في سبتمبر تنبض الاسكندرية بالنعومة والبراءة كقلوب العصافير الصغيرة.. فتتحول المشاعر الى ضوء مسموع.. وتتحول الانفاس الى عطر مرسوم.. وتتغير الاسكندرية التي نعرفها في يوليو واغسطس.. من جمرة حمراء الى وردة بيضاء.. ترتدي ثيابا من الرقة.. وتتمشط رومانسية.. وتلمس طيور النورس الزبد الطافي على وريقاتها . الاسكندرية في سبتمبر هي مدينتي منذ الطفولة.. علمتني فضيلة الخيال.. حتى صار الخيال هو سيدي وشفيعي ومليكي والسلطة العليا التي تحكمني.. والخيال هو القدرة على الرؤية البعيدة عند الآفاق.. اما الواقع فهو الاكتفاء بالنظر تحت القدمين.. وقد ظلت علاقتي به كعلاقتي برجل تعرفت عليه في صالة (ترانزيت) احد المطارات.. ثم طار هو في اتجاه.. وطرت أنا في اتجاه. في كل سبتمبر أعانق الاسكندرية ــ التي ترفض ان تشيخ ــ لأحصل على نصيبي من الخيال ــ الذي يكفيني من الخريف الى الخريف ــ لتحمل الواقع.. وتجاوزه.. ولتنشيط غريزة التفاؤل.. ولاقناع حروف الكتابة بأن تظل مقيمة في قلبي.. وفي قلمي. في مساء السبت الماضي كنت عائدا من رحلتي السبتمبرية في الاسكندرية.. مشبعا بالخيال.. حاملا زادي منه.. مستعدا لمواجهة واقع يصعب التفاهم معه.. وقد جاءت المواجهة هذه المرة أسرع مما كنت أتوقع.. فقد راحت سيارة نقل مثل الديناصور الاعمى تطاردني على الطريق الصحراوي في محاولة مجنونة لامبرر لها لتجاوز سيارتي التي بدت عاجزة عن النجاة من هذا الكيان الحديدي المتهور. كان الطريق يمتلئ بعشرات من الديناصورات.. من نفس الفصيلة التي لم تنقرض.. وفي هذه الغابة المتحركة على عجلات مسرعة وجدتني محاصرا.. مضغوطا.. مشدودا.. لا أعرف كيف أحمي نفس من موت محقق بدأت أنفاسه الباردة.. الثقيلة تقترب مني.. وبينما كنت أهرب من قطيع من ديناصورات النقل كان على يميني دون أن أقترب من قطيع آخر كان أمامي.. وجدت سيارتي ترتج بعنف في صوت أشبه بصوت ارتطام بلدوزر في فاترينة معرض سيارات.. فقد اصطدم بسيارتي ديناصور أشد جنونا وركب عليها من الخلف. كانت سرعة هذا الديناصور الذي يحمل رخصة مرور رسمية على الطرق لا تقل عن 130 كليومترا في الساعة.. أي ضعف السرعة القانونية .. وكان يندفع بقوة على جانب الطريق الأيسر.. بعيدا عن الجانب الأيمن.. المفروض ألا يخرج عنه.. لكن .. لا قانون .. ولا أصول .. ولا قواعد.. ولا ذوق في طريق تحول إلى غابة.. القوي يهشم الضعيف.. والمجنون يغلب العاقل.. والمسطول سيد الجميع. وتصور نفسك في هذا الموقف.. وحيدا في الظلام والصحراء.. في سيارة مهشمة .. لا تعرف أين أنت .. وخلف ديناصور من الحديد يرتج من نشوة التصادم.. ولا يعرف ما الذي يمكن ان يفعله سائقه.. ومن معه .. ولا تعرف كيف تستدعي الشرطة أو الاسعاف.. ومهدد بأن يأتي ديناصور آخر متهور وأعمى ومسطول ليطيح بنا جميعا.. انني عاجز عن وصف مشاعري .. فلا أحد يستطيع ان يعطي مواصفات زلزال ضربه.. لا أحد يستطيع أن يصف حريقا.. وهو في داخل الحريق.. ولا أحد يستطيع