المفتش الامريكي سكوت ريتر عاد من جديد للهجوم .. ولكن هذه المرة ضد الامم المتحدة مباشرة, فهو لم يشأ أن يقال عنه انه وحده العميل لاسرائيل, وانما اراد ان يوسع دائرة العمالة لتشمل المنظمة الدولية ايضا . وهذا هو جوهر تصريحه الاخير الذي كشف فيه عن ان الامم المتحدة استفادت طوال الاربع سنوات الماضية من المعلومات التي قدمتها اسرائيل في نزع اسلحة العراق. انه يعني اولا ان ثمة علاقة وثيقة بين اللجنة الخاصة المنوط بها تدمير اسلحة العراق وبين اسرائيل, وهو يعني ثانيا ان اسرائيل على اطلاع كامل بحجم ونوعية وتفاصيل المعلومات التي جمعتها اللجنة الخاصة طوال السنوات السبع الماضية عن برنامج التسلح العراقي. وثالثا يعني ان الامم المتحدة ربما خضعت للابتزاز الاسرائيلي في بعض المسائل الحساسة المتعلقة بالبرنامج العراقي. اذ لابد أن يكون ثمة ثمن تطلبه اسرائيل لقاء معلوماتها تلك, وربما تمكنت بفضل هذه العلاقة من تسريب معلومات مضللة ومزيفة قد تكون وراء بعض الازمات والمشاكل التي اثيرت حتى الان بين العراق والمنظمة الدولية. وهو يعني رابعا ان الاتهامات العراقية للجنة الخاصة ومفتشيها بالتجسس والعمالة لاسرائيل وجهاز المخابرات الامريكي السي آي إي, لم تكن تصدر مع فراغ, وانه اصبحت لها الان مصداقية اكبر في ضوء تصريحات ريتر. فماذا يعني التجسس هنا؟ انه يعني استخدام المعلومات التي تحصل عليها اللجنة الخاصة بصفتها الدولية والقانونية لغير الاغراض المنصوص عليها في قرارات مجلس الامن, أو نقلها إلى جهات وحكومات اجنبية لا علاقة لها بمهام اللجنة أو تلك القرارات, وهو ما ينطبق تمام الانطباق على اسرائيل. والحقيقة ان كل اتهام من هذه الاتهامات تكفي وحدها لوضع اللجنة الخاصة والامم المتحدة في قفص الاتهام, فضلا عن اخضاع هذه اللجنة للتحقيق الدولي, لمخالفتها الصريحة للقرارات الدولية. وهو أمر ينبغي ان يصر عليه العراق ويسعى جاهدا لاستثماره في اطار سعيه الحثيث لرفع الحصار الظالم المفروض عليه. لقد ذكرتنا اتهامات المفتش الامريكي ريتر بالتصريح الشهير الذي ادلى به رئيس اللجنة الخاصة بتلر قبل فترة والذي قال فيه ان العراق يملك مخزونات من غاز (في اكس) للاعصاب تكفي لتدمير تل ابيب. ونحن نتساءل اليوم أليس من المحتمل ان تكون المعلومات التي قدمت لبتلر ودفعته للتورط في تصريحه ذاك مصدرها اسرائيل بالذات؟ وبمناسبة غاز الـ (في اكس) فقد اظهرت تحاليل المختبرات السويسرية والفرنسية لعينات الصواريخ العراقية أخيرا انها خالية تماما من هذا الغاز, ما يوجه صفعة جديدة لبتلر واحراج جديد لواشنطن, لذلك فانه في ضوء تصريحات ريتر الجديدة ينبغي اعادة النظر والمراجعة لجميع المراحل والازمات التي حدثت في السنوات الاربع الماضية بين بغداد والمنظمة الدولية. فهناك سوف يتضح مدى التداخل والتشابك بين عمل المفتشين (الدوليين) وبين نشاط اجهزة الاستخبارات الغربية والاسرائيلية. واخيرا نقول ان علاقة اسرائيل باللجنة الخاصة المكلفة تدمير اسلحة العراق هي نتيجة طبيعية تتماشى مع المنطق السليم للاشياء. فالامر المعروف والذي طالما كررناه وكرره غيرنا هو ان تدمير مقدرات العراق التسلحية, له هدف اوحد ووحيد وهو حماية امن اسرائيل. وليس له علاقة بالتهديدات العراقية المزعومة للدول المجاورة لا من قريب أو بعيد, ويكفي الدليل على ذلك ان مدى الصواريخ المسموح للعراق الاحتفاظ بها هو 150 كيلومترا, وهو مدى يكفي لاصابة الدول المجاورة. كما ان العراق وبسبب تفوقه العسكري التقليدي بحاجة إلى استخدام اسلحة الدمار الشامل التي بحوزته في اي نزاع محلي أو اقليمي. والاستخدامات الممكنة لهذه الاسلحة هي على الارجح مع اسرائيل وربما على نطاق اضيق مع ايران أو تركيا, لكن بالتأكيد ليس مع الدول العربية. وهذا يعني ان من يهمه مصير السلاح العراقي غير التقليدي بالدرجة الاولى هو اسرائيل, وهو امر اكده ريتر ومن قبل بتلر ايضا. كاتب وصحافي بحريني*