ما يجري في امريكا امر غير مفهوم، هذه العاصفة التي شملت كل وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقرورة وكأنما قامت القيامة على الرئيس كلينتون وعلاقته الجنسية بمونيكا وما حدث فيها من ألوان (قلة الادب)وما تبقى على الفستان من آثار بيولوجية تخص الرئيس .. وخمسمائة صفحة من اعترافات الانسة مونيكا مليئة بالتفاصل وتفاصيل التفاصيل المخلة والمقززة التي ضمنها المحقق كينيث ستار وارسلها في 36 صندوقا تحت حراسة امنية مشددة الى رجال الكونجرس لتروي احداث هذه العلاقة (غير الشرعية) مزودة بالرسوم والاسكتشات التوضيحية. وافتح فمي في دهشة وانا استمع واتفرج وقد اختلط علي الامر وكأنما يجري هذا التحقيق في صحن الازهر على ايدى رجال الشرع الغيورين.. ثم اعود فأكتشف انه يجرى في صحن واشنطن وفي قلب امريكا التي تنشر افلامها ومسلسلاتها العهر والفجر والشذوذ والمخدرات في شباب العالم والتي لاتجد فيها طالب جامعة لا يتأبط في ذراعه girl freind الى شقته.. ولكل امريكي شأن خاص وحياة خاصة يحرسها الدستور الامريكي ولا يحق لفضولي ان يدس انفه فيها.. ومغامرات الرئيس الراحل كنيدي مع مارلين مونرو والروايات العديدة عما جرى بين كل رئيس وسكرتيرته.. حكايات عادية كانت تمر بسلام ولا تفتح فيها ملفات تحقيق ولا عرائض اتهام.. والعهد قريب بالرئيس الفرنسي ميتران الذي لم يجد غضاضة في ان يعترف بابنة غير شرعية يدعوها على الغداء علنا في افخر مطاعم باريس.. ويبتسم الفرنسيون اعجابا برئيسهم واخلاقه المتحررة.. فماذا جرى هذه المرة في قلعة الفساد والعهر في العالم.. وما هذه الغضبة المضرية للحياء والشرع وما هذه الصيحات التي توشك ان تهدد بالجلد والرجم او خلع الرئيس الفاسق من كل مناصبه. وهل تنسجم هذه الغضبة الشاملة والمبرمجة بمهارة مع الدور الهدام الذي تباشره امريكا في قيادتها الفنية للعالم وهي تدعو بفنونها واقمارها الفضائية ورواياتها وقنواتها التلفزيونية للتفسخ والتحلل من كل شرع ومن كل حياء.. ومايكل جاكسون البهلول الشاذ جنسيا الذي تصفق له وسائل الاعلام الامريكية ابلغ مثال. اننا امام تناقض غير مفهوم وغضبة للاخلاق من دولة لا خلاق لها.. دولة تباشر القتل الاهوج للابرياء في غاراتها الجوية على السودان وافغانستان.. ثم تلبس الحجاب والنقاب وتغضب للشرع في حكاية مونيكا. نفاق عظيم من دولة عظيمة.. ورئيسها كلينتون حينما يحاصر بالادلة ويسمع بخبر التقرير الذي ارسله المحقق كينيث ستار في 36 صندوقا وفي مئات الصفحات الحافلة بالصور والتفاصيل والاسرار والفضائح التي اعترفت بها عشيقته.. يتحول فجأة الى شخصية الشاب النادم المعترف بالذنب ويلبس مسوح التوبة ويعتذر لحزبه ولزوجته وابنته وللجميلة مونيكا التي انتهك عفتها ولأم مونيكا ووالد مونيكا وللامة الامريكية كلها.. ويطلب المغفرة من الله والعون من الكنيسة ويتهدج صوته ويبتلع دموعه وتخرج نبراته منكسرة وكأنه ضبط يتبول على نفسه.. عبقرية جديدة.. نكتشفها في رئيس اكبر دولة.. وفي كيف يتحول الذئب الى حمل والنسر الكاسر الى حمامة وديعة.. وقائد اكبر دولة الى طفل. ولكن هل ينجيه ثوب الضعف والندم والاستغفار؟!! اشك في ذلك.. وما حدث كان العكس.. فقد اسقطه ضعفه في عيون حزبه.. ولم يجدوا فيه رجلهم القوى الذي يمثلهم.. وتخلى عنه اكثرهم. ولاشك ان الشرك المحكم والفخ الذي نصب له بمهارة.. والعقول الماكرة التي دفعت اليه باولا جونز ومن بعدها مونيكا لوينسكي ثم ليندا تريب لتسجل عليه الساعات الطوال من اشرطة الغزل الجنسي والفحش