ان يشرح كيف نجا من الموت.. وفي الوقت نفسه لا يزال الموت يهدده. لقد كنت أشعر دائما ان الموت صديقي.. تعرفت عليه عندما تركني أبي وذهب .. ثم زارني مرة حينما أقنع أمي ان تذهب معه.. فذهبت.. ورافقني الموت في رحلة إلى القرن الأفريقي أيام الحرب بين أثيوبيا والصومال, لكنني اعتذرت له عندما عدت إلى القاهرة.. وجدته يراقبني في كثير من معاركي الصحفية.. مرة متنكرا في صورة ارهابي.. ومرة متنكرا في صورة بلطجي. وعندما كنت اجري جراحة خطرة وجدته يطرق ابواب حجرتي في المستشفى... ولكنني لم افتح له... فترك بطاقته... وذهب. وقد كنت اؤمن دائما أن الموت لا يهزمه سوى الكتاب... فهم الوحيدون الذين يخافهم الموت ويحسب حسابا لهم... فطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وعبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور زارهم الموت ولكنه لم يستطع ان يصرعهم بالضربة القاضية... فأعمالهم لا تزال حتى الآن واقفة في حلبة الملاكمة ترد ضربات الموت... والمباراة لم تنته بعد. انني عندما أكتب اشعر بالقوة والمناعة... فالكتابة هي شهادة تأمين ضد الموت... وما دمت قادرا على الكتابة فان الموت لا يقترب مني, لأنه لا يحب رائحة الحبر والورق وموسيقى المطابع. لكنني وقت الحادث لم اكن اكتب وانما كنت اقود سيارتي... ولم اكن في معركة صحفية... وانما في معركة مرورية... وهذا ما جعلني أشعر ان الموت اختار التوقيت المناسب... والاسلوب المناسب... فأنا اعزل... بعيدا عن ميداني... لا خبرة لي بمواجهة الديناصورات في الظلام والصحراء... لكني اشهد ان الموت كان شهما وفارسا ونبيلا فلم يختر لي هذه النهاية... وكان ما فعله هو انه ظل يلازمني طوال الطريق... بل انه كان يرشدني الى اماكن الخطر التي صنعناها بأنفسنا على الطريق... وكأنه كان يقدم شهادة براءته من كل الحوادث التي وقعت في هذه الليلة السوداء... فنحن الذين نخطئ... والموت هو الذي يتحمل الوزر. فليس في الطريق العيون الفوسفورية الصفراء التي تعكس الضوء فتنير الطريق...وفي مسافات طويلة من الطريق تختفي العلامات البيضاء... فلا يستطيع احد ان يفرق بين الاسفلت والرمال... ويموت الرادار بالسكتة القلبية ليلا... وكذلك الحملات والاكمنة المرورية... فتخرج الديناصورات المجنونة الى عرض الطريق لتطيح بالسيارات الصغيرة... وكثيرا مالا تفرق بين اليمين واليسار... ولا تعبأ بغيرها... فما دام سائقها يجلس في برج من الصلب فلماذا يشعر بالمسؤولية... ومادام سيخرج سليما فلماذا يشعر بالخطر الذي يفرض على الاخرين؟ ولكل سيارة من سيارات النقل وزن محدد وهناك محطات للوزن لتحديد حمولة سيارات النقل... لكن... لأسباب خفية لا يعلمها الا الله والمسؤولون عن هذه المحطات تخرج معظم سيارات النقل أخف من حمولتها.. ولو كان ذلك صحيحا فلماذا تسبب الحمولات الثقيلة لسيارات النقل في افساد الطرق واصابتها بالتلف سريعا. بالقطع هناك اسباب اخرى ليست خفية هذه المرة لسرعة فساد الطريق فلو راجعنا ثروات مقاولي الطرق وثروات من يتسلمونها لعرفنا الاسباب, ان الملايين تضيع سنويا في الطرق وكأن رصف طريق رصفا جيدا متقنا يعيش طويلا مسألة صعبة او مستحيلة او هي معجزة تكنولوجية لم نتوصل اليها بعد وتوصلت اليها الدول الافريقية المجهولة على الخريطة لقد اذهلني ان طريق العلمين الذي يوصف بالطريق الدولي اصيب بالسرطان قبل افتتاحه بل قبل اكتماله اي ان الطريق كاد ان يموت قبل ان يولد وكان لابد من جراحة عاجلة لانقاذه وقد دفعنا نحن الثمن من جيوبنا وارواحنا فالحياة لاتهمل الا الذين يهملونها ولا تكافىء الا الذين يقابلون هداياها الجميلة بهدايا ذهنية اجمل.. مثل الامانة والاستقامة والشفافية والاتقان وعدم الاهمال. ولست في حاجة للقول بأن الطرق صناعة متكاملة من الخدمات والمرافق وليس مجرد مساحة من الاسفلت تفردها ماكينات ثقيلة فتبدو مثل سجادة سوداء وسط الرمال ولو كان اي مسؤول عن الطرق قد تعرض لما تعرضت له في هذه الليلة السوداء لعرف معنى ما اقول. لم اجد بعد الحادث من ينقذني ولو كنت قد اصبت لما عرفت كيف اتصل باصدقاء من الاسكندرية والقاهرة ــ بالتليفون المحمول ـ لانقاذي والمعروف في حوادث الطرق ان كل دقيقة تمر تقرب المصاب من الموت وتباعد بينه وبين الحياة, وقد جاء اصدقائى قبل أن تأتي الشرطة والاسعاف بل انهم هم الذين تولوا مهمة الاستدعاء واستغرق ذلك ساعة من الزمن واتصور انها كفيلة بالقضاء على ضحايا اي حادث, لكن مالذي يهم والانسان في هذه الاحيان بلاقيمة وبلا ثمن مهما كانت اهميته. وقد ادهشني هذا التراخي خاصة وان الطريق كانت في هذه الليلة تمتلىء بحوادث يصعب حصرها سيارة نقل مقلوبة , سيارة ملاكي تحترق, سيارة نقل اخرى تركب فوق سيارة ملاكي مسكينة, وفي هذه الليلة ايضا وقع الحادث الشهير على محور 26 يوليو الذي ادى الى بعض الشغب والاضطراب وقد كان متوقعا والطريق قد تحولت الى مقبرة جماعية ان تكون حالة الاستنفار عليها في الذروة لكن سيارة النجدة التي وصلت الى موقع الحادث كانت تمر بالصدفة! والمذهل ان رجال المرور يقولون لك: ماذا تفعل وفي كل سيارة نقل (جوزة) وربما (حشيش) وان سائقيها يعتقدون انهم مثل القطط بسبع ارواح... وبعضهم يقود سيارته وهو مسطول او نائم او مشغول بالحديث مع تابعه... وكلهم يقودون بسرعة ليقطعوا الطريق ذهابا وعودة بلا توقف وبلا راحة حتى يحصلوا على مزيد من النقود انهم يخافون على ارزاقهم اكثر من خوفهم على ارواحهم وعلى ارواحنا ثم ما الذي يمكن ان تأخذه منهم لو قتلك او اصابك او دمر سيارتك فماذا تأخذ الريح من البلاط؟ وطوال الطريق كان يسيطر على المشهد الشهير في كل الافلام البوليسية الاجنبية مشهد رجل المرور الذي يخرج فجأة بسيارته او بدراجته البخارية لاعتراض اية سيارة تجاوزت السرعة القانونية... انك لا تعرف اين يختبىء رجل المرور ولا تعرف كيف ظهر فجأة وكأن الارض قد انشقت وخرج من تحتها وهو مشهد لا علاقة له بالمشهد الذي عشته بعد الحادث عندما ركبت سيارة النجدة في طريقنا الى قسم بوليس (وادي النطرون) لاستكمال المحضر كانت سيارة النجدة هي التي تتحرك ببطء على يمين الطريق دون خوف ودون ان تخشى الفانوس الازرق الدوار المضيىء الذي يرمز لسيارات الدورية فمن السبب في هذا التجاوز؟ وما السر في عدم احساس قائدي السيارات بالخوف والهيبة؟ وعندما تسأل رجال المرور عن ذلك يقولون: ان الاكمنة الليلية خطرة على حياتهم وكثيرا من زملائهم ماتوا على الطرق عندما نصبوا هذه الاكمنة فالظلام الدامس والسرعة المجنونة كفيلان بقتل كل من يعترض الطريق. وكثيرا ما تساءلت: كيف نترك ثروات غالية بالملايين تمشي على عجلات في ايدي بعض المجانين يلهون بها ويدمرونها ويدمرون ماحولها, ان السيارة اختراع حضاري تعبت البشرية مئات السنين حتى توصلت اليه فكيف يتحول الى ديناصور اعمى متهور منفوخ العضلات لا يعرف قيمة مايركبه, ان في ذلك اعتداء من الجهل على العلم وتجاوز من المساطيل لكل الاصول والقواعد دون ادراك ان هذا تدمير للثروة القومية من الحديد والبشر. وأتصور اننا فقدنا في حوادث الطرق خلال الخمسين سنة الماضية اكثر مما فقدنا في حروبنا مع اسرائيل, ان الموت على الطرق مثل اسرائيل يدخل في لحمنا كل يوم عشر بوصات ولكننا لا نعترف به, ويحتل من جسدنا مساحة هائلة, ونحن نشهر في وجه الاهمال والاستهتار, ومن لم يستشهد في معارك سيناء, استشهد على الطرق الصحراوية, لكنه استشهاد بلا معنى, وبلا تكريم, وبلا أوسمة, استشهاد ينتهي صاحبه بأن يصبح جثة مفرومة, غارقة في الدماء, ومغطاة بأوراق الجرائد المكتوب فيها تصريحات رسمية متفائلة عن حياة أفضل, انها جريمة فظيعة تنتهي بالانسان الى ان تستره جريدة قديمة. ان القيادة على الطرقات في مصر انتحار, قمار, لعب بالحياة, عناق دائم للموت الذي يتحرك مسرعا على عجلات في انتظار لحظة تهور, أو لحظة غباء, رعونة لا مبرر لها, جسر من البكاء والتوتر والآلام يمتد بين السماء والارض, مغامرة غير محسوبة لا تعرف فيها النزيف الذي سيعتريك, وأسياخ الحديد التي ستخترق قلبك, والديناصورات العمياء التي ستسحقك ولا نملك في مثل هذه الاحوال سوى الاستعانة بسورتي الرحمن ومريم العذراء للخروج من الخطر, ولا نملك سوى ان نقبل السماء, والنجوم, ويد الله التي انتشلتنا من هذه المصيبة, فالله هو الوحيد القادر على انقاذنا من جنون البشر, وجنون البقر, هو الوحيد الذي قدر, ولطف. انني لا أكتب هذه التجربة المريرة مع الموت لأطالب بحقوق الناس على الطريق, ولا أريد ان أزعج أحدا, أو أوقظه من سباته العميق, ولا أطالب بمزيد من المراقبة والانضباط, ولا أطالب بالتحلي بالصبر والحكمة لكل متهور على الطريق, لا أطالب بأي شيء, ولا أحلم بأي شيء فهذا فوق طاقة خيالي, ثم ان كثيرين قبلي قد بحت أصواتهم ولم يحدث أي شيء. انني اكتب هذه السطور شكرا لله على نجاتي, فلولاه ما كنت أقدر على الكتابة مرة أخرى, بل لولاه ما كان هذا الوطن قائما ومستمرا رغم كل ما يتعرض له.