في غفلة مألوفة من نخبة الأمة الاسلامية وحكوماتها سيشهد شهر اكتوبر المقبل مواصلة وضع بنود (الاتفاق متعدد الاتجاهات للاستثمار) المعروف بالحروف الثلاثة(AMI)وهو الاتفاق الذي يرث كلا من(الجات الاتفاق الضريبي العام حول التجارة)ومنظمة التجارة الدولية وتعتبر الولايات المتحدة هذا الجهاز الدولي الجديد الأداة الأولى والمثلى لتحقيق العولمة, وبالرغم من ان هذه المنظمة الجديدة علقت بفضل مجهود الحكومة الفرنسية التي اشترطت استبعاد المواد الثقافية من الاتفاق (شرائط وكتب وأقراص ومنشورات) فإن واشنطن تصر على توقيع كل الدول عليه وتبنيه, وقد علقت مائة نقابة ومنظمة فرنسية على هذا الاتفاق قائلة بأنه غول يروضه رأس المال العالمي لينقض على المستضعفين واضافت هذه الهيئات قائلة: (انه عوضا عن شعار حرية الشعوب في تقرير مصيرها سنشهد حرية المستثمرين في تقرير مصير الشعوب) . ولكي يفهم غير المتخصصين محتوى وأهداف هذا (الغول) نقول ان غاية الرأس مال العالمي هي حرية التمويل واستثمار الأموال في كل دول العالم دون ضوابط ودون شروط, فحتى شروط الحفاظ على البيئة والطبيعة لم تحظ بالمناقشة مع العلم ان العالم شهد عام 1997 مثلا مجموع استثمارات (دولية) تقدر بثلاثمائة وخمسين مليار دولار, اتجهت 73% منها الى شراء أو ادماج شركات قائمة مما أدى الى تسريح مئات الآلاف من كوادرها وعمالها وخلق معضلات اجتماعية للمجتمعات والحكومات لا تزال تعانيها الى اليوم (اندونيسيا ــ ماليزيا ــ البانيا ــ كوريا الجنوبية ــ فرنسا ...) أما في حالة ادماج الشركات والترفيع من رأس مالها, فإن موت وافلاس الشركات الأخرى المنافسة لها سيكونان محققين على الأمد القريب أو المتوسط, ففي الحالتين اذن هناك خطر ثابت اكيد, سوف لن تقوى اقتصادات العالم على تحمله. هذا وتظل عبارة (متعدد الاتجاهات Multi Lateral) عبارة متناقضة حيث ان بنود المنظمة تضع كل الواجبات على الحكومات وتضع كل الحقوق والتسهيلات لصالح الممولين, فالمنظمة اذن ذات اتجاه واحد لا اتجاهات عديدة, ومطلوب من دساتير الدول وقوانينها الخضوع الكامل لبنود المنظمة بدعوى انها التزام دولي لامحيد عنه. وإذا قلنا ان هذه المنظمة ستترعرع كالغول في غفلة من الأمة الإسلامية, فنحن لا نبالغ لأن نية الدول الرأسمالية القوية تتجه لاقرار ما تسميه (المبادلات الحرة) في العالم لا على صعيد الاقتصاد والتجارة فحسب, بل وأساسا على الصعيد السياسي والثقافي, وعلى أرض الواقع تصوروا رغبة رأس المال الامريكي أو البريطاني أو الياباني في تمويل مشاريع سياحية في بلد مسلم محافظ, لاشك ان ذلك سيكون على حساب تمويل مشاريع زراعية أو تكنولوجية أو صناعية, لأن السياحة قطاع خدمات ومردوده سريع وهو الى ذلك مرتبط بشبكة سياحية عالمية ويحمل معه قافلة لامناص منها من المصائب الوطنية التي ليس أقلها: ــ تشويه السواحل بالبنايات الفندقية العشوائية. ــ استهلاك المياه الصالحة للشرب في المسابح وري حقول الجولف والحدائق, الى جانب رفع أسعار المواد الغذائية المحلية. ــ تحويل تكوين شباب الوطن من المجالات الحيوية في الحاسب الآلي والتكنولوجيا الى مجالات الخدمات الفندقية أو الأشغال الهامشية مثل فتح أبواب الفنادق وبيع بطاقات البريد والسجاجيد إلى آخره. ــ تشويه هوية البلاد المفتوحة للسياحة وتوظيف كل مؤسسات المجتمع لخدمة السياحة عوضا عن العكس. ــ فتح الأبواب للمخابرات العدوة باتاحة حرية الحركة للعملاء والجواسيس تحت غطاء السياحة (تذكروا عملية محاولة اغتيال خالد مشعل). هذه بعض ملامح الخطر الداهم مع العولمة, وهي تذكر بكل آليات استقرار الاستعمار المباشر في أوائل القرن التاسع عشر بداية من 1830 استعمار الجزائر الى التسعينات مع تدخلات جيوش أمريكية وأوروبية تحت شعار العمل الانساني. وإذا تأملنا بعض بنود هذه المنظمة نجد نفس آليات الاستعمار مهذبة ومنها: ــ معاملة الممول الأجنبي بنفس شروط الممول الوطني (مساعدات, اعفاء من الضرائب, اتاحة نفس الفرص إلخ). ــ منح معاملات الدولة الأكثر تميزا للدولة الأكثر تمويلاً, وهو ما يعني أنك مضطر الى ان تعامل الولايات المتحدة كما تعامل دولة عربية أو إسلامية شقيقة. ــ ليس هناك أي ضوابط لتشغيل اليد العاملة المحلية ولا لضرورة نقل التكنولوجيا ولا لضرورة استعمال المواد المصنعة محليا. ــ إجبار الدول على الخصخصة في المجالات التي يمولها رأس المال الأجنبي الى غير هذه الضغوط المسلطة على البلدان المستضعفة والتي لاتهدد اقتصادها فحسب بل وهويتها وسيادتها واستقلالها. وبالتالي: لماذا لاتنسق الدول الاسلامية مواقفها وتحمي مصالحها استعدادا للغول القادم؟ الأمر ممكن وقد شرع فيه طيب الذكر أربكان .. قبل أن يصبح في خبر كان.