منذ نهاية الحرب الباردة, واختفاء الاتحاد السوفييتي السابق وتمزق الامتداد الاشتراكي في اوروبا الشرقية, أعلن العديد من الكتاب والمحللين السياسيين ان سقوط حائط برلين لم يكن على الاطلاق علامة على سقوط الاشتراكية الواقعية , بل كان ايضا علامة على أزمة الرأسمالية التي تمثلها الولايات المتحدة واوروبا الغربية والدول التي تدور في فلكها, وحذر العديد من هؤلاء الكتاب من المغالاة في تفسير الامر على انه انتصار للرأسمالية, وطالبوا المسؤولين السياسيين البحث عن منظومة جديدة تحاول انقاذ العالم من ازمة اقتصادية وسياسية ناتجة عن هذه الرؤية. لكن السياسيين في العالم الرأسمالي قرروا عن عمد وسبق اصرار السير في الطريق نحو الهاوية التي حذر من منها هؤلاء المحللون, وساروا باتجاه المزيد من الغلو في الرأسمالية, تحت شعار تقدم التكنولوجيا وسقوط الحواجز فيما اسموه (العولمة) , حتى ان الذين اعتنقوا الليبرالية قرروا تسليم ما تبقى من سلطة للدولة للشركات المتعددة الجنسية والقطاع الخاص ليمارس حريته الكاملة بلا ادنى رقابة من الدولة على انشطتهم الرأسمالية, وتحركات الاموال من دولة الى دولة دون رقابة او حواجز, او اعتراض من جانب السلطات المخولة بتسيير الامور الاقتصادية في اي بلد. بل ان الولايات المتحدة الامريكية التي تتزعم هذه النظرية, قررت ان تمارس ضغوطا على المؤسسات الدولية التي يمكنها ان تفرض هذه الليبرالية الاقتصادية على اكثر دول العالم, سواء في المنطقة الاشتراكية السابقة او في دول الجنوب اي العالم الثالث, وكان صندوق النقد الدولي رأس الجسر الذي مارست من خلاله الولايات المتحدة تنفيذ هذه السياسة, باعتبار ان هذه المؤسسة الدولية تخضع للسيطرة الكاملة التي تفرضها الولايات المتحدة على سياسة القروض والمساعدات التي يقدمها الصندوق للدول التي تقع في شباكه العنكبوتية. من خلال حاجة الدول المتخلفة التي يطلق عليها تأدبا اسم الدول النامية لتلك القروض, قامت بتنفيذ الشروط المفروضة عليها بالتخلي عن سلطة الدولة في ادارة مواردها الرئيسية, وتسليمها لشركات القطاع الخاص او الشركات المتعددة الجنسية, اضافة الى السماح بحرية انتقال رؤوس الاموال, باعتبار ان هذا الشرط لازم من لوازم دخول رؤوس الاموال الاجنبية للمساعدة على التنمية. نتج عن تنفيذ هذه السياسة الاقتصادية العالمية الجديدة, التي تم تدشينها تحت شعار العولمة, ان نصف الاقتصاد العالمي في حالة افلاس او على هاويته, النمور الآسيوية لم تعد نمورا, وبدأت تعاني من مشاكل البطالة التي تحولت الى نوع من العنصرية ضد العمال الاجانب الذين جلبتهم فورة النمور, وبعد الازمة بدءوا يمثلون عبئا على اقتصادياتها المتدهورة, واليابان تتخبط في خيوط العنكبوت التي نسجتها من حولها الولايات المتحدة, وديون بنوكها وشركاتها الخاسرة. اصبحت روسيا عاجزة عن توفير الحاجات الاساسية لسكانها, بعد ان قررت الدخول الى العولمة الاقتصادية بتطبيق كل القواعد التي املاها عليها صندوق النقد الدولي, فقامت ببيع مصانع الامبراطورية المنهارة بأبخس الاسعار لطبقة جديدة تحولت الى طبقة من المافيات ومصاصي الدماء, لان تلك المصانع تم اعادة بيعها باسعار اخرى بعد تفريغها من عمالها وموظفيها, فدفعت بجزء كبير من الشعب الروسي الى وضع ادنى من حد الفقر, ونقلت تلك الاموال الى خارج البلاد, حتى تحولت روسيا ــ طبقا لتقرير اقتصادي دولي ــ الى اكبر الدول المصدرة للاموال رغم حاجتها الى تلك الاموال في اعادة بناء اقتصادها المنهار, ولم يعد لروسيا من طريق لتمويل احتياجاتها سوى بيع البترول والمواد الاولية التي تنتجها, لكن بانخفاض اسعار البترول فقدت الدولة الروسية قدرتها عن دفع رواتب موظفيها, او تمويل المتطلبات الصحية او معاشات العجزة من ابطال العمل السابقين في الاتحاد السوفييتي. مجموع دول امريكا اللاتينية التي كانت تحلم بالخروج من النفق المظلم الذي كانت تعيش فيه طوال عقود, بدأت ترتعد فرائصها عند كل نشرة اخبارية انتظارا لتوقف زحف آثار الكارثة الاسيوية على اقتصادياتها, ودول افريقيا تعيش في حالة انعدام توازن لانها لاتمتلك اقتصادا حقيقيا طبقا لمفهوم الاقتصاد, لذلك لايذكرها الخبراء في تقاريرهم الا على