قال تاريخ الجريدة, ان اليوم هو 28 سبتمبر (1998). بحثت عما نشرته عن ذكرى وفاة عبدالناصر, فلم أجد شيئا. قلت: وما سمي الانسان الا لنسيه... ولا القلب الا لأنه يتقلب. طويت الصفحات فوجدت كل مافيها ــ حتى صفحة الرأي ــ جرائم . فضلت ان أبدأ بقراءة الاصل فتوقفت امام صفحة الجريمة. على رأس الصفحة وجدت خبرا يقول عنوانه: إيقاف عميد الشرطة (حمدي البطران) عن العمل لمدة شهر لتأليفه رواية دون اذن. تذكرت أنني قرأت هذا الكلام, أو ما يقرب منه, في مثل هذه الايام من 28 سنة. جريت في الزمن بأقصى سرعة, لكنني لهثت بعد خطوات. جاءني صوت أم كلثوم يغني: عايزنا نرجع زي زمان... قل للزمان ارجع يا زمان! في تلك الليلة ــ 28 سبتمبر 1970 ــ ماكدت أسمع خبر وفاة (عبدالناصر) حتى قطعت في نفس واحد, وفي قفزات كبيرة, المسافة بين ملعب كرة السلة في فناء المعتقل, حيث كنت أشاهد التلفزيون, وبين العنبر الذي تركت فيه بقية زملائي. استمعوا للخبر في وجوم. حط الصمت علينا. انفرد كل واحد بنفسه. تعالى من أركان الحجرة. هسيس نشيج مكتوم. أعلنت حالة الطورائ في المعتقل, وأغلقت كل الزنازين. كسر واحد الصمت الثقيل متسائلا عما ينبغي علينا ان نفعل. أمضينا الساعات التي تلت ذلك نتكلم في السياسة, ونحاول ان نتنبأ بما سوف تأتي به الايام. لكن اكثرنا تشاؤما, لم يتصور ان يحدث ذلك الذي حدث بالفعل. عند الفجر نمنا, بعد مناقشة مجهدة, اتفقنا في نهايتها على ان نرسل برقية عزاء في وفاة عبدالناصر, استثناء من موقفنا الثابت بألا نخاطب السلطات في أمور سياسية, ونحن مقيدو الحرية. وفي الصباح علمنا ببقية ردود الفعل: عبر معتقل من الاخوان المسلمين عن شماتته في وفاة عبدالناصر, فرد عليه معتقل من اعضاء منظمة الشباب, وانتهى الحوار الى مشادة, أمر في أعقابها قائد المعتقل بحبس كل منهما حبسا انفراديا في زنزانة من زنازين التأديب, تطبيقا للائحة السجون التي تعتبر كل اخلال بالضبط والربط, جريمة بصرف النظر عن المعتدي والمعتدى عليه. مررت على زنازين التأديب متظاهرا بالرغبة في تحية المقيمين فيها... أما هدفي الحقيقي فكان قراءة البطاقة الحمراء الصغيرة التي تقضي اللائحة بوضعها على باب الزنزانة اثناء تنفيذ المذنب لحكم التأديب, وتتضمن اسمه وتهمته, وتوقيع قائد المعتقل. وكان من عادتي ان اسرق بعض هذه البطاقات كلما وجدت في إحداها عبارة ذات دلالة من نوع (يحبس فلان يومين حسبا انفراديا لأنه قال للسيد طبيب المعتقل: (انت دكتور ولا فتوة) أو (لتعديه على السيد ضابط العنبر بقوله: (اللي بكره يحبسوك في الزنزانة التي أنا فيها) . لكني, في ذلك الصباح, لم أجد في البطاقتين ما يستحق ان أضيفه إلى ارشيفي من الوثائق التاريخية. عند الضحى, وتنفيذا للقرار الذي كنا قد اتخذناه عند الفجر, وبصفتي مندوبا عن العنبر في الاتصال بإدارة المعتقل, ارتديت