يصعب على المرء حصر مظاهر العبث المنتشرة في الساحة العربية هذا الزمن, ربما كان ذلك لاسباب عديدة اهمها غياب المشروع الحضاري والاشكالية التي تواجه النظام العربي بشكل عام, وانعكاس ذلك على مختلف مظاهر حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية .. الخ ولعل الحظ الاوفر من الخلل المشهود, والناتج عن ازمة (اللامشروع) كان من نصيب حياتنا الثقافية التي اصبحت من ابرز ضحايا العبث الذي يجتاح ساحتنا في هذه الايام, وبشكل غريب ومريب. من الادلة الظاهرة على ذلك ما نشاهده من (الفنون) المقدمة عبر القنوات الفضائية, والذي يهمنا في هذا الشأن ما نشاهده فيها من جنايات الفيديوكليب حيث تقوم بدور عبثي بارز, وتمارس جناية كبرى بحق المجتمع وثقافته, ويعد مثالا صارخا للافتراء على الحرية التي ترتكب امثال تلك الجنايات بدعواها, وتحت شعار الابداع. ولا شك ان معظم هذه المواد لا صلة لها بالفن أو الابداع, وانما نتيجته انتهاك منظومة القيم المستقرة في المجتمع والثوابت السائدة فيه, فالحرية لا تبيح الانسلاخ عن تلك القيم ولا تبرر ذلك الانتهاك للثوابت, ولا تعني كذلك خدشا للحياء العام, لكن المشكلة لدى مدعي الابداع وممارسي تلك الاعمال ان الابداع عندهم لا يكون الا بالعبث بالحرية بعد تشويه مفهومها, ولا يكون الا بانتهاك الثوابت الدينية والوطنية وتجاوز كافة الخطوط الحمراء التي حددتها تلك الثوابت, فهو في الشعر هذيان تعافه الاذواق السليمة, وفي الغناء اسفاف وهراء, وفي الكتابة شطط وزيغ, وفي الفن تفسخ وقلة حياء. ومما يدعو إلى الحزن ان ابرز عدوان تتعرض له منظومة الاخلاق من خلال الفيديو كليب يقابله صمت غير مفهوم يدعو إلى الدهشة والاستغراب, والاغرب من ذلك ان يكون هناك تجاهل أو غفلة من قبل الرموز البارزة في المجتمع, بل وحتى لدى مؤسساتنا الدينية والثقافية. نماذج للابتذال اصبح من المألوف جدا مشاهدة مغنية فاتنة, ترتدي ملابس فاضحة, وبل وشبه عارية, تتمايل مع انغام موسيقى صاخبة, تردد الفاظا حافلة بالفحش والاثارة, وتقوم في الوقت بحركات تتعارض مع ابسط مظاهر الاخلاق والآداب, من قبيل معانقة الرجل (الحبيب) أو الاطلاع على رسالة وصلتها منه أو بالامساك بسماعة الهاتف لمحادثته, ويكون كل ذلك مصحوبا بتلك الاجواء الصاخبة المثيرة وتجلياتها في الرقص الفاضح واظهار المفاتن. ولسنا في حاجة عند وصف هذا المشهد إلى القول بما يمكن ان يحمله من معان عديدة, ابرزها تقديم ذلك المثال المشوه والقدوة السيئة لشبابنا وفتياتنا, مع ما يتضمنه من دعوة سلوكية عملية لممارسة المظاهر التي تم تقديمها في الفيديوكليب. وبعد ان يمر الانسان بذلك المشهد العبثي فان هناك الحاحا شديدا لتساؤلات عديدة يستدعي اثارتها, وذلك من قبيل: هل هذه المظاهر مناسبة لتقديمها للاخرين لتعكس ثقافتنا وهويتنا؟ وهل هي مشرفة لتعبر عن ذلك؟ وهل ابتكر العقل الانساني هذه الادوات والوسائل كالقنوات الفضائية لاستعراض هذا الهراء وتقديمه واستخدامه بهذا الشكل السىء؟ وهل عدمت المواد النافعة والتسلية البريئة كي نقوم بانتاج هذا العبث وتقديمه إلى هذا الجيل؟ لابد للناظر في مشاهد الفيديوكليب العبثية ان يقارن المظاهر البائسة الواردة فيه بما يشاهده في الواقع من وجود ازمة الانفلات والضياع لدى الشباب, ويتساءل عن الاسباب التي اوصلتهم إلى ما وصلوا اليه, وربما عزز من وجود تلك النتائج السلبية الفراغ الفكري وتراجع قيمة الهوية ومسألة الانتماء, بحيث يكون الالتفات نحو البضاعة المعروضة, من خلال الفيديوكليب وغيره, وتبنيها هي البديل المتاح. يضاف إلى ذلك ان العرض المكثف لتلك المواد العبثية لا يؤدي إلى النتائج المدمرة فحسب, بل ان فيه استخفافا ظاهرا بعقول المشاهدين, وهدرا لاوقاتهم, وتضييعا لجهود كبيرة, كان من الاولى توجيهها إلى نواح اخرى تستحقها وتتطلبها. اذا تبين هذا فلابد ان نثبت كذلك الانتاج الفني المتهافت الذي يقوم به مدعو الابداع في مجال الغناء في هذه الايام, ويذكرنا هذا بقول المغني الهابط. قزقز لبك على القهوة وخشي في عبي لا يستهوي هل رأيتم انحدارا وتهافتا وفسادا اكثر من هذا؟! ثقافة الفساد والافساد .. صدفة ام مؤامرة؟ هل هو مجرد صدفة ان ترى تلك الحملة المنظمة والمكثفة لظاهرة الفيديوكليب؟ إن متبني نظرية المؤامرة والتفسير التآمري للاحداث والتاريخ يجدون دلائل وشواهد عديدة على اثبات نظريتهم بعد ابطال القول بالمصادفة. وربما كانوا مدعومين في ذلك بالشبهات التي تحوم هذه الحملة ومن يقف وراءها, خاصة وان كثافة تلك الحملة وتقديمها بذلك, الشكل المنظم يثيران العديد من التساؤلات حول اهداف تلك الحملة ومنظميها. ويقودنا هذا ايضا إلى مدى الفائدة التي نحققها نحن امة العرب من الامكانات الهائلة للقنوات الفضائية بشكل عام, وكيف اننا في ـ وباستثناء محدود ــ حصرنا استخدامنا لهذه الاداة الهامة في مسائل موغلة في التسلية غير البريئة. اقول هذا واذكر انه قبل اكثر من عام مضى, وبعد بروز حالات عباد الشيطان في بعض البلاد العربية, نشر الاستاذ فهمي هويدي عن اسباب ذلك البروز وتداعياته, وتحدث عن تراجع الاهتمام بالامن الاجتماعي, والتهديد الذي تتعرض له مسألة الهوية, وذكر ما اعلنته صحيفة الصنداي تايمز البريطانية في 1/1/1995 في تقرير مفصل كان عنوانه (سلاح الغرب السري ضد الاسلام) , وكان التقرير كله عن الاطباق الهوائية (الدش) . وفيه ذكرت الصحيفة (بسعادة) انه يتم تهريب عشرة آلاف طبق لاقط إلى ايران كل عام, وان في الجزائر مائة الف طبق, وتلك الاطباق هي جسر التغيير المنشود لصالح الثقافة الغربية, ومن ثم عملية التغريب المنشودة. وعلى الرغم من ان هذا الاعتراف قد صدر عن مؤسسة غربية بارزة والا ان ذلك لا يبرر القاء مسؤولية كل ما نواجهه في حياتنا على الاخرين, حتى ولو تم الافتراض بوجود طرف متآمر