الدولة الوحيدة التي أيّدت أمريكا في ضربها لمصنع الادوية في السودان, هي بريطانيا, لم تلبث ان سحبت تأييدها هذا ووقعت في حرج كبير . هذا مع ان بريطانيا في ظل العقدة التي تعيشها بعد ان فقدت مستعمراتها وتقلص حجمها من امبراطورية لا تغرب عنها الشمس الى دولة صغيرة تابعة لأمريكا.. في ظل تلك العقدة وحالة الحقد التي بدأت تتولد لديها تجاه شعوب تلك المستعمرات السابقة, لم تعد تملك المقومات المعنوية والرفعة التي تدفع بصاحبها للحرج ان انحدر عن مستوى ما في تصرفاته. وباستثناء بريطانيا, فإن بقية دول العالم إما لزمت الصمت أو استنكرت تلك الضربة الامريكية لمصنع دواء في بلد يأتي على قمة قائمة البلدان التي تعاني حاليا من كوارث الجوع والمرض. وحتى المنظمة الدولية بشقيها الرئيسيين, الجمعية العمومية ومجلس الأمن, لم تملك ان تقف مع أمريكا أو تبرر ضربتها تلك للسودان رغم انقيادها التام والواضح لأمريكا في السنوات الأخيرة, وكان أقصى ما قدرت عليه هو ان ترفض طلب السودان اجراء تحقيق رسمي بشأن ادعاءات أمريكا ان المصنع ينتج أسلحة كيماوية, أي ان المنظمة الدولية, في الواقع, تحاشت بهذا الرفض ما كانت ستضطر الى اعلانه من ادانة صريحة لأمريكا في ضوء ما ستتوصل اليه أية لجنة تحقيق دولية محايدة كما طلب السودان بكل ثقة.. والسودان أدرى بما على أرضه وبما يخفى ولا يخفى ولم تأت ثقته تلك من فراغ. في ظل هذه الحقائق العالمية والمواقف الدولية, فإننا نستغرب, بل ونستنكر, موقف الرئيس مبارك من هذه القضية, وهو حتما موقف فردي لا نريد أن نعممه على مصر الدولة والشعب, ونابع من تجربة فردية ما كان يجب ان تنعكس على تصريحات تمس مصالح قطرية لمصر ومصالح قومية لكافة العرب. فالرئيس مبارك يتطوع الآن للشهادة لصالح أمريكا واعطائها مبررا متأخرا يعمل بأثر رجعي لتغطية احتياجها لمبرر حقيقي حين قامت بضرب مصنع الدواء السوداني. فصحيفة النيويورك تايمز نشرت حديثا أقوال مسؤولين أمريكيين كبار تفيد بأن الولايات المتحدة حين قامت بضرب المصنع السوداني لم تكن تملك أية أدلة على صلة من أي نوع بين مصنع الدواء ذاك واسامة بن لادن المتهم بتدبير تفجير السفارتين الامريكيتين. ولم يشر المسؤولون الامريكيون أبدا الى امتلاك الولايات المتحدة لأية أدلة على كون المصنع ينتج مواد تستعمل في الاسلحة الكيماوية. ومع ذلك يأتي الرئيس مبارك, وفور صدور هذا الاعتراف الامريكي الصريح بغياب العذر المزعوم, ليحاول ايجاد ذلك العذر بقوله ان هناك مصنعا للكيماويات بقرب مصنع الأدوية, وهذا ما لم يقله أي ممن زاروا السودان وموقع الضربة من العالم كله. ثم على افتراض وجود مصنع كيماوي بحت وليس مصنع أسلحة الى جانب مصنع الادوية, هل المصانع الكيماوية محرمة على اطلاقها؟؟ ولافتقاد الرئيس مبارك لأي دليل بأن ما يصنّع في ذلك المصنع الكيماوي ــ إن وجد ــ أو في مصنع الدواء المدمر يمكن ان يمثل أيا مما يصنف على انه سلاح كيماوي, يقول الرئيس مبارك ان هذا المصنع الخاص بانتاج الدواء (يمكن ان ينتج مواد تدخل في صناعة الاسلحة الكيماوية) لأن كافة مصانع الدواء يمكن ان تنتج مواد كتلك!!! فماذا يا سيادة الرئيس, عن مصانع الادوية في مصر, ومصر من أكبر الدول العربية المنتجة للدواء؟ وماذا عن صناعة السلاح في مصر, وليس فقط الدواء, وهي أول من أنتج صواريخ وطائرات في عهد عبدالناصر؟!.. فهل يحق لأمريكا ان تقصف مصانع الدواء في مصر أو حتى مصانع السلاح؟؟ وهل يحق لأمريكا بدعوى ان قدرات مصر التكنولوجية وعقول أبنائها العلماء ومراكز البحوث فيها تتيح لها ما يتيحه العلم لكل متعلم, ان تحاصر وتجوّع المصريين ايضا؟ وماذا سيقول الرئيس مبارك للعرب عندئذ وبأي وكم سيطالبهم مادامت مصر وفي عهد رئاسته بالذات قد وافقت على ضرب العراق وعلى حصاره وتجويعه, وقادت المجموعة العربية فيما سمّي بالتحالف الثلاثي ضده؟؟ ألا تشكل مصر أيضا خطرا على المشروع الصهيوني ــ الامريكي في المنطقة بقدر ما مثل العراق أو ما يقاربه كونها ــ كدولة وليس كنظام ــ كانت ومازالت الأكبر سياسيا بين الدول العربية, وسبق لها ان تقلدت قيادة الأمة العربية لعقود, وحازت تلك القيادة على الشرعية الشعبية العربية بما يشبه الاجماع زمن عبدالناصر, كما حازت على الاعتراف الدولي لها بتلك القيادة؟؟ وألا تحاول مصر الآن جاهدة استعادة دورها ومكانتها تلك.. وألا يستند مبارك وهو يطلق تصريحاته ــ ومنها تصريحه الأخير هذا بشأن السودان ــ على ان لأقواله وزنا, وفعلا هي من وزن مصر على الساحة العربية ومن درجة اقترابها من مكان القيادة فيه؟ وألا يهدد تصريحه هذا المشروع القيادي الطموح لمصر باعتبار ان العرب لن يسلّموا لواءهم لمن يسلّم رقابهم لضربات أمريكا وحصارها الواحد تلو الآخر؟؟.. ألا يذكر ساسة مصر وفي مقدمتهم مبارك ذاته, العزلة التي فرضها العرب على مصر بعد كامب ديفيد والتهميش الذي لحق بدورها, لا بقرار من تلك الأنظمة ــ فهذه لم يطأ عليها أي تغيير أو تطوير ــ بل بخضوع الأنظمة للقرار والموقف الشعبي العربي؟ ان ما أدلى به الرئيس مبارك في تصريحه هذا أخطر من ان يتم المرور به وكأنه خطاب انشائي آخر من خطب الزعماء العرب التي قليلا ما يستقر شيء منها في الأرض أو في الذاكرة, أو يؤثر في الفعل أو الحدث. انه تصريح, بمعنى الاجازة, صادر عن رأس دولة عربية كبرى ليس فقط بضرب السودان ومنشآته الصناعية ومستلزمات أمنه ودوائه وربما غذائه مستقبلا, بل وبضرب كل هذا في أي قطر عربي آخر, ومنها مصر ذاتها. فتدمير العراق الحقيقي الذي تم بالحصار حين عجزت أمريكا عن تحقيقه بحرب الخليج الثانية الهمجية, جرى تحت ذات الذريعة, ألا وهو نزع أسلحة الدمار الشامل منه, وثم تحديد السلاح الكيماوي والبيولوجي تحاشيا لذكر النووي الذي تطوره اسرائيل. وسكت العرب قبل بقية العالم عن موت ما يقارب المليون ونصف المليون عراقي جوعا ومرضا ومعظمهم من الأطفال. ولم يكن العراق دولة صغيرة ولا ضحية سهلة ولا (حيطا واطيا) كما يقول المثل الشعبي, ليظن مبارك ان ما أصاب العراق لا يمكن ان يصيب مصر. بل ان مصر قد تكون الخيار الأمثل في المستقبل القريب لضربة وحصار شبيهين. فمصر بالذات أمام أحد خيارين: إما ان تواصل تسلحها وتطوّر قدراتها التكنولوجية والصناعية بما يحميها من تفوق اسرائيل العسكري والتكنولوجي