افتتحت منذ ايام الجمعية العامة للامم المتحدة دورتها السنوية الثالثة والخمسين بحضور عدد من رؤساء الدول, في مقدمتهم الرئيس الامريكي بيل كلينتون, الذي يتخبط في ذيول ما عرف بقضية لوينسكي التي باتت تهدد باقالته , وتعتبر الجمعية العامة من الاجهزة الستة الرئيسية للمنظمة العالمية, ويصفها البعض ببرلمان المنظمة اعتبارا لكونها تشكل منتدى لمناقشة كافة القضايا التي يواجهها المجتمع الدولي, وكذلك ما يتعلق بالسير العادي لمختلف الاجهزة الاخرى التابعة للمنظمة, ويكفي القاء نظرة على جدول الاعمال المسطر لتلمس شساعة القضايا التي ستعالجها هذه الدورة, وهي ترتبط بقضايا الارهاب الذي عاد الى الواجهة بشكل قوي بعد الهجوم الذي تعرضت له سفارتا الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا, والذي وجهت من خلاله اصابع الاتهام الى ما يسمى بالاصولية الاسلامية, وكذلك الصراعات المسلحة, حيث انه على خلاف ما كان يعتقد, اذا كانت نهاية الحرب الباردة قد استبعدت شبح الحرب الشاملة المدمرة, فإنها فجرت صراعات جديدة عبر العالم ذات طبيعة متباينة, منها ما هو كلاسيكي مرتبط بالحدود والبحث عن الزعامة الاقليمية, كما هو الامر بالنسبة للصراع الهندي الباكستاني, او ذات طبيعة استيطانية, كما هو الامر بالنسبة لاستمرار الاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية والعربية, لكن النوع الجديد من هذه النزاعات يبقى داخليا منصبا على الصراع على السلطة, وهو الاتجاه السائد في اغلب النزاعات المسلحة التي تعصف بكثير من الدول, كما هو الامر بالنسبة لافغانستان او الكونغو, او السودان او الجزائر, واخيرا منها ما هو مرتبط بالهوية, كما هو الامر بالنسبة لقضية الكوسوفو, علاوة على ذلك فإن استمرار هذه النزعة التصارعية في النظام الدولي قد قادت الى مزيد من السباق نحو التسلح بحثا عن التوازن الاستراتيجي, كما يشهد على ذلك الصراع بين الهند والباكستان, فضلا عن ذلك فإن مثل هذه الصراعات التي قد تورط مجموعة من الدول, تطرح مشكلات واعباء اضافية مرتبطة باللاجئين, الامر الذي يعيق اكثر المسيرة التنموية لهذه الاقطار. وفي الواقع, فإن مآزق النظام الدولي لاتقتصر على القضايا ذات الطبيعة السياسية, بل ان الهواجس الاقتصادية باتت اكثر مصادر القلق في النظام الدولي, وتعيد القلاقل التي تعرفها بعض الدول, من جديد, شبح انهيار اقتصادي قد يوقف من عجلة الاقلاع, فبعد الانهيار الذي عرفته الاقتصاديات الاسيوية, والتي لم تكن منتظرة, فقد دخل الاقتصاد الروسي في حالة من الفوضى تهدد باقي الاسواق, وبالرغم من الحلول المقترحة من طرف المؤسسات النقدية الدولية, فقد بدا واضحا ان كل ذلك غير كاف, بل اكثر من ذلك, فإن هذه الهزات المتوالية قد كشفت انه لا مندوحة من اقرار اصلاحات عميقة على سير هذه المؤسسات التي نشأت في ظروف مغايرة لمعطيات الواقع الدولي الحالي, بصفة عامة, فإن الاضطراب هو السمة الغالبة على النظام الدولي بالرغم من الآمال التي كانت قد طرحتها لحظة نهاية الحرب الباردة, غير انه على خلاف مجلس الامن, فإن مقررات الجمعية العامة تكاد تخلو من