زوال نجم المستشار الالماني هيلموت كول زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي بعد 16عاما من التربع على عرش ألمانيا , وبزوغ شمس الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقيادة جيرهارد شرودر, اثار وسيظل يثير قلق العديد من دول اوروبا وامريكا لاسباب عديدة ومتنوعة اهمها عودة الروح للفكرة الاشتراكية الديمقراطية في القارة الاوروبية حيث شارك في الحكم بصورة فاعلة في اوروبا حتى الان ما لا يقل عن 12 توجها اشتراكيا, فهناك مثلا فرنسا ـ بريطانيا ــ اليونان ـ البرتغال ـ النمسا ـ النرويج ــ الدنمارك ـ فنلندا ـ هولندا ـ بلجيكا ـ سويسرا, وهذا ما يذكرنا بمقولة الزعيم الفاشي جوزيف ستالين قبل 55 عاما بامكانية عودة الحكم الاشراكي من تحت مظلة الانظمة الملكية. لكن وفي الوقت نفسه هل يمكن ان تكون هذه التطورات الاوروبية بادرة خير ايضا على الشعب الاوروبي الشرقي وخاصة في روسيا التي تعاني ازمات اقتصادية وسياسية متلاحقة؟ الايام المقبلة ستثبت ان نجاح او فشل اي توجه لا يكون بمجرد الشعارات والمناداة بالمثل العليا دون الالتزام تجاه الشعوب بتلبية متطلباتهم وحاجاتهم بصورة طبيعية مريحة تغنيهم عن معناه البحث عن حاكم بديل. اذن الشيء المهم الان هو ان تحقيق رفاهية الشعب الالماني وفض معاناته اليومية هو الرهان الحقيقي الذي يواجه الحكومة الاشتراكية الجديدة في بون, اي ان هناك اشكاليات داخلية وخارجية تواجه شرودر تتمثل في: التخفيف من البطالة والانحدار الاقتصادي الذي وصلت اليه المانيا باعتباره الثمن الذي دفعه الشعب الالماني لوصول كول الى قمة المجد السياسي والمادي ــ وفي الوقت نفسه ايجاد الحلول العملية لحل هذه الاشكالية بعيدا عن الوعود والاجراءات التي تفقد المصداقية وتعيد هيمنة الاحزاب الاخرى المنافسة على المدى الطويل ــ تبني مفاهيم جديدة قادرة على اصلاح الفساد والهوة الاقتصادية واعادة القوة الحقيقية للمارك الالماني وتأثيره على الاقتصاد العالمي وخاصة في مواجهة الدولار الذي اصبح سيد الموقف بفعل السياسات المتميزة للادارات الامريكية المتعاقبة ـ وضع قواعد جديدة للتعامل سياسيا وثقافيا مع الدول الاوروبية الاخرى والعالم بأسره ـ تحقيق العدالة الاجتماعية الحقيقية والقضاء على الفساد الذي ظهر بصورة غير عادية في الفترة الاخيرة من حكم كول وايضا ابداء التصالح مع انصار البيئة وعدم الدخول معهم في صراعات سياسية تمكن الخصوم من تشويه توجهات الزعامة الجديدة بقيادة شرودر. اذن وباختصار مطلوب براجماتية حقيقية من اجل نجاح مساع الزعامة الجديدة في بون. اما على المستوى الخارجي فيواجه شرودر العديد من القضايا التي تحتاج الى ذكاء ودهاء سياسي وحكمة ووعي بما خلف القرارات والاجتماعات وخاصة فيما يخص المصالح الاوروبية الداخلية فمثلا هناك العلاقات مع فرنسا التي اعترفت ورحبت بشرودر على استحياء بالرغم من المصالح المشتركة التي تتجمع بينهما حاليا وخاصة التوجهات الايديولوجية الى حد ما, الا ان باريس بزعامة الحزب الشيوعي ترى انه المبكر وضع كافة البيض الفرنسي في سلة شرودر بل يجب اعطائه فترة اختبار يثبت فيها نواياه تجاه المسائل الاوروبية المصيرية مثل العملة الموحدة (اليورو ـ وهي العمود الفقري للوحدة الاوروبية عمليا) ــ عضوية الناتو ــ الموقف والعلاقات مع كل من الصين ـ روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا, حيث ان باريس تنظر المانيا وكما انها هي في فترات الحربين العالميتين الاولى والثانية وما تمخض عنهما من دمار وخسارة للمصالح الفرنسية على اختلاف انواعها. والاخطر من ذلك بالعودة