سبيل الاشارة الى الفقر المدقع, او في حالات الكوارث الطبيعية من جفاف وفيضانات او مذابح وحروب, التي تعاني منها معظم الدول الافريقية. أما النصف الثاني الأفضل وضعا في الاقتصاد العالمي الحالي, فإن جزءا منه يعيش حالة من الرفاهية المصطنعة, الولايات المتحدة الأمريكية ــ كما يقول بعض خبراء الاقتصاد ــ تعيش حالة من الانتعاش بسبب وضع البورصة الذي يشبه تماما وضع النمور الآسيوية قبل الكارثة, هذا الوضع الذي يشارك بشكل مباشر في زيادة حدة الأزمة الاقتصادية في الدول التي تعيش تلك الأزمة, لأن الأموال تهرب منها إلى البورصة الأمريكية بحثا عن مزيد من المكاسب السريعة في بورصة منتعشة ولو اصطناعيا, والشعب الأمريكي يشعر أنه أكثر الشعوب الغربية حظا في هذه الأزمة ويندفع الى حالة من الاستهلاك لا يبررها الوضع الحقيقي للاقتصاد الأمريكي بعيدا عن البورصة. أما أوروبا الغربية فان معدلات نموها بدأت تتراجع, وسلمت الحكومات الأوروبية أخيرا بأن الأزمة الاقتصادية التي دمرت النمور الآسيوية أخذت بتلابيب اقتصادها أيضا, وبدأت تعيد تقييم معدلات نموها, وبعض الحكومات الأوروبية أعلنت عن انخفاض تلك المعدلات عما كان متوقعا قبل ثلاثة أشهر فقط, وأصبحت تحلم بمعجزة يمكنها تعديل مسار الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الأربعة المتبقية من هذا العام, وإلا فان معدلات النمو سوف تكون أقل من 2 % في مجموع تلك الدول, والعولمة التي تغنوا بها طوال الأعوام الأخيرة سوف تكون نهاية لحلم تحول إلى كابوس. هذا الوضع (الكارثي) ليس من قبيل الخيال, ولكن تعكسه العديد من التقارير الاقتصادية التي تنشرها الصحف الغربية المتخصصة, التي تكشف عن أن هذه الأزمة ناتجة في النهاية عن الحرية الكاملة لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية ومكاسبها من مكان إلى آخر دون ضوابط حقيقية تؤكد سلطة الدولة, وأن وهم الليبرالية عن مشاركة رؤوس الأموال الأجنبية في تنمية تلك الدول لم يكن سوى وهم اخترعه وصدقه أصحاب نظرية العولمة دون أن يضعوا أمام عيونهم الحكمة القديمة التي تصف رأس المال بالجبن. رغم كل هذه النتائج السلبية التي جرتها نظريات الليبرالية على الاقتصاد العالمي, فإن السياسيين في أوروبا الغربية والولايات المتحدة, ومن يتبعهم من المفكرين الاقتصاديين في العالم المتخلف ظلوا حتى وقت قريب يرفضون رؤية الأزمة التي تهدد الاقتصاد العالمي كله, ويرفضون الاعتراف بالأزمة التي تعيشها الرأسمالية الليبرالية, أو أن تلك النظرية في حاجة إلى المراجعة. لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدأ الاقتصاديون يطالبون الولايات المتحدة التوقف عن اللعب بالنار, وتسهيل مهمة صندوق النقد الدولي من خلال التوصل إلى برنامج مشترك مع دول الاتحاد الأوروبي, التي تعتبر الجانب المرفه في هذه الأزمة, لتصحيح الأخطاء التي نتجت عن تطبيق القواعد التي وضعها البنك لقروضه من تحرير السوق وتمزيق الممتلكات العامة, وكانت سببا في تعقيد الأوضاع الاقتصادية في العديد من الدول المثقلة بالديون. ويطالب المفكرون الغربيون أيضا ببرنامج مشترك بين الولايات المتحدة وأوروبا واليابان, لأن الوضع لايقبل أن يدير القرية العالمية التي يحلم الغرب بها قيادة واحدة كما هو الحال الآن, لأن القيادة الجماعية السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمة مالية حادة قد تنتج عن الوضع الحالي تصيب الجميع, وحتى لاتجد الأنظمة السياسية نفسها مدفوعة إلى العودة إلى اتخاذ اجراءات خاصة لحماية اقتصاديات دولها من سلبيات الحرية المطلقة لتحركات رؤوس الأموال في ظل الوضع الحالي, ولمنع وقوع كارثة مثل تلك التي حدثت مع بدايات القرن العشرين, وتسببت في انهيار الاقتصاد وازدياد البطالة, ثم المواجهة العسكرية التي تمثلت في حربين عالميتين, وحروب إقليمية صغيرة لا تحصى ولا تعد. لكن هل تصلح القيادة الجماعية للعالم ما أفسده صندوق النقد الدولي في ظل قيادة الولايات المتحدة الأمريكية؟ الواقع يؤكد أن وجود شريك غربي لأمريكا لن يغير من الأمر شيئًا, لأن أوروبا الغربية لا تختلف في مطامعها عن أمريكا. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*