ويوفر لها على الاقل القدرة الدفاعية القُطرية ــ إن لم نقل الدفاعية القومية أو الهجومية ــ وإما ان تحقق مشروع نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة بأسرها ووقف تسلح اسرائيل الضخم الذي يخل بكل معايير توازن القوى الاستراتيجي اللازم لأمن واستقرار المنطقة. وموقف مصر يأتي من تجربتها (الحربية) قبل السياسية في مواجهة الخطر الاسرائيلي, وهذه التجربة بدءا من حربها ضد الصهاينة في أواخر الاربعينات ومرورا بالعدوان الثلاثي عام 1956 وحرب عام 1967 ثم حرب العبور في اكتوبر, أثبتت لمصر أهمية بناء قوتها الذاتية لبقائها أو على الاقل لعدم إعادتها الى (ما قبل الحضارة) كما يخطّط وينفّذ في شأن العراق الآن. ومن منطلق الحفاظ على الذات وصراع البقاء هذا يأتي موقف مصر من برنامج خلو المنطقة من أسلحة الدمار الشامل واصرارها عليه, بل وقيادتها للعالم العربي في المطالبة به دوليا. وهذا البرنامج الذي تتبناه مصر في حربها للحفاظ على الذات أولا, وعلى المصالح والأمن العربي ثانيا, هو أول ما يهدده تصريح الرئيس مبارك بشأن السلاح الكيماوي وعلاقته بصناعة الدواء وبقبوله بإدانة دولة عربية تصنع الدواء بأنها مذنبة (بنوايا) انتاج سلاح كيماوي تستعمله في (الارهاب) , بل واجازته الواضحة لضرب منشآت تلك الدولة, وحتى الصناعة الدوائية منها, كاجراء دولي أو أمريكي (احترازي) !!! خطر هذا التصريح على مصر وعلى العرب لا يحتاج لمزيد من الايضاح, ولكن ما يجدر قوله في نهاية هذا المقال هو ببساطة ان هذا تصريح لا يليق برأس دولة. فهو وفي ضوء ما بينّاه مما يعرفه القارىء العربي, لم يصدر عن موقف أو معطيات سياسية أو عسكرية أو استراتيجية قطرية أو قومية, ولكنه نتج عن ضغينة شخصية يحملها الرئيس مبارك للسودان لاعتقاده (خطأ أو صوابا) ان الحكومة السودانية كانت وراء محاولة اغتياله الفاشلة. ونزيد على هذا فنقول انه تصريح ناتج عن خوف موروث من تلك التجربة. وكان الاجدى للرئيس مبارك ان يحاول جاهدا محو الصورة التي ظهر بها اثر محاولة الاغتيال تلك حين التقطه الإعلام العالمي قبل ان يتمكن من تمالك نفسه وأعصابه, لا ان يؤكد من جديد انه مازال يعيش في تلك الحالة ولم يتجاوزها.. فالذي يريد ان يقود دولة ــ ناهيك عن أمة ــ يجب ألا يخاف الموت ولا تهزه محاولة اغتيال, بل ان من يعمل في السياسة في العالم العربي والعالم الثالث بعامة, يعرف ان هذه أول مخاطر المهنة, وكل من يعمل فيها يحمل روحه على كتفه. والسياسيون المستهدفون فعلا من أسوأ قوى البطش والاغتيال ــ الموساد والــ (سي.آي.ايه) وأنظمة المخابرات المحلية ــ هم السياسيون الموجودون في المعارضة وليس في الحكم. وندرة منهم من يجد الحماية التي يجدها الرئيس مبارك وغيره من رؤساء الدول ورجال الأنظمة الحاكمة.. ولو كان الخوف على الذات أو الخوف من الموت دافعا للمواقف, لما بقي على الساحة العربية معارض واحد أو مناضل واحد. نأمل ان نذكر فقط, فالكل يعرف هذا ولم نأت بعلم جديد, بأن للقيادة سواء كانت للفرد أو لدولة, استحقاقاتها ومقوماتها.. ولدى مصر مقومات القيادة إن هي وَفَتْ باستحقاقاتها.