تم في دمشق مؤخرا افتتاح المركز التجاري العراقي بحضور حشد من الرسميين السوريين والعراقيين ورجال أعمال سوريين وعدد محدود من رجال الاعلام, وقد تجول الحضور في قاعة فسيحة نظمت فيها ورتبت بضائع وسلع من المنتجات العراقية المتعددة المتنوعة, والتي توزعت ما بين المعدات والأجهزة الصناعية إلى المواد الغذائية والمصنوعات الجلدية والسجاد اضافة إلى التمور المعبأة التي تعتبر من أكثر الصناعات التقليدية العراقية شهرة. المسؤول العراقي الذي حضر حفل افتتاح المركز ممثلاً عن العراق فاروق العبيدي أكد أهمية افتتاح المركز باعتباره أحد وسائل تنمية التبادل التجاري بين العراق وسوريا, وأشار إلى ان بين مهام المركز تعريف المواطنين ورجال الأعمال السوريين بأهم السلع والبضائع التي ينتجها العراق, وأنه يساعد على توفير قاعدة معلومات للتجار السوريين عن العراق ومنتجاته, ويجعل عملية عقد صفقات تجارية أسهل بين الطرفين. وفي الحقيقة فإن حدث افتتاح المركز, يبدو أبعد من كل ما تقدم, إذ هو يعكس التطور النوعي لعلاقات أوسع بين سوريا والعراق, خاصة في ضوء ملاحظة ان بين حضور افتتاح المركز موظفين كبار في الخارجية العراقية قدموا خصيصا لهذه الغاية من بغداد, وهو أمر يترافق مع اعتقاد وتأكيد سوري بأن ليس مهما في العلاقات العربية ــ العربية ان تكون هناك سفارات في العواصم لتكون العلاقات قائمة وجيدة, وهو أمر يستدل به السوريون على علاقاتهم الوثيقة مع لبنان حيث لا علاقات دبلوماسية ولا سفارات لكل منهما لدى الآخر, وربما يرون ان الأمر في هذا يمكن ان ينطبق على العراق الذي ما زالت سفاراته مغلقة في دمشق, ومثلها السفارة السورية في بغداد, وقد أسر ممثل الحكومة العراقية في افتتاح المركز التجاري العراقي بأن العراق مستعد على الفور لافتتاح السفارتين في كل من دمشق وبغداد, واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين, وأضاف ان بغداد تنتظر قرار دمشق على اقتراحنا الذي قدمناه, ومن الواضح ان دمشق تفضل الاستمرار حاليا في العمل على تطوير علاقات تحتية, ومنها العلاقات الاقتصادية ولا سيما التبادل التجاري, وترى فيها قناة تدعم العلاقات المتنامية بين البلدين والتي ظهرت علاماتها ومؤشراتها متوالية في العامين الماضيين. ان الأهم بين مؤشرات تحسن العلاقات السياسية بين دمشق وبغداد, كان موقف سوريا في تأكيد ضرورة وسلامة الكيان العراقي, وهو أمر ضغطت سوريا من أجل تأكيده في آخر اجتماع لوزراء خارجية كل من ايران وتركيا وسوريا انعقد في العام 1995, ثم زادت إليه معارضة التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للعراق, وقامت بمعارضة الاحتياجات العسكرية التركية لشمال العراق والتنديد بها, وقد ذهبت دمشق في الأبعد عندما عارضت في العام 1997 توجيه أي ضربة عسكرية للعراق بسبب موقف العراق من موضوع التفتيش عن الأسلحة, وكان لسوريا دور مهم في تكوين رأي عام عربي يعارض ضربة عسكرية أمريكية للعراق, وإلى ذلك يمكن استحضار الدور السوري في اعادة ترطيب الأجواء العربية ـ الإسلامية ازاء العراق, وتحسين العلاقات الإيرانية ـ العراقية بوضعها في مسارات أفضل مما كانت عليه, وأضافت سوريا في السياق ذاته اتخاذها موقفا داعما ومشتركا مع العراق