اخر. اعلم ان الكثيرين منا يجنح نحو تحميل الآخرين المسؤولية الكاملة تجاه كل مظاهر التردي في واقعنا, وذلك لإراحة الذات من عناء المسؤولية وتبعاتها, ولكن هذا المنحى يفتقد الدقة إلى حد كبير, والمهم في سياق موضوع عبث الفيديوكليب, والذي نحن بصدده, الكشف عن جوانب التأثير, السلبي فيه, ومن ثم البحث عن سبل وخطوات عملية لمواجهته, ولا يتوقع ان يتحقق ذلك الا اذا سبقه وعي اجتماعي عام بأهمية الموضوع وخطورته, وبحيث تسهم فيه كافة المؤسسات الرسمية والاهلية. مسؤولية صيانة الثوابت ليس جديدا التذكير بأهمية التلفزيون الكبيرة في وسائل الاتصال المعاصرة, كما انه بلا شك .. اداة خطيرة في تغيير نمط الحياة والسلوك, وتشكل طبيعة المادة المعروضة من خلاله الاثر الذي يحدثه ايجابا أو سلبا. في شأن مواد الفيديوكليب لا يحتاج المرء إلى بذل جهد كبير, أو ايراد ادلة على التأثير السلبي الذي يمكن ان يحدثه عرض المشاهد الواردة فيه, الامر الذي يدفعنا إلى القول بضرورة الدفاع عن منظومة القيم والاخلاق والعادات والتقاليد المنبثقة عن الثوابت المستقرة في المجتمع ولقيت قبولا فيه, ولكي يتم ذلك فلابد أن توضع ضوابط تكفل عدم العبث بتلك الثوابت, مع عدم الالتفات إلى دعوى الفن, أو إلى الحرية والابداع التي يرتكب جنايات باسمهما. ولا شك ان جانبا من المسؤولية في حماية الثوابت التي نتحدث عنها يقع على اجهزة الدولة الرسمية وإذ نذكر هذا فلا نتذكر ونثبت موقفا مشابها لدولة الامارات في شأن التعامل مع المواد الخليعة المعروضة في شبكة الانترنت حيث كانت الدولة من الدول القليلة التي اتخذت موقفا جادا من الفحش المبثوث عبر الشبكة. كما نورد تدخلا حكوميا اخر لبريطانيا, وفي موضوع له صلة بالثوابت والمنظومة التي اشرنا اليها, وذلك عندما تم منع عرض فيلم (حلم النشوة) استنادا إلى قانون الالحاد والكفر, والفيلم الذي جرى منعه كان حول القديسة تريزا, التي عاشت في اسبانيا خلال القرن السادس عشر وهي راهبة اعتبرت من رموز الاصلاح والزهد, غير ان الفيلم قدمها في اطار مختلف, حيث صورها في مشاهد جنسية فاضحة, كما صورها مع المسيح عليه السلام في اوضاع مشابهة وغير مناسبة. المهم انه, ولاعتبارات تتعلق بالدين والاخلاق, تم حظر الفيلم بقرار بريطاني اولا, ثم كان هناك تأييد اوروبي له, وذلك من خلال تصويت المحكمة الاوروبية لصالح القرار البريطاني بنسبة سبعة اصوات مقابل اثنين فقط (فهمي هويدي, الاهرام 11/2/97), ما يهمنا الان, وبعد اطلاق التحذيرات من الاختراق الذي تحدثه القنوات الفضائية, والذي يعد الفيديوكليب احد مظاهره, هو وقفة مراجعة وتقويم لدور تلك الوسائل والادوات وكيفية استخدامها ثم الدعوة إلى بث وعي اجتماعي عام, مع الحاجة الملحة إلى تقنين الحرية ووضعها في اطار من الضوابط والقوانين في ضوء الاسس العقدية والوطنية واعراف المجتمع وتقاليده. مدير جامعة زايد بالانابة*