لا شك ان الرئيس الايراني محمد خاتمي كان يرجو ان يأتي لقاؤه الاول مع الجمعية العامة للامم المتحدة في جو غير هذا الجو الملتهب بصيحات الحرب , والمشحون بنذر شر مستطير يهدد ليس بلاده وحدها ولكن كل بلدان هذه المنطقة الحيوية والهامة في جغرافية العالم والتي يدور فيها ومن حولها صراع هائل لا يعلم احد اذا انفجر وتحول الى حرب ضارية كيف ستكون نهايته... فخاتمي الرئيس المرشح عهده للخروج بايران الثورة الاسلامية من اثار المرحلة الثورية بكل ضجيجها وزخمها, الى مرحلة سيادة القانون والدستور, والخطى - وان كانت تبدو بطيئة - الديمقراطية, حتى تتأقلم ايران مع عالم محيط بها رفع - حقا او زورا - شعارات الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان وسيادة القانون وحرية التجارة... لكن التطورات المفاجئة او غير المفاجئة في جارة بلاده افغانستان والتي دفعت بحركة طالبان الى (تحرير) معظم الاراضي الافغانية واوصلتها الى حدود ايران الشرقية, وادت الى اغتيال الدبلوماسيين الايرانيين والمجزرة الرهيبة التي تعرض لها الشيعة الافغان في معقلهم في بامبان وكل هذه الاحداث التي وضعت البلدين على حافة هاوية الحرب, لا شك ان كل ذلك سيغير من لهجة خطابه المتوقع وقد غير فعلا من جدول اولوياته السياسية خلال الاسبوعين المنصرمين. فالمشكلة التي تواجه الحكم الايراني اليوم لا تتمثل فقط في قضية مصرع الدبلوماسيين الايرانيين وهي دون شك فاجعة يتعين على اي حكم وطني ان يتعامل معها ومع مشاعر الغضب والدعوة للثأر التي انطلقت وبصورة عفوية وسط الجماهير الايرانية, بما هو اكثر من الحكمة السياسية, خاصة في ظروف حكومة الرئيس خاتمي المتهمة اصلا من قبل اليمين الايراني المتشدد (باللين) والتراخي في مواجهة الاستكبار!! لكن مشكلة ايران اليوم ان وجود حركة طالبان وسيطرتها شبه الكاملة على افغانستان تذهب الى ابعاد اكبر واوسع تشمل ضمن ماتشمل حلفاء طالبان والذين اوجدوها وصنعوها وهيأوا لها كل الوسائل والطرق حتى اوصلوها الى العاصمة الافغانية كابول, وعندما يقول الايرانيون ان طالبان هي مشروع امريكي وبرنامج امريكي للمنطقة, فهم يعرفون جيدا ويعنون مايقولون, ولايخاطبون انفسهم بل هم يخاطبون المنطقة كلها ويدعونها لاتخاذ موقف يتساوى الجميع امام الاخطار التي تهدد المنطقة تحت اسم وعنوان الامارة الاسلامية في افغانستان, فالنار دائما تبدأ من مستصغر الشرر, والمستنقع الافغاني الذي تورط فيه الكثيرون باسم محاربة الشيوعية والاحتلال السوفييتي لافغانستان حان اوان قطاف ثماره الآن بعد ان استهلكت مرحلة الحرب الباردة قيادات الجهاد الافغاني التاريخية التي انتهكتها واوصلتها الى هذه الدرجة من الضعف والهزال الى صراعاتها الداخلية وحروبها الشخصية فالمرحلة الآن - من وجهة نظر الذين دعموا طالبان واوصولها الى كابول - هي مرحلة البترول والغاز والانبوب والسوق الآسيوية السوفييتية السابقة التي تدخل اليوم في قلب الصراعات العالمية والسعي المحموم - بل والدموي - للسيطرة الاقتصادية ومايتبعها من لوازمها من سيطرة سياسية وتأمين جغرافي وعسكري للمصالح