بيجامة الادارة ــ الزيارة ــ النظيفة, وتوجهت الى مكتب القائد. قلت: البقية في حياتك يا أفندم. نظر الي بدهشة كأنه لا يعرف سببا لهذه التعزية, ولما تنبه قال لي بلهجة تشي بسخرية خفيفة الله يبقي حياتك يا سيد, قدمت له نص البرقية, التي ذيلتها بطلب ان يتكرم بالموافقة على ارسالها, على ان يخصم الثمن من النقود المودعة بإسمي في امانات المعتقل. عبر بعينيه على سطور البرقية القصيرة. ثم بدأ يتلوها علي بصوت عال, وبالنبرة نفسها التي تشي بالسخرية.: السيد أنور السادات. رئيس الجمهورية المؤقت, الشيوعيون المصريون في معتقل طرة السياسي, يعزونكم في وفاة الزعيم جمال عبدالناصر... ويرون ان خير عزاء في فقده, هو الاستمرار في سياسته المعادية للامبريالية والصهيونية. وبعد ان قرأ الاسماء العشرين التي وقعت على البرقية, نظر الي بعينيه الزرقاوين من تحت منظاره, وقال: الله... دا انتو شيوعيين بقى. قلت: حاجة زي كدة. قال: تعرف اني ممكن أقدم الورقة دي للنيابة, باعتبارها اعتراف خطي منكم بأنكم شيوعيون, تعمل لكم قضية, وتروحوا المحكمة, وتتحولوا من معتقلين الى مسجونين. قلت بنفس النبرة التي تشي بالسخرية: تعرف انك اذا عملت كده تخدمنا... لأننا في المعتقل من 3 سنين بدون تهمة... ولو رحنا أي محكمة ح تحكم بالبراءة... ونخرج فورا... تجاهل ما قلته... وأضاف باشمئناط: ثم ايه حكاية الاستمرار في سياسته المعادية لمش عارف ايه... وإيه دي... حد عارف اللي جاي مطرحه ح يعمل ايه! ده كلام مش في مصلحتكم. وأدهشني كلامه, اذ كان الحصول على توقيعات المعتقلين ــ وخاصة الاخوان المسلمين ــ على بيانات بتأييد الحكومة, مزاجا خاصا لديه, يفتعل له المناسبات. فإذا وقعت الاغلبية, عزل الاقلية في عنبر خاص باعتبارها من غير المؤيدين... ولأننا أدركنا انه يقوم بهذه اللعبة لحسابه, وبهدف الايقاع بين الاخوان المسلمين, فقد اعتذرنا دائما بأننا لم نتعود ان نتحدث في السياسة مع الحكومة, ونحن مقيدو الحرية... لذلك تحاشيت ان أدخل معه في مناقشة سياسية... وقلت بنبرة حاولت ان تكون بقدر الامكان مهذبة... على أي حال ده رأينا... وإحنا مسؤولون عنه... وسيادتك بس تتكرم توافق على ارسال التلغراف وخصم الثمن من نقودي المودعة بالامانات. رفع رأسه, وخلع منظاره, وقال لي: ماشي... بس كل واحد يبعث برقية باسمه, لأن لايحة السجون تمنع المطالبات الجماعية ومع انني أدركت ان قائد المعتقل, ككل بيروقراطي عتيد, ورث تراث البيروقراطية المصرية, منذ عهد الكاتب المصري الجالس القرفصاء, يتوقع ان تغير الريح اتجاهها, أو يفضل ان ينتظر حتى تستقر عند اتجاه, ولا يريد ان نورطه في موقع قد يحسب عليه فيما بعد. ولعله كان يعجب بينه وبين نفسه, لأننا تندفع إلى تأييد (عبدالناصر) بعد ان مات, بينما لم نفعل ذلك وهو لا يزال على قيد الحياة... الا انني واصلت