك افراد القوات المسلحة في بعثة لقضاء مناسك عمرة رمضان, وتوجه قطع من الاسطول المصري لاجراء عمليات الصيانة في الهند. والشاهد انه ولولا ديمقراطية الخطة, لما كان الاقتراح او الابتكار الذي تقدم به ضابط مهندس سبق له العمل في مشروع السد العالي, عبر تجريب اسلوب استخدام خراطيم المياه في تجريف كثبان الساتر الترابي الذي شيده العدو امام خط بارليف للحيلولة دون تسلق القوات المصرية صوب النقاط الحصينة, ولولا ديمقراطية الخطة لما تبنت القيادة العامة الاقتراح بنشر كتيبة الكسل خلال الاسبوع السابق لحرب اكتوبر على طول الضفة الغربية لقناة السويس, حتى بلع العدو الطعم ومن ثم ظن وبعض الظن اثم, ان شواهد كسل وتكاسل قواتنا مانع ذاتي يحول تلقائيا دون تجرؤها على المخاطرة ببدء الهجوم. واخيرا يظل لفكرة تجنيد المؤهلين من خريجي الجامعات والمعاهد العليا فترات طويلة امتدت لاكثر من خمس سنوات, الدور الفاعل في ادارة اول حرب اليكترونية في التاريخ, قوامها الذهنية العلمية القادرة على استخدام الرياضيات والحاسبات الحديثة في توجيه نيران المدفعية والصواريخ نحو اهدافها بدقة. ومن هنا يتعين استقراء العوامل والاسباب التي اسهمت في أول انتصار عربي محقق على اسرائيل, واستلهام ايجابياتها على صعيد النهوض من كبواتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية, عبر التحشد القومي, وتلاحم القيادة بقواعدها, وتنمية قدراتنا العلمية, والايمان بالتخطيط وديمقراطية الخطة!