الاقتصادية الكبرى التي من حولها وبسببها تدور الصراعات الجديدة التي حلت محل صراعات الحرب الباردة سيئة الذكر... فآسيا الوسطى - مثلها مثل منطقة البحيرات الافريقية العظمى وماحولها - تمثل في مرحلة الثورة الاقتصادية العالمية الجديدة المسماة (العولمة) مخزون الثروات وساحة الصراع الجبار الذي لايعرف الرحمة, والذي يتزيا بازياء كثيرة منها العرقي والديني والمذهبي والتاريخي, لكنه لحظة الاقتضاء مستعد ان يخلع كل هذه الازياء ويبدو عاريا على حقيقته... الاقوياء يريدون اكل الضعفاء تماما كما حدث في القرنين الماضيين ولكن هذه المرة عوضا عن الانجيل والبندقية والبرود البدائي تأخذ وسائل العصر الحديثة مكانها!! لو كان الصراع حقا طائفيا ومذهبيا بين ايران وحركة طالبان اذن ماهي اسباب الصراع الافغاني - الافغاني الدموي والذي تبدو حركة طالبان وقد حسمته ربما مؤقتا وكل الفصائل الايرانية الجاهدية تنتمي الى نفس المذهب عدا الشيعة الافغان؟! ثم من من المسلمين اليوم يجرؤ على ان يصف طالبان وافعالها واقوالها وسلوكها المدان من قبل كل البشر المستنيرين بانها تنتمي حقا لهذا الدين الاسلامي الحنيف الذي ختم رسالات السماء بالدعوة الى الحكمة والموعظة الحسنة والذي تأسس وانتشر وساد على قاعدة (لا اكراه في الدين) وعلى ماوصف به القرآن الكريم صاحب الرسالة وخاتم الانبياء والمرسلين (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) . واذا كان قد تنسب لعلي خامئني مرشد الثورة الايرانية القول (بان هذه النار اذا اشتعلت فلن يبقى احد من دول المنطقة والجوار سالما منها) فهذا القول يجب ان يفهم في اطاره الصحيح, وفي موقعه الصحيح من التحليل الرسمي الايراني الذي كان لايزال يحدد طالبان بأنها جزء في اطار مشرع وبرنامج امريكي للمنطقة.. فالايرانيون عندما ينظروا الى حركة طالبان ليس باعتبار مذهبها الديني وانما باعتبارها حركة سياسية أستغل العامل الديني في بنائها وتقويتها لتكون رأس الرمح المتقدم للاستراتيجية الامريكية وحلفائها المرتبطين بمصالح غير محدودة معها, بعد ان فشلت كل المساعي والجهود التي بذلت على مدى سنوات للجمع بين القيادات والحركات الجهادية الافغانية على مشروع واحد يؤمن مصالحهم في المنطقة والدور الافغاني المرسوم داخل هذه المصالح, فهم محقون في ذلك.. والتنبيه الايراني والدعوة التي اطلقتها ايران للدول الاسلامية المنضمة في عضوية منظمة الدول الاسلامية التي ترأسها ايران حاليا, ولدول المنطقة خاصة يجب ان ينظر اليها بكل الجدية اللازمة.. لقد دعمت باكستان حركة الطالبان, وقامت الولايات المتحدة بكل ما يلزم لتغيير موازين القوى في افغانستان, وكانت لها حساباتها ــ وهي ليست دائما حسابات صحيحة ــ التي جعلتها تعتمد طالبان حلا للمسألة الافغانية.. واليوم ترتفع حتى داخل الولايات المتحدة ومؤسسات الحكم فيها أصوات تحذر بأن هذا الخطأ الذي وقعت فيه أمريكا سينقلب الى كارثة تطال حتى الولايات المتحدة نفسها.. فسياسة احتواء ايران في نظر الكثير من السياسيين والكتاب الامريكيين لا يمكن ان يكون ثمنها في كفة الميزان الاخرى