مذكرات الزعماء: موضوعية الجماعة ونرجسية الفرد،بقلم:محمد الخولي

كتاب(عالم متحول)الذي اصدره في الشهر الحالي كل من الرئيس الامريكي السابق جورج بوش ومستشاره لشؤون الامن القومي برنت سكوكروفت جاء ليفتح او ينكأ جرحا فكريا لا يلبث ان يتجدد في بنية اهتماماتنا العربية الراهنة. واذا كانت (البيان) الغراء قد احسنت صنعا واسدت خدمة صحفية طيبة الى قارئها حين بادرت الى عرض تحليلي مكثف قدمته وسبقت به فور صدور ذلك الكتاب, فان (عالم متحول) يعيد الى بؤرة الاهتمام قضية ما اجدر ان تدور حولها مناقشات المفكرين والمحللين في وطننا العربي, تلك هي قضية: .. المذكرات.. الذكريات.. الشهادات التاريخية التي تصدر عن كبار رجال الاعلام من الساسة والحكام والمسؤولين او من المفكرين والمبدعين على السواء. لقد درجنا خاصة في السنوات الثلاثين الاخيرة على مطالعة كتابات بعضها يمدح وبعضها يقدح, وبعضها يمعن في مدح الذات وتبرير الاخطاء وبعضها يهبط بالنقد الى حد السفالة, ويسدر في النميمة السياسية والاغتياب الفكري الى حد الاستهانة بعقول العباد. اقرأ مثلا كتاب او مذكرات (البحث عن الذات) للرئيس المصري السابق انور السادات وانك واجد في كل سطوره ضمير (أنا) يطل من الحروف ناهيك عما التفت النقاد الذين صبروا على قراءته, من اعادة صياغة احداث رسخت في التاريخ المعاصر او حتى المعاش, وتحوير الوقائع التي تكاد تكون مشتركا مشاعا بين الكثرة الكاثرة من الشهود المعاصرين بل والاحياء, ناهيك عن لوي اعناق الحقائق والثوابت وليس اقلها مثلا ان الذي انشأ وقاد تنظيم الضباط الاحرار في مصر كان انور السادات وليس جمال عبد الناصر, وان السادات هو الذي تكرم يوما بتسليم المفتاح, يقصد مقاليد التنظيم, الى عبد الناصر وكأنه يسلم مفاتيح دكان أو يعيره شقة على قد الحال لزوم الضيافة او التصييف. عمل جماعي مشكور واذا كانت مثل هذه النوعية من الكتب الممعنه في الذات قد اصابتنا بجرح في بنية فكرنا وفيما يمكن ان نخلفه لاجيالنا الطالعة من قيم ومعايير للحكم على الظواهر والاوضاع, فقد جاء كتاب بوش سكوكروفت ليزيد الجرح القديم ايلاما ويقلب الاوجاع. اقرأ مثلا السطر الاول من الكتاب المذكور الذي يقع كما ذكرت البيان في عرضها التحليلي في نحو 600 صفحة (بالضبط 592 صفحة) يقول مفتتح الكتاب تحت عنوان شكر وعرفان مايلي بالحرف: ــ هذا الكتاب محصلة جهود جمة وعمل قام به افراد كثيرون. بعد ذلك يعترف المؤلفان بانهما استهلا الجهد بتصور (ثبت انه موهوم) ان بوسعهما انجاز هذا العمل الكبير وصفا ــ كما قالا ــ وسردا وتحليلا, ولكن ثبت ان الامر يتجاوز قدراتهما بكثير.. ومن ثم كتبا كما سجلا في المقدمة يقولان: .. حينئذ صحنا طلبا للمساعدة وقد لبى صحيتنا فلان الفلاني.. الذي قام بالتنسيق بين المؤلفين ــ الرئيس ومستشاره عبر آلاف الاميال التي تفصلهما واذ تركز جهده على ترويض المشروع واعادة تنظيمه (تأمل دقة المصطلحات!) فقد استعرض آلاف الصناديق الحافلة بالمستندات والوثائق والاوراق (الرسمية طبعا) المودعة في كلية ستيشن في تكساس بانتظار افتتاح مكتبة بوش الرئاسية (التذكارية) وقد نعلن على ذلك كي نشيد بتلك السنة الحميدة التي يتبعها الامريكان, وهم كما لا يخفى على علمك, حديثو عهد بالتاريخ, اي تاريخ اذ تقضي أعرافهم بانشاء مكتبة تذكارية لكل رئيس يحكم في البيت الابيض, على الاقل في العصر الحديث الراهن حيث يودعون في تلك