أنباء الحشود العسكرية التركية على الحدود مع سوريا مفزعة بكل المقاييس, خاصة ان العلاقات بين البلدين متوترة اصلاً, لأسباب عديدة, تبدأ من قصة المياه وحجبها مروراً بالعلاقات الاستراتيجية التي اقامتها تركيا مع اسرائيل وليس انتهاء باتهامات سوريا بإيواء ودعم حركة المعارض التركي عبدالله أوجلان . ولهذا فالنار قابلة للاشتعال في أي وقت, ولا تحتاج الى مزيد من الزيت, وإنما الى شرارة تشعل فتيلها, ربما كانت هذه في الحشود العسكرية التركية, التي لو صدقت الانباء فإنها تشكل استفزازاً تركياً لا يراعي مصالح بلدان المنطقة ولا المخاطر التي تمر بها ولا علاقات الجوار والإخاء, يحتاج الى قدر كبير من ضبط النفس والتعقل والحكمة في التعامل معه, لمنع المنطقة من الانجرار الى حرب اخرى تفتك بها, تكون فيها اسرائيل, ليس المتفرج الكبير فحسب, بل الرابح الكبير. ولن نعيد ذكريات مريرة الى الاذهان عن حروب المنطقة الهامشية, من حرب العراق وايران الى حرب الكويت, الى ما بينهما من حروب أهلية في لبنان والصومال وغيرهما, دمرت ما دمرت من ثروات ومصالح وعلاقات, وادت الى تأخير مسيرة التنمية سنوات طويلة الى الوراء, فذكرياتها جميعاً لا تزال طازجة وعالقة في النفوس والعقول معاً, دفعت ثمنها الشعوب غالياً مما نأمل أن يكون من ذكريات الماضي, الذي لا عودة اليه, لولا ان شبح الحروب لا يزال يهيمن ويطل من حين الى آخر, وكأن هذه المنطقة لا عمل لها سوى توليد حرب بعد أخرى. فمن شبح حرب يبدو ضئيلاً حالياً بين تركيا وسوريا, الى شبح حرب ايرانية أفغانية يبدو أكثر إطلالاً ووضوحاً, لا مع الحشود الايرانية على حدود أفغانستان وتبادل الاتهامات والتصريحات المضادة فحسب, وإنما مع تصلب الطرف الأفغاني الذي يقود الى مزيد من تدهور العلاقات مع دول المنطقة, بما في ذلك الأطراف المقربة اليه والداعمة له, كالسعودية مثلاً. فليس هناك دولة مثل السعودية قدمت ولا تزال تقدم دعماً مادياً وسياسياً متواصلاً لأفغانستان وحكوماتها المتواصلة منذ سقوط حكم كابول الموالي لموسكو, من حكومة رباني الى حكمتيار وصولاً الى حكومة طالبان, التي كانت السعودية من أوائل الدول التي سارعت للاعتراف بها واضفاء الشرعية عليها. ومع ذلك فالعلاقات بين البلدين توترت مؤخراً ما ادى الى سحب الممثلين في كل منهما بمبادرة من السعودية, التي أغضبها فيما يبدو وعدم احترام حركة طالبان لما التزمت به حيث طالبتها السعودية بتسليم بن لادن الذي اعترف فيما مضى في مؤتمر صحفي عن انفجار الرياض, فكان ان حنث زعيم حركة طالبان بتعهده تسليم المطلوب, ما جعل السعودية على لسان مسؤول فيها تصف الأمر بالحيرة من ان ترى (شيخاً يقسم بالله ويكذب) . وبعيداً عن التفاصيل التي ادت الى تدهور سريع في علاقات السعودية وطالبان, وبعيداً عن المفارقات من نوع اجتماع امريكا وايران على عداء طالبان, مع ما بينهما من خلافات تصل الى العداء, فالواضح ان الحركة (الثورية) غير القادرة على التحول الى الدولة ومؤسساتها وادارة علاقاتها وسياساتها الداخلية والخارجية على هذا الاساس, تدفع المنطقة الى أتون حرب وتوترات نشهد بداياتها ولا يمكن التنبؤ بنهاياتها, فيما يمكن وصفه بالعبث السياسي لا بمصير أفغانستان وحدها, بل بمصير دول الجوار والمنطقة, مما نظن ان دول المنطقة لن تسكت عليه, فالنيران حين تشتعل لا مجال معين ولا حدود لانتشارها.