بصدد مسألة مياه دجلة والفرات المختلفة على اقتسامها مع تركيا, الأمر الذي جعل سوريا والعراق بمثابة فريق واحد متماسك في مواجهة الطرف التركي والذي يحاول طرح املاءاته على البلدين. وخارج الاطار السياسي العام للخطوات السورية في تحسين العلاقات السورية ــ العراقية, فإن خطوات أخرى جرت كان بينها استقبال عدد من كبار المسؤولين العراقيين في دمشق بينهم طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي ومحمد سعيد الصحاف وزير الخارجية وعدد من الوزراء وكبار والمسؤولين العراقيين الذي أجروا مباحثات ولقاءات مع كبار المسؤولين السوريين, وكثير منهم عقد اتفاقات, وهو ما فعله وزراء ومسؤولون سوريون زاروا بغداد على دفعات في غضون العام الماضي, لكن مع ملاحظة أن مستوى التمثيل السياسي كان الأعلى من جانب العراقيين. والمحصلة العملية لهذا الزيارات واللقاءات المتبادلة متعددة الجوانب, وان كان الأهم فيها الجانب السياسي الذي كثف التقارب السوري ــ العراقي, فإن بين النتائج المهمة, تلك الخطوات العملية المتصلة بالاقتصاد والنفط والعلاقات التجارية. لقد فتحت سوريا حدودها مع العراق في العام 1997, وبذلك وضعت حدا لقرار اغلاق الحدود بين البلدين والقائم منذ بداية الثمانينات يوم كان الصراع السوري ــ العراقي على أشده, وسمح القرار بانتقال للركاب والبضائع في الاتجاهين, وان يكن في حدود معينة, تتناسب وحال العراق في ظل الحصار المفروض عليه, ثم تبع ذلك عقد مجموعة من الاتفاقات التجارية, ولقد بلغت قيمتها مائة وخمسين مليون دولار, فيما كان من الممكن ان يصل حجم الواحد من هذه الاتفاقات إلى خمسمائة مليون دولار طبقا للتقديرات التي رافقت الانفتاح السوري ــ العراقي في هذا المجال. وثمة خطوة ذات أهمية بالغة في علاقات الطرفي, وهي التوصل إلى جملة اتفاقات بين البلدين تتصل بالنفط, بعد محادثات جرت في يوليو ــ أغسطس في كل من دمشق وبغداد على التوالي وكان بينها اتفاق على اعادة تأهيل أنبوب النفط الذي يربط كركوك العراقية بميناء بانياس على الساحل السوري, واقامة شركة مشتركة للتنقيب عن النفط في البلدين, وإقامة مصفاة جديدة للنفط في سوريا, وهي اتفاقات يعتبر انجازها تطور غير مسبوق في العلاقات العراقية ــ السورية. وبصورة عامة, فإن ماتقدم من تطورات في اطار العلاقات السورية ــ العراقية, إنما هو مجرد اشارات ودلائل, وثمة تقديرات إلى ان العلاقات بين البلدين ذات مضامين ومحتويات أعمق مما يؤشر له المعلن في العلاقات السورية ــ العراقية, والسبب في هذا ان هناك فهمين مختلفين في موضوع العلاقات السورية ــ العراقية, حيث يميل السوريون إلى علاقات عميقة وقوية تجري وتتعزز بصورة هادئة وقوية بعيدا عن الصخب والضجيج الاعلامي, وربما دون الاعلان عنها, فيما لا يمانع العراقيون, هذا النوع من العلاقات القوية, لكنهم مع تصعيد العلاقات إلى حد اعادة فتح سفارتي البلدين في كل من دمشق وبغداد بشكل يضع حدا لبقايا الأزمة في العلاقات السورية ــ العراقية, وإلى ان تتوافق الرؤية السورية ــ العراقية في هذا الافتراق التفصيلي فإن على المهتمين والمعنيين بين دمشق وبغداد ان ينتظروا تطورات مهمة, بل وقد تكون مهمة جدا وقريبة في العلاقات السورية. كاتب سوري*