الطبيعة الالزامية, وبعد ان كانت قد اكتسبت اهمية ملحوظة خلال مرحلة الحرب الباردة بسبب الاستقطاب الثنائي, وكذلك شلل مجلس الامن بفعل استخدام حق الفيتو, فإن اهمية هذا الجهاز سرعان ما تراجعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, ودخول العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة, وبالتالي استئثار مجلس الامن بسلطة القرار داخل المنتظم الدولي, لذلك, فإن السؤال الاساسي المطروح مع انعقاد كل دورة سنوية للجمعية العامة, انما يكمن في معرفة ما اذا كانت اطراف النظام الدولي ستعبر عن ارادة فعلية في تجاوز مظاهر الخلل العميقة التي تلف النظام الدولي الحالي, وبالتالي تمكين الامم المتحدة من الامكانيات اللازمة للقيام بوظيفتها. فمن الواضح ان نهاية الحرب الباردة لم تؤد الى ترسيخ سلطة الامم المتحدة كضابط للتفاعلات الدولية. فتحقيق الامن الجماعي الذي نشأت من اجله المنظمة الدولية, والذي يتطلب توافقا بين مختلف مكونات النظام الدولي لم يتحقق, بل اكثر من ذلك, فإن مجلس الامن الذي يمثل في اصله الطبيعة الاوليغارشية للمنتظم الدولي تحول الى اداة في يد الولايات المتحدة. وباتت قراراته تتصف بالطبيعة الانتقائية وبالكيل بالمكيالين, فبعد ان استعمل في حرب الخليج لتدمير العراق, ولادامة الحصار ضد الشعب العراقي رغم الاضعاف الكبير لهذا البلد العربي الشقيق, وكذلك لفرض عقوبات ضد دول عربية كما هو الامر بالنسبة لليبيا والسودان, فإن هذا المجلس يقف عاجزا بفعل الارادة الامريكية في التعامل بنفس الاسلوب مع التعنت الاسرائيلي في رفض الالتزام بالاتفاقيات التي ابرمتها اسرائيل مع الطرف الفلسطيني, والتي باركتها الولايات المتحدة نفسها, وفي نفس السياق, فإن مجلس الامن لا يتدخل بنفس القوة في الكثير من الصراعات التي تعصف بدول العالم الثالث, والتي لاترى الدول الكبرى, وعلى رأسها الولايات المتحدة اية مصلحة استراتيجية في معالجتها, الامر الذي قد يفضي الى جرائم فظيعة, كما لاحظنا ذلك في المذابح التي عرفتها رواندا في الحقبة الماضية, لا ريب في ان هذا الامر قد يرسخ شعورا بالاحباط والمرارة لدى الكثير من شعوب العالم الثالث. على صعيد آخر, فإن نظام الامم المتحدة يعاني من الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على مختلف المنظمات المتخصصة من اجل التقليص من برامجها الانمائية الموجهة بالخصوص للشعوب الفقيرة بدعوى ترشيد النفقات, دون ان تلتزم الادارات الامريكية المتعاقبة بتسديد حصتها في الميزانية, الامر الذي ادى الى تفاقم عجز ميزانيات اغلب المنظمات الاممية, وفي مقدمتها منظمة الامم المتحدة التي تعاني من عجز قارب مليارين ونصف من الدولارات, اكثر من نصفه ناتج عن رفض الولايات المتحدة تأدية ما بذمتها, وينم هذا السلوك عن رغبة مبيتة في اضعاف دور الامم المتحدة, في الوقت الذي لاتتردد فيه الولايات المتحدة في استخدامها كلما رأت مصلحة في ذلك. ان نهاية الحرب الباردة قد فتحت الباب امام خطاب امريكي يركز بالاساس على ضرورة بناء نظام عالمي جديد قائم على قواعد منها ما يتعلق باشعاع قواعد السوق, الا