لا أدري كيف يفكر الآخرون في هذا الاتجاه, ولكنني أحلم يوميا أن تتاح لي فرصة الهجرة بعيدا الى حيث لا وجود لشيء اسمه الشرق اوسط . وقد يكون التفكير غريبا ولكنه أفضل الف مرة من الجلوس بصمت وعجز فوق فوهة بركان مجنون قد يثور في اية لحظة, ثم في كل لحظة. الشرق الاوسط اليوم - وكل يوم - صار المنطقة الاكثر توليدا للحروب وصناعة للأزمات, وكأنه لا مهمة لنا نحن سكانه, سوى الفرجة على آخر ابتداعاته في هذا المضمار, خدمة لتجار السلاح ومافيا الحروب. وصرنا كلما صفا الفضاء, وسكنت المدافع واصبحت نشرات الاخبار مملة وصفحات الجرائد باهتة, نفزع ونضع ايدينا على قلوبنا, متأكدين ان هذا الصفو هو الذي يسبق العاصفة التي سرعان ما تهب من حيث لاندري! منذ وعت قلوبنا الحياة وصار قدرنا ان نكون من قاطني الشرق الاوسط, ونحن نعبر حقول الغام لا يبدو لها نهاية! العالم حولنا يتقدم ويبني ويصير اجمل كل يوم, ونحن ننفجر بألغامنا كل لحظة, وكلما عبرنا لغما قلنا انتهت الرحلة المميتة وآن أوان العمل والانتاج والابداع ومسايرة الآخرين والبناء - كما يبنون - لنا ولابنائنا وللاجيال التي تنتظر. لكن في كل مرة تثور أزمة من فراغ, تبدأ كفقاعة وتنتهي بقتال جيوش, وخسارة الملايين من البشر والمليارات من الاموال, وضياع الجهود وثمار الانتاج وغرس السنين, لماذا؟ لاجل تصريح استفزازي, ومقتل دبلوماسيين, وشبر من الارض والطمع في بئر بترول وحفنة من الدولارات وجنون شخص أو أكثر... أيها الرجال الحكماء العقلاء: هل كان هناك داع لحرب العراق - ايران العبثية؟ وهل هناك مبرر واحد لمسرحية غزو الكويت, وكارثة تدمير العراق وحصاره حتى اليوم والغد, وماذا عن مأساة الحرب اللبنانية الاكثر بشاعة وعبثا؟ فهل نحن بحاجة لعبث آخر يضيفه الايرانيون وطالبان الى القائمة؟ او جنون آخر ترتكبه تركيا متسلحة بحلفها مع اسرائيل ضد سوريا؟ هل سنبقى على هذه الحال طويلا؟ وهل سيظل الشرق الاوسط مستنقع أزمات ومواجهات الى ما لا نهاية؟ فأين العقلاء والحكماء ام ان زمان العقل والحكمة انتهى؟! يذكر العالم كله انه في مطلع الستينات كان العالم كله على شفا هاوية حرب عالمية ثالثة, وكان السبب تلك الصواريخ التي زرعها الاتحاد السوفييتي في كوبا قبالة الشواطىء الشرقية للولايات المتحدة مهددا بضربها في اية لحظة, لكن الدبلوماسية لعبت دورها, والتعقل كان ضروريا والحرب كانت عبثا لا يجب ان يقع في مستنقعها الروس او الامريكان... وهكذا انتهت الازمة التي عرفت بأزمة الصواريخ الكوبية. مقارنة بهذه الازمة تعتبر حكاية الأسرى الايرانيين الذين قتلتهم حركة طالبان مبررا غير كاف للدخول في حرب لا طائل من ورائها, وكذلك حكاية الاكراد وايواء سوريا لمعارضين اتراك... الخ. الشرق الاوسط لا تنقصه الازمات ابدا لكن ينقصه العقلاء الذين لا يقعون سريعا في الشرك الذي ينصبه لهم الآخرون.