دعم جماعة من زراع ومهربي المخدرات على حد وصف الواشنطن بوست لطالبان المتعصبين دينيا والذين تسيء علاقات الولايات المتحدة بهم, وتشوه صورتها امام المسلمين اكثر مما هي مشوه, ناهيك عن الاخطار التي يراها العقلاء في انتشار وسيادة النهج الطالباني ليس في افغانستان وحدها وانما في دور الحوار الاسيوي الاسلامي وامتداداته على خريطة العالم.. الامريكيون جربوا من قبل وذاقوا مرارة التجارب التي اوصلت حكوماتهم من قبل الى التحالف مع من تتهمهم امريكا اليوم بأنه العدو الاول وممن تصفهم اليوم بأنهم الارهابيون الذين يهددون سلامة الشعب الامريكي ذاتها!! ان احتمالات تصاعد الازمة الايرانية الافغانية ستظل قائمة, وهي احتمالات لا ترهق ايران وطالبان وحدهما, ولكنها تلقى بظلالها الكثيفة على المنطقة كلها.. وما يجرى اليوم على حدود ايران وافغانستان ليس من صنف تلك الازمات الاقليمية التي تجرى في أطراف العالم, ويمكن للعالم ان يتجاهلها وان يتركها تأخذ مسارها حتى يحلها الزمن.. فايران ليست بلدا من بلدان الاطراف الهامشية.. والجرح الايراني لاغتيال الدبلوماسيين الايرانيين جرح عميق وحقيقي على المستويين الرسمي والشعبي.,. لكن امثال هذه القضايا المعقدة لا تحسب فقط بحسابات الجروح النفسية وصحيات الثأر للكرامة الوطنية.. ومن مصلحة ايران ان تكون معركتها مع طالبان معركة يشارك فيها العالم ودول المنطقة بصورة من الصورة ولا تترك معزولة وحدها لتخوض معركة اي كان نوعها وحجمها مع طالبان.. فايران ستتقدم الى العالم اليوم بقضيتها وهي تقول ان الضر الذي مسها سيلحق بالآخرين, ان لم يكن اليوم فغدا.. فطالبان والنهج الذي تمثله هي خطر حقيقي اولا على الاسلام والمسلمين, وهي دعوة لفتنة تجاوزها المسلمون منذ زمن بعيد, ومن يريد تكرارها فهو عدد للاسلام وللمسلمين.. لذلك فان الخطاب الايراني يتوجه ــ أول ما يتوجه ــ للعالم الاسلامي وللعالم العربي الذي هو قلب هذا العالم ليس جغرافيا فحسب وأنما روحيا وسياسيا ومصلحيا.. وايران تتوجه ثانيا وبشكل مباشر للمجتمع الدولي ولديها خطابها وحجتها الدامغة, فهذا المجتمع الذي نظم بالقانون والمواثيق الدولية حماية الدبلوماسيين, عليه أن يؤدي دوره المحتوم حتى لا تصبح السابقة الافغانية, منهجا وسلوكا سيطال الجميع اذا لم يلزم عند حده. وستجد ايران في مشاركة رئيسها المستنير في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومخاطبته لها فرصة طيبة لتوسيع وتطوير اطار حملتها الدبلوماسية ضد حركة طالبان, فايران اعلنت ان قرار الادانة الذي اصدره بالاجماع مجلس الامن ليس كافيا, وهي برغم الحالة والآلام النفسية التي تسودها الآن تريد ان تمنح المجتمع الدولي فرصة يؤكد فيها صدقيته.. وتريد ان تمنح نفسها ايضا فرصة يتأكد فيها للعالم أن شيئا جديدا يحدث في ايران الثورة العارمة, وان نهجا جديدا يريد ان يتأقلم مع العالم ومن حقه ان يطلب من العالم قبوله قبولا حسنا.. فالازمة الايرانية الافغانية المتصاعدة جاءت في وقت تتهيأ فيه ايران, وبشكل جدي رغم الصعوبات والضغوط الداخلية, لتلعب دورا ترى نفسها جديرة