ان تنامي العولمة والكوكبة لم يفض فقط الى الزيادة في مستوى التبادل, ودرجة تداخل الاقتصاديات, بل في نفس السياق, فقد قاد بشكل متواز الى تهميش قطاعات واسعة من الشرائح الاجتماعية عبر العالم, وفي تقريره المعروف بأجندة السلام, الذي قدمه الى مجلس الامن في سنة 1992 اعتبر الامين العام الاسبق للمنظمة الدكتور بطرس غالي, ان الفقر والفوارق الاجتماعية تعتبر من اهم التحديات التي يواجهها النظام الدولي, وبالرغم من المؤتمرات الضخمة التي عقدتها الامم المتحدة, والمخصصة للسكان وحقوق الانسان, والمرأة والتنمية الاجتماعية الخ.. فإن المقررات الصادرة عنها, رغم الاجماع الذي تحظى به, فإنها غالبا ما تبقى حبرا على ورق. ويعزي ذلك بالاساس الى ان القوى المالكة للامكانيات باتت تتلكأ في القيام بالمجهودات اللازمة من اجل تصحيح الفوارق المتنامية, ومساعدة الدول المحتاجة ارتكازا على برنامج تنموي شامل, بل ادهى من ذلك, فإنه يلاحظ ان اغلب الاستثمارات تتوجه نحو الاسواق التي تعتبر اكثر اغراء من ناحية المردودية. في ظل استمرار وتعاظم التدهور في العلاقات بين الدول, وتأكل فعالية الامم المتحدة, فإنه مع افتتاح كل دورة للجمعية العامة, يبرز من جديد الحديث عن ضرورة اصلاح هياكل نظام الامم المتحدة, وهو ينطلق من معاينة دولية مشتركة مضمنها ان النظام المؤسساتي الدولي الذي نشأ في احضان بروتن وودز, ومخلفات الحرب العالمية الثانية, لم يعد ملائما للتطورات الجديدة التي خضع لها النظام الدولي, سواء فيما يتعلق بهيكله, او فيما يخص موازين القوى, او الاهداف التي تتطلع الامم والشعوب الى تحقيقها, لكن امل بناء نظام مؤسساتي اكثر ديمقراطية, واكثر تعبيرا عن متطلبات المرحلة, ليس بالامر الهين, فمسطريا, وبناء على الفصل 108 من الميثاق, فإنه لا يمكن تعديل هذا الاخير الا بموافقة ثلثي اعضاء الجمعية العامة, من بينهم الاعضاء الدائمين لمجلس الامن, وهو شيء صعب التحقق لاسيما انه ليس هناك توافق بين هذه الدول حول البدائل المقترحة للوضعية الحالية. وفي الواقع لقد راجت عدة مقترحات وافكار حول نوعية التعديل الذي ينبغي ان يخضع له نظام الامم المتحدة, وهي تتمحور حول القضايا التالية: اولا: اعادة النظر في سلطة التقرير داخل المنظمة, وتطرح هذه المسألة فكرتين اساسيتين: تركز الاولى على اعادة تركيب مجلس الامن, من خلال توسيع عضوية الدول المالكة لحق الفيتو, لقد ابرزت النقاشات الرائجة في هذا المجال صعوبة الاتفاق على المعايير التي على ضوئها سيتم انتقاء الدول المرشحة لهذه العضوية. واذا كان المعيار الاقتصادي يسمح لليابان والمانيا من الارتقاء لهذه المكانة, فإن كيفية تمثيلية دول العالم الثالث مازالت لم تجد توافقا حتى بين هذه الدول نفسها, وقد اخفقت مؤتمرات عدم الانحياز في التوصل الى اتفاق في هذا الشأن, وهو امر افضى الى الابقاء على الوضع الراهن, مما يجعل ان مجلس الامن لم يعد يعبر تماما عن كيفية توزيع القوى في النظام الحالي, اما الفكرة الثانية فهي التي لاتقتصر على اعادة تركيب مجلس الامن, بل تدعو الى ضرورة اعادة توزيع الاختصاصات بين مجلس الامن