يثير حكم النقض بأبوظبي بعدم أحقية الطفل في التعويض عند تعرضه لحادث في حال لم يكن برفقة راشد, كأبيه أو آخر, انتباه الآباء إلى مسؤولياتهم تجاه أطفالهم, فهذه لا تتوقف على إطعامهم وسقيهم واكسائهم وانما تمتد إلى حمايتهم من الأخطار وصون حياتهم . وعلى هذا المبدأ القانوني الفريد ربما تقوم مبادئ مماثلة في ظل تطور الشرائع والقوانين والفتاوى في بلادنا, كأن نصل الى اليوم الذي يتحمل فيه الآباء مسؤوليات مباشرة عن تعرض أولادهم للدهس مثلاً, أو لغيرها من الأخطار, فتوجه المحاكم اليهم تهم الإهمال واللا مبالاة, وربما القتل غير العمد والتسبب في الأضرار, وغير ذلك من أحكام, تذكرنا عمليا بالمسؤوليات التي يحملها المجتمع الغربي للآباء والأمهات, فيعرضهم للمحاكمات والسجن في حال الإخلال بهذه المسؤوليات, بما في ذلك مثلاً ضرب الأولاد إلى حد الإيذاء الجسدي والنفسي. وبمثل الحكم المشار إليه تتحدد المسؤوليات, إذ لا يمكن لوم السائق في حال كان الحادث دهسا مثلاً, على دهسه طفلاً يعبر الشارع من دون مرافق ومن غير حذر, إذا كان هذا السائق ملتزما بالسرعة القانونية وبنظام المرور والسير, وإذا لم يكن متعمدا ارتكاب الحادث وحتى لو لم يكن منتبها, لأن المسؤولية الأولى تقع على عاتق ولي الأمر, الذي ترك طفلاً دون سن الرشد يتصرف من دون قياد ولا إرشاد, وهو من هو في حكم الجاهل. ويبقى تحميل الأهل مسؤولية أولادهم دون سن الرشد ممكنا ومقبولا وفي محله تماما, مقابل المسؤولية تجاه الراشدين من أولادهم, من يتيح لهم عمرهم حرية الانطلاق والحركة, فيتسبب بعضهم في مشكلات وجرائم ومخاطر لأنفسهم كما لغيرهم من الناس, فتكون مسؤولية هؤلاء مشتركة ما بين الأهل أنفسهم والمجتمع بمؤسساته الذي عليه أن يتخذ من الاجراءات والتشريع والوسائل ما يحد من انحرافهم وفي الوقت نفسه يحميهم من المخاطر. نتذكر في هذا السياق الحادث البشع الذي تعرض له باص يقل طالبات, في سابقة خطرة في مجتمعنا, حين تعرض له ثلاثة شبان وأوقفوه وتعرضوا لطالبات فيه بما يخدش الحياء من الفعل وبما يعرض حياتهن للخطر, مما لايمكن تحميل المسؤولية فيه لأولياء الأمور وحدهم, بأكثر من مسؤولية سوء التربية, وهي مسؤولية نسبية, فمن المسؤول إذن؟ وسوف نترك الإجابة للمختصين من رجال أمن وشريعة وقانون وإخصائيين اجتماعيين ومربين وغيرهم, لأنها إجابة تطول وربما لا تصل إلى نتيجة محددة, فمشكلة جنوح الأحداث من المشكلات المحلية العويصة, ويقف وراءها من الأسباب ما يجعل المتهمين فيها كثرة, غير أنها مع ذلك, يمكن حسمها والتقليل من آثارها والحد من مخاطرها, بإجراءات رادعة, وبتضافر جهود المؤسسات المعنية. في هذا السياق, ربما يكون الردع القانوني, من بعد التوعية الاجتماعية, خير وقاية من قنطار علاج, فنذكر فورا بالقانون البريطاني الذي بدأ تطبيقه منذ أمس الأربعاء في كل من انجلترا وويلز, والذي يسمح بحظر تجول الأولاد دون العاشرة من دون رفقة والديهما من الساعة التاسعة مساء إلى السادسة صباحا, مما يعني لا تقليل نسبة المخاطر في جنوح الأحداث وحدها, وإنما خفض نسبة احتمالات الانحراف مستقبلاً. ويبقى القانون البريطاني مجرد مثال لما يمكن اتخاذه من اجراءات ردع, مقابل غيره من اجراءات ربما كان من المناسب التفكير فيها عندنا, لأن ترك انحراف الأحداث يتفاقم من دون وقاية ناجعة, يعني مشكلات أكثر وبنوعية أخطر, فلا نستغرب غدا إذا سمعنا عن اختطاف حافلة مدرسية للبنات بكاملها, لا اعتراضها فحسب.