لم يفت الرئيس السوري حافظ الاسد وهو يستنكر مقتل الدبلوماسيين والصحفي الايراني على يد الطالبان ان يتذكر مؤامرة اغراق المنطقة بحرب عبثية في بداية الثمانينات عندما فرضت تلك الحرب على ايران انطلاقا من الحدود الغربية لها مع جارتها العراق في محاولة لتصوير نزاع عربي ــ ايراني مصطنع حاولت بعض الدوائر الاقليمية والدولية رسمه واسقاطه على المنطقة آنذاك. فما كان من الضيف الزائر وهو الدكتور عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة والارشاد الاسلامي الايراني الا ان يتذكر وهو يشكر الموقف السوري الجديد المتضامن مع ايران, أهمية الموقف الذي كانت قد اتخذته القيادة السورية آنذاك بما ساهم بشكل فعال في احباط مؤامرة اذكاء حرب عربية ــ فارسية عبثية وموهومة. من جانبه الرئيس اللبناني الياس الهراوي وهو يستعرض ابعاد المشهد الاقليمي المحيط باغتيال الدبلوماسيين الايرانيين واذ ابدى استنكاره لما وصفه بالعمل اللاانساني والجبان رأى في ان احد ابعاد المخطط الذي يرسم حاليا للمنطقة عبر توتير الحدود الشرقية لايران وتصعيد النزاع معها ومحاولة زجها وتاليا المنطقة من ورائها في حرب مذهبية مع جيرانها بأدوات (طالبانية) قد يكون محاولة امريكية مكشوفة لتخفيف الضغط عن اسرائيل وانقاذها من مأزق الطريق المسدود الذي وصلت اليه في اطار طروحات عملية السلام المزعومة. الموقفان السوري واللبناني الآنفا الذكر ومعهما مواقف عربية اخرى والتي قدرتها القيادة الايرانية كثيرا الا انها لم تكن على ما يبدو كافية في المشهد الشرق اوسطي الجديد بما يجعل المنطقة في مأمن من خطر وقوع حرب مذهبية محتملة. الامر الذي دفع بمساعد وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ان يعلن من الامم المتحدة بأن الموقف العربي والصديق لم يكن بالمستوى المطلوب! الحقيقة ان ما سمعه الوفد الايراني الزائر لسوريا ولبنان قبل ايام من حرص عربي اسلامي مسيحي شامل على ضرورة ابعاد المنطقة من شبح حرب اقليمية جديدة واشادة بالموقف الايراني الحكيم في معالجته للملف (الطالباني) قد يشكل صورة مصغرة عن موقف الدول العربية بأكملها تجاه هذا الحدث, بما يساعد بالتأكيد على نزع الصورة المذهبية التي حاولت بعض الدوائر الاقليمية والدولية كما ذكرنا ان تضفيها على الصراع الذي فجرته ميليشيا الطالبان وتسعى لاذكائه في المنطقة في اطار مخطط اشمل سبقت الاشارة اليه. ولما كان المطلوب هذه المرة حسب رصد محللين سياسيين للموقف الايراني اكثر من مجرد ادانة لعملية مقتل الدبلوماسيين و الصحفي الايراني على يد طالبان حتى لا تقع حربا مفروضة جديدة على المنطقة فقد كانت العيون الايرانية شاخصة على السعودية هذه المرة بانتظار صعود الدخان الابيض المبشر بنزع فتيل الازمة. ولم تتأخر الخطوة السعودية المرتقبة من جانب ايران فجاءت خطوة سحب القائم بأعمال سفارتها من كابول واخراج القائم بالاعمال (الطالباني) من جدة لتقرأ في طهران على انها سحب اعتراف ضمني من جانب الرياض بحكومة الطالبان التي لا تزال ايران تعتبرها غير شرعية ومفروضة على الشعب الافغاني بالقوة. وايا تكن البواعث المحلية او الاقليمية او الدولية التي دفعت الرياض على الاقدام على مثل هذه الخطوة الا انها ستلقى صدى ايجابيا واسعا لدى الدوائر الايرانية الحكومية والشعبية في ايران بما من شأنه نزع اكثر من فتيل للحرب مع الطالبان. يقول محللون سياسيون مطلعون على الملفات الافغانية والخليجية والشرق اوسطية الايرانية بأن الذين راهنوا