راجعت العديد من الكتب والمقالات التي تعالج موضوع الديمقراطية والإسلام, بما في ذلك بالطبع موقف الحركات الإسلامية السياسية من هذا الموضوع. وكان عليّ ان أختار بين أسلوبين للمعالجة : الأول هو عبارة عن معالجة فكرية تبحث في الأفكار والمبادىء التي يستند اليها النظام الديمقراطي, ثم تقارنها بالافكار والمبادىء الاسلامية المشابهة لها, كما جاءت على الأخص في القرآن الكريم والسنة النبوية, أما الثاني فهو عبارة عن معالجة سياسية تنظر الى واقع المجتمع العربي والإسلامي لترى إن كان النظام الديمقراطي يشتمل على حلول اساسية وفاعلة لمشاكل ذلك المجتمع ونواقصه. ولقد استنتجت من قراءاتي ان المعالجة الفكرية قد احتلت منذ بداية هذا القرن حيزاً كبيراً, بحيث ان اي تركيز عليها, إلا حيث تستوجب الضرورة ذلك وباختصار شديد, سيكون اعادة انتاج لما كتب وقيل. اذا كان القارىء مهتماً بمثل هذه المعالجات الفكرية فإنني سأتجرأ وأحيل إلى كتاب ثري, متوازن ومعقول وجريء, صدر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان, من تأليف د. محمد عابد الجابري. وفي رأيي الشخصي ان عدم وجود تعارض ذي قيمة بين المبادىء والحقوق الديمقراطية من جهة, والمبادىء والحقوق الاسلامية من جهة اخرى, قد حسم الى حد كبير, خصوصاً بعد ان تبين ان مبدأ العلمانية قد اقحم في النقاش من دون مبرر وخلط بينه وبين حق حرية العقيدة. لقد حسم الأمر بحسب الكثير من الكتاب الاسلاميين وغير الإسلاميين, وحسم ايضاً من قبل العديد من الحركات الاسلامية الرئيسية. وفي جميع الأحوال, فإن الديمقراطية كما نراها اليوم هي نتيجة تطور تاريخي مستمر, اسهمت فيه العديد من الأمم, وبذلك يستطيع العرب والمسلمون, بدلاً مما يمارسه البعض من رفض أعمى للكلمة وكل مفاهيمها, ان يساهموا مثل غيرهم في تحسين مضامينها وتطبيقاتها, ويكفي ان يتابع الإنسان ما يكتب وما يناقش في الغرب الديمقراطي حتى يلاحظ ان الديمقراطية لا تزال في سيرورة التحول, وان الكثيرين يكتشفون يومياً مثالب خطرة في وجودها المجتمعي. لكن هذا لا يعني التردد ولو للحظة واحدة, عن الاعتقاد, بل والتأكد, من نجاح هذا النظام نجاحاً متميزاً كأسلوب تتبناه الإنسانية في حربها المقدسة ضد الظلم والاستبداد ودكتاتورية الفرد او الاقلية. وهل هناك معضلة في حياة العرب والمسلمين, طال عليها الدهر فأصبحت جرحاً ينزف وقيئاً لا يجف, أهم وأخطر من معضلة الاستبداد والملك العضوض والشرعية المسروقة عبر تاريخهم وفي حاضرهم؟ وهل هناك أمل في مستقبلهم من دون حل جذري تراكمي لهذه المعضلة؟ واذا كانت الديمقراطية, بالرغم من بعض عيوبها, قد أسهمت في حل مثل تلك المعضلات, بل وحققت نجاحات انسانية باهرة في بعض المجتمعات, كما هو الحال في السويد مثلاً, أفيجوز عقلاً وشرعاً, باسم مصالح العباد, الا نتوجه مباشرة نحو النضال من اجل الحقوق الديمقراطية والنظام الذي يؤدي الى ممارستها ممارسة فعلية غير مزيفة. وسواد أقبلنا بمسمى الديمقراطية, أم استبدلناه بمسمى الشورى, كما يرغب البعض, فالمهم هو أن نتفق بصورة قاطعة على عدم التهاون بأي شكل من الأشكال بالمبادىء والأهداف التي يبنى عليها هذا النظام المنظم لحقوق الأفراد من جهة, ولعلاقات مؤسسات المجتمع بعضها مع بعض من جهة اخرى, وفي رأيي ان الحد الأدنى ينبغي ان يشتمل على: أ ــ القطيعة مع مفهوم (الراعي والرعية) واعتبار الفرد مواطن له حقوقه الديمقراطية في حرية الاعتقاد, والتعبير, والاجتماع وإنشاء المؤسسات المدنية بما فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات. ب ــ حق المواطن في العدل والمساواة وتكافؤ الفرص. ج ــ حق المواطنين في اختيار من يحكمهم, وعلى جميع المستويات, اختياراً حراً ومباشراً, ومراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم. د ــ تنظيم المجتمع على أسس قانونية, بما في ذلك وجود دستور ديمقراطي, على أن تكون القوانين معبرة عن ارادة الشعب, مع سيادة القانون امام قضاء مستقل. هـ ــ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, وتفاعلها بعضها مع بعض حسبما يقرره الدستور والقوانين. و ــ تداول السلطة سلمياً ومن خلال انتخابات دورية عادلة. وسيلاحظ القارىء ان النقاط الست السابقة تندرج جميعها تحت ما يعرف بالديمقراطية السياسية, إنني أؤمن بأن الديمقراطية, لكي تكون انسانية, تحتاج الى جناحها الآخر الذي يعرف بالديمقراطية الاجتماعية والتي تطالب بحقوق أساسية كحق المواطن في حفظ الحياة (الأمن والصحة) وفي المعرفة (التعليم), وفي العيش الكريم (العمل) وغيرها.