والجمعية العامة اي بصيغة اخرى اقرار توازن جديد يمكن الجمعية العامة من اكتساب سلطات تجعلها في موقع مماثل لموقع مجلس الامن, ويعني هذا تحويل مقرراتها من مجرد توصيات الى قرارات لها صبغة الزامية, واذا كان هذا المقترح يرمي الى دمقرطة الامم المتحدة من خلال اشراك واسع للدول الاعضاء وبالتالي التخفيف من حدة الطابع الاوليغارشي لمجلس الامن, فإن احتمالات تحققه تبدو ضعيفة اعتبارا الى ان الدول الكبرى, ولاسيما الولايات المتحدة لا تنظر بعين الارتياح لمثل هذه التعديلات التي يمكن ان تقلص من نفوذها داخل المنتظم الدولي. ثانيا: اعادة ترتيب اولويات وهواجس المنتظم الدولي, فإذا كانت الحرب الباردة قد فرضت اعطاء الاهمية القصوى لقضايا السلم والامن الدوليين, فإن الحقبة الحالية المتسمة بهيمنة التحديات الاقتصادية والاجتماعية, ولاسيما ما يتعلق بتنامي الفوارق بين الشعوب, يفرض ضرورة انتاج اليات اممية اكثر قدرة على ايجاد الحلول للمعضلات الحالية, وفي هذا الصدد, فقد تم اقتراح انشاء مجلس امن اقتصادي تخول له سلطات فعلية لمواجهة كل ما يدخل في هذا الاطار, ويعني هذا الخيار اعادة النظر في تركيب واختصاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يبدو متجاوزا في الظروف الحالية, ويتطلب هذا الامر اعادة النظر في العلاقات بين الامم المتحدة, وباقي المنظمات او الوكالات المتخصصة, وهو الامر الذي يطرح البعد الثالث في هذا الاصلاح المرتقب. ثالثا: لقد كشفت الازمات الاقتصادية المتعاقبة سواء تلك التي عرفتها الاسواق الآسيوية, او تلك التي مازالت تتخبط فيها روسيا, عن ضعف مراقبة الاليات الاقتصادية العالمية الحالية, ولاسيما ما يتعلق بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي, للتقلبات الاقتصادية, وبحكم التشابك والتداخل المتزايد بين الاقتصاديات العالمية, فإن عدم القدرة على توقع مثل هذه الصدمات, من شأنه ان يجر العالم الى كوارث محققة لذلك فقد ارتفعت اصوات متباينة تدعو الى ضرورة اعادة اصلاح المؤسسات العالمية المكلفة بضبط الاقتصاد العالمي, وترتكز في دعواها على ان تلك المؤسسات التي نشأت في مناخ ما بعد الحرب العالمية الثانية, لم تعد ملائمة للمستجدات الاقتصادية الحالية, وينبغي ان تنصب هذه التعديلات ليس فقط على اعادة النظر في اختيارات ووظائف هذه المؤسسات, بل اكثر من ذلك على نمط اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات, بشكل يقلص من احتكار بعض القوى لسلطة القرار داخلها. لا ريب في ان اقرار مثل هذه الاصلاحات التي يتفق الكل على حيويتها وراهنيتها من شأنه رفع قدرات النظام المؤسساتي العالمي في مواجهة التحديات العالمية, فالحديث عن المصير العالمي المشترك يتطلب اشراك كافة الامم في تقرير هذا المصير, والجمعية العامة للامم المتحدة التي تمثل كافة الدول لايمكن ان تبقى فقط منبرا للخطابات, ومصدرا لتوليد مقررات لا قيمة لها, بل لا مناص من تمكينها من الدور الذي يناسب موقعها دفاعا عن مصداقيتها. الدكتور الحسان بوقنطار, استاذ العلاقات الدولية كلية الحقوق, جامعة محمد الخامس, الرباط, المغرب*