والهمس. كل هذا وراءه خطة لاستدراج الرجل الى حتفه.. وجبهة تريد تنحيته والاتيان بالنائب النشط آل جور الاكثر موالاة للخطط الصهيونية والرجل الاقوى في مواجهة المواقف.. فالسنة اوالسنتان الباقيتان من ولايته هما اخطر سنتين لتحقيق اسرائيل الكبرى.. وربما للاقدام على المواجهة العسكرية المحفوفة بالاهوال وهو ظرف لن ينفع فيه امثال كلينتون الضعيف المفتون. ان الصهيونية تريد رجلها ولابد ان يتغير المسرح وتتبدل الوجوه. وما كان اسهل ان تقوم قيامة الاعلام الامريكي فعملاق الصحافة الامريكي هو الصهيوني اليهودي روبرت مردوخ الذي يملك وحده اكبر عشر صحف هذا غير محطات البث التلفزيوني ودور النشر. وهكذا انفجرت البالونة المنفوخة بعناية. وكان مانرى امامنا من عرض مبرمج ومصنوع وفضيحة منسوجة بمهارة وحرفية ليلبسها صاحبنا.. وليلتبس الامر علينا نحن فلا ندري ما الحكاية, وسوف يمضي كلينتون الى حال سبيله او يتحول الى بطة عرجاء تنفذ ما يطلب منها دون مناقشة.. وهو امر مفيد في الحالين. او يأتي الفتوة الجديد آل جور ليقود السفينة في الموج المتلاطم الى حيث تريد اسرائيل. وهذه هي القراءة المنطقية الوحيدة لهذا العرض غير المنطقي الذي شاهدناه لهذه الغضبة العنترية لعفة لا وجود لها ولأخلاق عذرية انتهت من آجال ولم يعد لها وجود في القارة الامريكية ولا في اي بقعة من اوروبا. وفي قلب لندن في الامبراطورية البريطانية العريقة وفي العائلة المالكة ذات التقاليد المحافظة العتيدة طلعت الاميرة ديانا على شاشات التلفزيون لتقول في جرأة عجيبة امام الملايين.. لقد خنت زوجي اكثر من مرة.. والزوج المذكور هو الامير تشارلز وريث العرش بجلالة قدره. وماذا حدث حينذاك؟!! صفق لها الشعب واعتبرها قديسة.. ومشى في جنازتها الملايين. هذا هو عصرنا العجيب الذي نعيشه.. فأي غرابة فيما فعل كلينتون باتخاذه عشيقة.. وهو الرجل (الحليوه) المتربع على عرش اقوى دولة في العالم.. دولة تزعمت العالم في اللهو والعهر والفجور.. وجعلت من اعلامها فراش غرام. كيف احمر وجه هذا الاعلام فجأة خجلا وراح يتشنج من التقوى والتعفف؟ وكيف تحولت الصحافة الفاجرة الى كردينال يحاكم العشاق ويهددهم بالجلد؟ لقد كانت الخطيئة الكبرى التي ارتكبها كلينتون هي مسوح التوبة التي لبسها فجأة ووقف حاني الرأس يقول بصوت مرتجف كطفل ابتلت ملابسه الداخلية لقد اخطأت وفعلت فعلا غير لائق.. وانا مذنب ونادم. والحق ان ما فعله كان لائقا ومناسبا اشد المناسبة للاخلاق الامريكية والحضارة الامريكية التي يمثلها.. وكان ابن هذه الحضارة بحق فيما فعل.. وابن هذا العصر الداعر المنحرف. ولو انه قال في رجولة (هذه امور شخصية تخصني وحدي وليس لاحد ان يخوض فيها.. حاسبوني على ادارة الحكم وعلى ادارة الاقتصاد وعلى علاجي للبطالة فهذا ما اخترتمونى من اجله) لو قال هذا.. لكان منطقيا مع نفسه ومع منصبه كرئيس ومع دولته التي لايهمها الا رواج السوق وارتفاع الدولار. ولكنه اختار اثارة العطف وتحول الى طفل.. ففقد كل شيء واستحق السخرية. ولم نقبل منه بعد ذلك ارساله ارتال الطائرات قاذفات القنابل للاغارة على افغانستان وضرب مصنع ادوية الشفاء في السودان.. للتغطية على افعاله وكانت هذه التغطية منه رجولة مفتعلة في غير موضعها. وسوف يظل السامر الاعلامي ومولد سيدنا كلينتون ومونيكا مادة مسلية للفرجة والسهر ومسلسلا مشتعل الحلقات يتجمع حوله العالم مثل مباريات كرة القدم ومسابقات الكأس. وكالعادة في امريكا كل شيء يتحول الى تجارة (وبيزنس) وكل مصيبة تتحول الى