به, وتعرف في ذلك الوقت انها لن تستطيع لعب هذا الدور الا اذا تغيرت فيها اشياء كثيرة فأولها علاقاتها بمحيطها العربي الاسلامي ومحيطها الاسلامي الآسيوي.. فايران اليوم تعرف ان (الثورة) قد ترسخت اقدامها في الارض والواقع الايراني, وانها قد كسبت الى حد ما معركة الحصار والاحتواء والعزلة, وتخرج تدريجيا من مخلفات المرحلة السابقة, التي كانت في رأيها ضرورية ولازمة, وان اول ما تحتاجه ان يرى فيها العالم والاقليم المحيط قوة سلام واستقرار في المنطقة الصناعية وليست مصدر تهديد للجيران القريبين والبعيدين لذلك ومع تصاعد الحرب الكلامية ومع تنامي المناورات العسكرية فليس من مصلحتها الان ان تعلن حربا ضد طالبان, علما بأن المراقب المدقق في الامر سيرى ان طالبان المشروع برغم الانتصارات السريعة التي حققتها وبرغم الزخم الذي صاحبها لن تقدر على الاستمرار فيما هي سادرة فيه لانه ضد منطق الاشياء كذلك فإن باكستان المتهمة في نظر الايرانيين بأنها تريد ان تجعل من افغانستان ساحة منازلة اختارتها هي وحددت مواقيتها, لن تستطيع لعدة اعتبارات ان تسير حتى نهاية الشوط لان كل شيء محكوم ليس فقط بأوضاع الداخل وانما ايضا بمجمل العلاقات الخارجية, الاسلامية والاقليمية, والصراع الهندي ــ الباكستاني ناهيك عن اوضاع الداخل وتركيبة المجتمع والسلطة والصفوة والمصالح الباكستانية وجميعها لا تسمح بنشوب حرب بين البلدين والشعبين بينهما مابين الايرانيين والباكستانيين من علاقات تاريخية كذلك فإن ايران تعرف انه ان كان هنالك ثمة (مؤامرة) لتوريطها في المستنقع الافغاني فانها ليست مرغمة على الدخول في تلك المتاهة, فطالبان اليوم مطلوبة ليس من ايران وحدها, فهي اولا مطلوبة من القوى الافغانية التي خاضت ضدها حربا قاسية مكنت طالبان منها عوامل وظروف ليست لها علاقة بالقوة الحقيقية والعسكرية لطالبان وهي مطلوبة ايضا من محيط بدأ يرى فيها نذر شر مستطير وخطرا محتملا بل مرجحا لجملة اوضاع اقليمية ولقوى دينية وسياسية ولاستقرار تطلبه وتحتاج اليه تماما المنطقة من اجل ترتيب الاوضاع والتوجه نحو التنمية الاقتصادية والبشرية وفي هذا الصدد فإن ايران قد تبدو المتضرر الاول من طالبان التي اغتالت دبلوماسييها ولكن دولا اخرى وقوى اخرى في المنطقة تستشعر الخطر الطالباني وتتفهمه تماما.. والحال كذلك فليس في مصلحة ايران ولا هي محتاجة ان تخوض معركة الطالبان وحدها يكفي ان تستخدم ايران هذه العوامل الاستخدام الجيد لكي تعيد الكرة مرة اخرى لملعب طالبان ومن وراءها فهناك اكثر من مليون لاجىء افغاني لهم قياداتهم وتنظيماتهم السياسية يتحرقون شوقا للعودة الى وطنهم وكانت ايران فيما مضى الاقل حماسا لمساعدتهم في مشروعهم العسكري, بل في روايات كانت تمنعهم ان ينشطوا من داخل اراضيها. وفوق كل هذا وذاك فإن هذا الوحش الذي انطلق من عقاله بهذه الصورة الشديدة البشاعة والذي يوجه اكبر اساءة للقيم والمعاني والمثل الاسلامية, يبدو وهو منفلت كأنه رمز لقوة هائلة, لكن الحقيقة انه يحمل عناصر فنائة في داخله.. لانه وبالحق شيء خارج العصر والتاريخ كاتب وصحفي سوداني*