ــ بنفس النبرة الهادئة ــ محاولة اقناعه... فقلت له ــ على سبيل الكوسة ــ ان المسألة سياسية وليست لائحية. (وسيادتك يا افندم راجل سياسي مقتدر, ولست مجرد ضابط شرطة, وقائد معتقل) ... وبهذه الصفة أقول لك بصراحة اننا نريد ان نعزي في وفاة عبدالناصر بشكل جماعي وبصفتنا ننمتى لتيار سياسي, وليس باعتبارنا أفرادا, وبالنص الذي بين يديك, لدلالته السياسية في هذا الظرف بالذات. وأردفت أقول: وفضلا عن ان الدستور يبيح للمواطنين حق مخاطبة السلطات العامة بصورة فردية أو جماعية, فإننا ــ كما تعلم سيادتك ــ معتقلون بلا سبب وبلا دستور أو قانون وبدون أية لائحة... وإذا كنت سعادتك حريصا على سيادة القوانين واللوائح, فعليك ان تفتح لنا باب المعتقل الآن, وسوف نقوم بإرسال البرقية من مكتب البريد المواجه لبابه الرئيسي... من دون اني يعترض أحد... أما السبب المهم الثاني, فهو أننا في آخر الشهر, ولم تصل بعد الحوالات النقدية التي يرسلها لنا أهلونا... وليس لدى احد من الموقعين على البرقية نقودا في أماناته سواي... وإصرارك يا أفندم على ان يرسل كل واحد برقية باسمه, قد يفهم ــ لا سمح الله ــ بأنه محاولة لمنع المعتقلين من التعبير عن احزانهم لوفاة الرئيس... ولم يفت المعنى الذي قصدته, عن ذكاء قائد المعتقل, فقاطع مرافعتي البليغة, وأخذ يشوح في وجهي بظهر كفيه, ثم يعود ليضرب ببطنهما زجاج المكتب أمامه, وهو يكرر بآلية وعصبية, وبنبرات تشكلت مع ايقاع خبطاته, واللايحة يا حبيبي... واللايحة يا حبيبي... أما وقد أدركت انه لا فائدة من الحوار معه, فقد انسحبت من لساني وقلت: يا افندم البلد كلها حزنانة... ومفيش حد فايق للائحة... تفتكر سيادتك ان التلغراف لما يصل لأنور السادات, ح يطلع لايحة السجون من جيبه, ويكتشف انك خالفتها... فيخصم لك يومين من مرتبك؟ لو حصل كده.. احنا مستعدون نرد لك الخصم من أماناتنا بمجرد وصول الحوالات. عند هذا الحد أنهى القائد المناقشة. وأمرني ان أعود الى عنبري وأترك له البرقية وسوف يرد علي فيما بعد. وفي صباح اليوم التالي فتحت عيني على الرد الذي جاء في صورة حملة تفتيش قلبت العنبر رأسا على عقب, وعلى كثرة ما كنا نحوزه من ممنوعات, فإن الحملة لم تأخذ منها سوى الكتب والاوراق والاقلام... وعند الضحى عادت جميعها ماعدا كشكول واحد من مخطوط كتابي عن (الثورة العرابية) . ومع انني ظللت ألح على استرداده, إلا أنني لم أكن معنيا بالأمر... اذ كنت قد انهيت الكتاب بالفعل, ونجحت في تهريبه من السجن قبل شهور من ذلك... في اليوم الثالث احتشد المعتقلون في الفناء لمشاهدة جنازة عبدالناصر في التلفزيون, واخترنا ان نجلس في آخر الصفوف, حتى لا نسمع ما نكره, ولكي نتحاشى الاحتكاك, فقد كان المعتقلون خليطا متنافرا يضم الاخوان المسلمون ــ وكانوا يشكلون الاغلبية ــ كما يضم جواسيس اتهموا