مكسب حتى سقوط السيد الرئيس.. والبركة في المخرجين العظام من وراء الاحداث واصحاب المصالح فيما حدث ويحدث. واذا صادفك حدث غير منطقي في بلاد العم سام ولم تستطع ان تفهمه عليك ان تسأل من المستفيد ومن الخاسر وما المصلحة ومن هم اصحاب المصلحة. ولماذا في هذه الحكاية التي حكيناها كان كل الابطال يهودا, باولا جونز ومونيكا لوينسكي وليندا تريب وباقي سرب الهوانم اللائي ألقي بهن في طريق كلينتون.. واعضاء الكونجرس الذين اطبقوا على رقبته كانوا ايضا من نفس الطائفة. ولماذا احتفظت مونيكا ببقايا السائل المنوي في فستانها لسنوات ولم تفكر في غسله ولماذا سارعت ليندا تريب الى تسجيل مكالماته. ان ما حدث لم يكن شيئا عفويا ولم يكن عاطفة عابرة ولا نزوة.. وانما كان فخا منصوبا بمهارة. واليهود والصهاينة هم اصحاب المصلحة في ان يمضي كلينتون لحال سبيله ويأتي رجلهم آل جور لان السلام العربي الاسرائيلي استنفد اغراضه ووصل الى نقطة تحول.. وكلينتون لم يعد رجل هذا التحول. وما تبقى من قضايا مع العرب لن يؤخذ بالسلام بل بالحرب... وهذا الانتقال من الابيض الى الأسود دفعة واحدة سوف يحتاج الى رجل آخر والى لغة اخرى وظروف اخرى ومبررات اخرى. وما نراه الآن هو بعض هذا التحول. وسوف تتغير غدا اشياء كثيرة. فهل يدرك اصحابنا العرب المتغيرات الجديدة. وهل ستكون عندهم المرونة الكافية ليغيروا من انفسهم ومن مواقفهم ومن الثوابت التي دأبوا على ترديدها مثل.. السلام حل وحيد.. والسلام الى الابد.. والسلام قرار استراتيجي.. واغاني مدريد.. وشعارات اوسلو.. واحلام كوبنهاجن وتسابيح كامب ديفيد.. الى آخر موال النوم في العسل. والى متى ذلك النوم وماذا لو فاجأهم العدوان ماذا لو اعلنت عليهم الحرب وماذا لو اقتحمت الدبابات حدودهم هل فكروا في هذا الاحتمال..؟؟!! واقول.. بل هو الآن اكثر من احتمال.. وبعد هذه المقدمات لعزل الرئيس او تكييفه اصبح هذا الاحتمال حقيقة. فهل سأل العرب انفسهم.. لماذا تكدس اسرائيل السلاح في ترساناتها.. ولماذا تعقد الاحلاف العسكرية مع تركيا؟!! وهل تراها تكدس السلاح ليصدأ في مخازنه؟!! وهل تنفق الملايين بل المليارات هباء على اسلحة كيماوية ونووية وطائرات ودبابات وصواريخ لا تفكر في استعمالها. وهل يسمع العرب دوي انفجارات القنابل الاسرائيلية في جبال لبنان كل يوم وهل يذكرون كلام الله في قرآنه عن الحرب مع اسرائيل. وهل يقول ربنا في قرآنه الا الحق. هي مجرد كلمات للتذكرة.. ولاعمال الفكر.. ولاعادة النظر.. حتى لا نفاجأ بما لم يكن على البال. وحتى لايقول رجال الاستراتيجية عندنا.. هذا امر لم يكن في الحسبان وسؤال آخر في حكاية مونيكا وكلينتون يلح على ذهني. ألم يخطر على بال هذا الرجل المفتون الذي يتربع على عرش اكبر واقوى دولة في العالم احتمال واحد في المائة ان تكون هذه العاشقة المتيمة التي ألقت بنفسها في طريقه وارتمت في احضانه يمكن ان تكون جاسوسة تستعمله وتمثل عليه وتسجل عليه مكالماته وهمساته. وهل انطمس عقله وضاعت فطانته لأول قبلة. وكيف يعتذر لها بعد كل ما انكشف له من لعبها بعقله وما حدث من فضحها له واحتفاظها بعينة من سائله المنوي لتشهد بها عليه.. كيف يعتذر لها ويطلب منها الصفح والمغفرة.. وعن ماذا.. ومن الجاني ومن المجني عليه في الحكاية كلها وكيف يمكن ان يؤتمن مثل هذا الرجل على المنصب الخطير الذي يشغله. يغلب على ظني انه انتهى فعلا.. وانه ذاهب.. وان آل جور قادم.. وان الصهاينة قد حبكوا خطتهم (وقرطسوا الراجل) .. واننا سائرون بسرعة الى ذروة مؤكدة.