على نقل التوترات الاقليمية الى الحدود الايرانية الافغانية في محاولة لنصب فخ جديد لدول المنطقة اسمه الصراع الشيعي السني نسوا او تناسوا بأن شعوب المنطقة وقياداتها باتت اكثر رشدا بمراتب ودرجات كثيرة مما كانت عليه في بداية الثمانينات بما يمكنها من منع اندلاع حرب جديدة في المنطقة. ويراهن المحللون السياسيون على ان التعاون الايراني السعودي المتنامي لاسيما في اعقاب انعقاد مؤتمر قمة طهران الاسلامي بامكانه ليس فقط من نزع فتيل الحروب الطائفية والمذهبية على حدود ايران الشرقية بل وايجاد حلول مقبولة النزاعات عديدة اخرى تحمل اخطار اندلاع حروب مشابهة في المنطقة بأسرها. ولا ينسى هؤلاء المحللون ان يذكروا المراهنين على اندلاع مثل تلك الحروب بأن من يقف على سدة الرئاسة في ايران اليوم هو الرئيس محمد خاتمي المعروف عنه باشاعة اساسيات نزع التوتر في العلاقات الايرانية الخارجية ناهيك عن كونه يترأس منظمة المؤتمر الاسلامي الامر الذي يجعله مسؤولا ليس فقط عن المصالح العليا القومية لبلاده بل المؤتمن على المصالح العليا القومية لمختلف اقطار العالم الاسلامي بما فيها المصالح الافغانية. ثمة من يقول بأن الجيش الباكستاني الذي حسم معركة الطالبان من من اجل السيطرة على افغانستان بالكامل بات اليوم هو العامل الرئيسي المتحكم باللعبة في بلاد الافغان, ولما كانت علاقات هذا الجيش معروفة بالاوساط الدولية المروجة لاستمرار الحرب واشاعتها اقليميا فان الامر قد يخرج عن السيطرة السعودية ــ الايرانية! لكن العارفين ببواطن الامور يقولون بأن الباكستان اليوم وفي ظل ما بعد اجواء التجارب النووية لنيودلهي واسلام اباد هي اليوم اكثر ما تكون بحاجة الى الحليف السعودي والصديق الايراني في صراع الارادات الاقليمية والدولية. من هنا يعتقد هؤلاء بأن الطالبان سرعان ما سيتحولون الى عبء ثقيل على اسلام اباد بعد ان بسطوا سيطرتهم الكاملة على افغانستان, لابل ان احتمالات المستقبل تنذر بتحول الطالبان الى عامل استنزاف لا طاقة للباكستانيين على تحمل تبعاته في ظل تنافس اقليمي ستسعى الهند الى ازكائه بدعم روسي بدا واضحا هذه الايام من خلال الانباء التي افادت بارسال موسكو بتقنيات جديدة الى نيودلهي في قطاع صناعة الصواريخ. واذا كان من المحتم القول بأن اسلام اباد لن تذهب بعيدا مع مخطط الطالبان الى خارج الحدود الافغانية في حالة اصرار بعض الدوائر الدولية على المضي باللعبة حتى نهايتها المرسومة لها, فان المتوقع في هذه الحالة ان تنعكس الصورة في الاشهر المقبلة لتنقلب وبالا على الطالبان نفسها, من هنا ليس بعيدا ان ترضخ الطالبان الى بعض شروط الحوار المرتقب ان يطرحها موفد الامين العام للامم المتحدة في محاولة لفك الحصار المضروب عليها داخليا من جانب مختلف الاعراق والطوائف غير البشتونية واقليميا بعد اتخاذ السعودية لخطوتها الاخيرة والتي فهمت بأنها نوع من سحب الاعتراف بحكومتها. واخيرا دوليا بسبب الادانة الدولية لما قامت به من مجازر وارتكاب اعمال تناقض ابسط حقوق الانسان وابسط الاعراف والقوانين الدولية. وحدها واشنطن التي ستبدو عارية اكثر عن ذي قبل في الاسابيع المقبلة وهي تشهد ابتعاد العالم المتزايد عن مخططاتها القاضية بازكاء الفتن والمؤامرات بين دول العالم وشعوبها, فيما ستشعر المنطقة بمزيد من الصلابة ووحدة الموقف والقرار في ظل الاسترشاد بالحكمة وتحكيم العقل الجمعي التضامني في معالجة واحدة من اخطر الملفات وأكثرها سخونة. كاتب ومحلل سياسي ايراني*