بالتخابر مع أمريكا واسرائيل, وفضلا عنا, وعن مجموعة من اعضاء منظمة الشباب الاشتراكي, اتهموا بتشكيل لجان لمناصرة منظمات المقاومة الفلسطينية, وكنا نشكل الاقلية, فقد كان هناك فريق من المتمردين الذين لا يعرف لهم أحد اتجاها معينا. وفي أعقاب الجنازة, وقفت في الفناء مع صديقي من الاخوان المسلمين, كان قد لاحظ احمرار عيني من اثر البكاء, أفسر له موقفنا قائلا: ان الاساس فيمن يشتغل بالسياسة, هو ان يدافع عن مصالح عامة, لا عن مصالح شخصية, فهو لا يؤيد ــ أو يعارض ــ نظاما أو حاكما أو سياسة, لأنه استفاد أو أضير كشخص منهم, ولكن بمقدار , ما أفادوا أو أضروا بالمصالح العامة. ولا احد يستطيع ان ينكر ان عبدالناصر قد افاد الوطن والامة والانسانية, بصرف النظر عما قد وقع علينا من اضرار شخصية وسواء كنا قد أخطأنا في حقه, أو كان هو الذي أخطأ... وقاطعني قائلا: واحد ظلمه... مفروض تفرح لرحيله مش تبكي... ده المنطق. قلت له: ده مش المنطق... دي اللايحة يا حبيبي! ظهر الصول عبدالحكم امام باب عنبرنا. ناداني وهو يلوح ببطاقة حمراء في يده. أمرني بأن اجمع حاجياتي. سألته مازحا: إفراج: قال:لا... تأديب. وقفت أتابعه وهو يعلق أورنيك الذنب على باب الزنزانة. وكان ينص على (معاقبة المعتقل صلاح عيسى) بالحبس الانفرادي لمدة يومين لتأليفه كتابا عن الثورة العرابية بدون اذن تطبيقا للمادة 38 أ من اللائحة, فعلها الكاتب المصري الجالس القرفصاء. لم يجد في اللائحة نصا يعاقبني على التعزية في وفاة عبدالناصر, فقرر ان يعاقبني على التأليف عن أحمد عرابي. في ظلام زنزانة التأديب... غنيت لنفسي موالا يقول مطلعه (من طلعة الفجر قومي يا مصر يا عياشة وقمري العيش... ومدي ايديكي لأحمد عرابي باشا آمر لواء الجيش) . وجدته أمامي. قال: جئت أعزيك في وفاة عبدالناصر. قلت: ولكنهم يعاقبون من يعزي فيه, قال: نفوني عشرين عاما لأني قاومت الاستعمار الذي تسمونه الامبريالية. أطلعته على أورنيك الذنب الذي كنت قد سرقته. اراد ان يحتفظ به. قلت: ولكني أريد ان أقدمه للسجل المدني لكي أغير مهنتي في بطاقتي الشخصية الى مؤلف بدون اذن. قال: حاولت قبلك ان أغير مهنتي الى ثائر على الحضرة الخديوية فرفضوا. سألت: ليه. قال: اللايحة يا حبيبي. بدا لي حكم مجلس تأديب الشرطة بوقف العميد (حمدي البطران) عن العمل لمدة شهر, لتأليفه رواية (يوميات ضابط في الأرياف) بدون اذن من رؤسائه, وبراءته من تهمة الاساءة لضباط الشرطة وإظهار السلبيات احتراما لحرية الرأي والابداع, متناقضا وإلى حد ما مضحكا. هممت ان اتصل بوزير الداخلية لأقول له ان معاقبة المؤلف, لأنه ألف بدون اذن, لا يمكن ان تكون احتراما لحرية الابداع... وما كدت أشرع في الاتصال, حتى وجدت قائد المعتقل, يشوح في وجهي, ويخبط بيديه وهو يقول بعصبية: واللايحة يا حبيبي... اللايحة يا حبيبي!