الى تصريحات شرودر خلال الحملات الانتخابية وقبل وصوله الى سدة الحكم والتي لعب فيها على وتر القيادة الوحيدة في العالم وعادة امجاد المانيا الغابرة, وتأسيس الدولة الفذة المتحكمة في اقتصاد العالم وبالتالي فرض هيمنة سياسية وعملية على دول العالم وتحدي امريكا بشكل خاض وانتزاع جزء من سيطرتها على العالم سياسيا اقتصاديا, ويبدو ان اتجاهات الحكومة الفرنسية ومخاوفها من زعامة شرودر لها ما يبررها من حيث الواقع والتجارب والمعطيات على الساحة الدولية حيث ان المانيا اصبحت اخطبوطا اقتصاديا في مناطق عديدة من العالم وخاصة الاستهلاكية منها كالشرق الاوسط مثلا ودول اوروبا الشرقية. ونعتقد ان تصريحات شرودر الاخيرة حول دعمه وتأييده للتلاحم الاوروبي والتحالف بين اوروبا والولايات المتحدة وكذلك استبعاده عن سياسية واشنطن, ما هي الا بيانات مهادنة او هدنة باعتبارها التكتيك المناسب في الظروف الحالية اذا ما نظرنا الى الاعتبارات السياسية العالمية والاقتصادية والدولية حيث تسود فكرة النظام الدولي الأحادي, اما الحقيقة التي لاتزال كامنة في عقل وفكر شرودر ونعتقد انها لن تزول وتختفي بسهولة وهي اعتقاده القوي بالدولة العظمى لألمانيا. عودة السيطرة الاشتراكية على الحكم في ألمانيا يعيدنا الى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهر مشروع (بليفان) المتمثل في توجه فرنسا في ذلك الوقت للوحدة الاقتصادية مع المانيا مما يحول بالتالي في استغلال القوة الاقتصادية في الاعمال العسكرية ضد القوات الفرنسية اي تحييدها, وتم ذلك باقتراح فرنسي بادماج القوات الالمانية في اطار جيش اوروبي واحد, كما يعيدنا ظهور الحزب الاشتراكي الديمقراطي الى ما كان يسمى محور بون ــ باريس, والذي كان يهدف في حقيقته الى تأكيد زعامة فرنسا لاوروبا ومنع ظهور اي قوة منافسة قادرة على سحب البساط من تحت سيطرة باريس, التي كانت بقيادة شارل ديجول آنذاك, ووجد المخطط الفرنسي قبولا في المانيا من اشد المعجبين بسياسة ديجول والديجوليين, والذي كان يعتبره زعيما اوروبيا مسؤولا مستعدا لمعاملة المانيا بصورة متساوية وبدون نزعات دكتاتورية داخل القارة الاوروبية. هذه المعطيات والاحداث وربطها بالماضي وسلوكيات يبين ان القارة الاوروبية مقبلة على فترة عصيبة ذات معضلات سياسية واقتصادية ودولية وذلك بسبب الميول غير الاعتيادية للقيادة الجديدة في بون, وفي الوقت نفسه الترقب والمعاملة الحذرة التي تنفذها الدول الاوروبية الاخرى وخاصة فرنسا وبريطانيا, اضافة الى الولايات المتحدة التي ترى في المانيا الجديدة مصدر خطر وقلق وازعاج من خلال اعادة شريط نفوذ ألمانيا وقوتها خلال الحرب العالمية الاولى والثانية. وفي الختام لابد من الاشارة الى انه وبالرغم من المساوئ والتجاوزات التي حدثت في عهد كول الا ان التاريخ سيجل له العديد من المواقف التي لا تغيب عن الذاكرة بسهولة منه على سبيل المثال لا الحصر انه مستشار الوحدة الالمانية عام 1989, انتهاجه سياسة الانفتاح الالماني باتجاه الشرق, انه رجل الحرب الباردة, صداقته لمعظم زعماء العالم دون استثناء, ولكن ما يعيب على كول بصورة ورئيسية هو سوء تقديره للقوة الاقتصادية لبلاده في الشرق وفي الوقت نفسه التقليل من الاموال التي يحتاجها الاعمار في الشرق, وهذا بطبيع الحال ادى الى تدهور الاوضاع المالية والاقتصادية الالمانية, مما اثار نقمة الشعب الالماني الذي قرر تغيير السياسات والوجوه في الوقت نفسه باختيار شرودر لعل وعسى ان يكون اكثر نفعا واهتماما بالشؤون الداخلية على عكس ما عمل به كول وهو التركيز على القضايا الخارجية واهمال ما عداها.