المؤسسة التي تحمل اسم الرئيس كل ما يتعلق بشخصه وعهده وانجازاته وظروف ولايته من مستندات وتذكارات وسير ومؤلفات وملابس وأمتعة وما الى ذلك. الباحث العربي المسكين يجهد الباحث المؤرخ العربي في تدارس حقبة الخمسينات مثلا وخاصة ما يتعلق بالمواجهة بين الزعيم عبد الناصر مثلا وبين ادارة الرئيس الامريكي الاسبق دوايت ايزنهاور مرورا بمعارك الاحلاف ورفض الجانب العربي القواعد العسكرية, ومرحلة حرب السويس (ملابسات العدوان الثلاثي) ومبدأ ايزنهاور حول (الفراغ في الشرق الاوسط) والانزال الذي تم لمشاة الاسطول الامريكي (المارينز) في بيروت لانهاء الحرب الاهلية اللبنانية الاولى والمساعدة على ازاحة الرئيس اللبناني شمعون وتنصيب خلفه اللواء الوطني فؤاد شهاب.. وقد يقاسي الباحث المذكور الامرين بحثا عن وثائق في هذه الحكومة العربية او تلك و.. هيهات.. سيقولون له ان الوثائق ضاعت او اندثرت او تبخرت فإن قال انها موجودة ألقموه الجواب بطير ثوان انها ممنوعة؟.. لماذا يا حضرات؟ لانها تمس الأمن القومي.. الخ.. هنالك يشد باحثنا الرحال الى مكتبة ايزنهاور التذكارية فاذا بالوثائق متاحة وفق قوانين المعلومات التي نظمت مواعيد نشرها وسبل الاطلاع عليها وامكانات نسخها وتصديرها لقاء دراهم معدودات.. وقل الشيء نفسه على مكتبات من جاء من بعد من رؤساء امريكا وصولا الى بوش الذي تنتظر مكتبته آلاف الصناديق من الوثائق الرئاسية الخطيرة التي تودع في مكتبته المرتقبه وتعرض وتستعار وتستفتى وتفيد الناس... كيف لا.. وهي مرتبطة بمرحلة بالغة الخطورة هي مرحلة نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج واضمحلال ومن ثم زوال الاتحاد السوفييتي واستهلال العالم العقد الختامي من هذا القرن العشرين. 27 باحثا للكتاب ثم.. تعال الى وقائع ومراحل تنفيذ كتاب بوش ومستشاره الاثير. لم يقتصر الامر على مجرد الوثائق او المفكرات او المستندات فمن بين مجموعة المعاونين الباحثين الذين يعترف الكتاب بفضلهم ويزجى اليهم الثناء والعرفان (يبلغ عددهم 27 شخصا) يخص المؤلفين بالذكر ريتشارد هاس العضو السابق في مستشارية الأمن القومي بالبيت الابيض وهو بالمناسبة خبير ضليع, كما ذكر الرئيس بوش, بالشرق الاوسط.. لقد تمثل الجهد الذي قام به هاس وزميل له في تلك الزيارات والجلسات المطولة التي قاما بها الى مقر كل من الرئيس والمستشار من اجل مناقشة المادة الاولية الخام لنص الكتاب ومحتواه وايضا من اجل انعاش ذاكرة كل منا بشأن تفاصيل الاحداث, وكما قام كلاهما ــ هاس وزميله ــ بمراجعة مخطوط الكتاب وأشارا على صاحبيه بعدد من التعليقات والمقترحات التي كان لها قيمتها اخيرا تقول مقدمة كتاب الرئيس بوش فيما نراه نوعا من التواضع الذكي والموضوعي ايضا: ــ لقد حصرنا مساهمتنا الفردية في اطار ما شاهده كل منا وما فكر فيه او عايشه على نحو مباشر.. ولسنا (خبراء) ولا علماء في مواضيع الاتحاد السوفييتي او الشرق الاوسط او المانيا ولا نحن ندعي اننا نقدم الكلمة الاخيرة حول الاحداث) . ا. هـ. مذكراتنا وشهادة الموتى قارن ما قد نطالعه في بعض المذكرات الصادرة عن ناس من عندنا وبلغة قومنا ناهيك عن ان يترجم بعضها ايضا الى لغات اخرى, اننا نطالع تواتر الاستشهاد بالأموات الذين لا يوثقون واقعة ولا يشهدون بصحة حادثة ولا يملكون الدفاع عما قد يوجه اليهم من صنوف الافتراء, وعلى مستوى الرؤساء الكبار من حاكمين او متنفذين فالكل يدعي العلم بما قد لا يعلم, ويزعم الاحاطة بما لم يحط به ويتظاهر بانه كان المدافع الاوحد والبطل الاوحد والمتكلم الاوحد.. (ألم نبتل يوما ما بحاكم اتخذ لنفسه, او اتخذت له طعمة المنافقين لقب (الزعيم الاوحد) و.. (كنت وزيرا عند عبد الناصر) .. ثم ماذا؟. و.. انا الذي قبضت على الملك فاروق؟ هكذا عيني عينك, و.. انظروا الى صورتي معه. ها هو نظام الحكم السابق (هكذا) ينحني وهو يسلم علي. وبالمناسبة كانت عبارة نظام الحكم السابق هي التسمية الكودية, والعبارة السرية المرادفة لاسم الرئيس جمال عبد الناصر وقد ورد هذا الهراء بالحرف في كتاب وضعه مهندس مخضرم واتخذ له عنوان (تجربتي) وهو عنوان مأساوي اذ كان يقصد ان يتعلم من هذا السخف ابناء الجيل الجديد, فضلا عما حواه من افتراءات التحامل, فما كان عبد الناصر ينحني لاحد, لم نتحدث عن مذكرات نجيب محفوظ الاخيرة وفيها من التخبط مافيها ولا طبعا عن صنف من المطبوعات التي دمغت بالسوقية والسفالة وصدرت بأجر معلوم باسم سيدة مصرية كان اسمها.. خورشيد, ولا نزيد فما نحب ان يهبط مستوى هذا الحديث. ومذكرات خروشوف ايضا نكتب هذه السطور وبين ايدينا.. من جانب آخر كتاب هو الحلقة الختامية في ثلاثية مذكرات الزعيم السوفييتي الاسبق نيكيتا خروشوف ومرة اخرى, فلن نخوض في محتويات هذا الكتاب الذي نراه هاما ومسليا في آن, وقد صدر عام 1990 في عهد افتتاح جورباتشوف ليكمل الكتابين الاول والثاني من المذكرات وكان قد سبق تهريبهما الى اوروبا خلال سنوات الجمود التي عاشتها موسكو من السبعينات الى التسعينات. الكتاب الثالث ترجم طبعا من الروسية الى الانجليزية بعنوان (حروشوف يتذكر) . وقد نحيل الى مضمونه في سياق مناسب يوما من الأيام خاصة وانه يحتوي على الاسقاطات التي شابت الاشرطة التي سجلها خروشوف اذ ظل عليها على جهاز التسجيل في وجود ابنته الوحيدة (سيرجي) وهذه الاسقاطات كانت حذفا متعمدا اوجبته فيما تحسب, ظروف الاتحاد السوفييتي في فترة النصف الثاني من الستينات, فضلا عن هذه المحذوفات كانت تشمل آراء صريحة يقولها زعيم طعن في السن (خروشوف كان من مواليد ابريل 1894) ومن ثم كان يتحدث بطلاقة ومرارة وانفتاح عن عدد من مشاكل وقضايا العالم التي خبرها وعايش بعضها وشارك في صياغة احداث تعلقت بها.. هكذا جاءت آراؤه في الكتاب الصغير نسبيا الذي حوى وهو عين ما وقع في مثل هذه الايام منذ ربع قرن تماما في أكتوبر 1973 وبعد وفاة خروشوف نفسه في سبتمبر 1971 بنحو سنتين من عمر الزمن. والذي يهمنا في هذا المضمار بالذات من كتاب خروشوف هو تلك المقدمة الضافيه التي صدره بها الصحفي الامريكي (ستروب تالبوت) وهو الآن وكيل وزارة الخارجية الامريكية ولكنه اشتهر بكونه كاتبا كبيرا ومترجما قديرا عن الروسية مما أوصله الى أن يكون رئيس تحرير متجولا لمجلة (تايم) الشهيرة. سنوات من الدرس والتوثيق والذي يهمنا, من بعد في مقدمة الاستاذ تالبوت هو ما اوضحته من جهود مضنيه وحثيثه, من اجل التحقق من موثوقية هذا الجزء الاخير من ثلاثية مذكراته (219 صفحة) ليعوض اسقاطات شرائطه المسجلة ويعرض امام القارىء آراء صريحة وعفوية ايضا عن ستالين وبريجنيف صنيعته الذي انقلب عليه وازاحه عن الحكم عام 1964 وعن بيروقراطية النظام السوفييتي وعن اوضاع الغرب وعن اسرائيل وصراعها مع العرب في اكثر من موضع في كتابه يؤكد الزعيم السوفييتي العجوز ان اسرائيل تستحق الشكر كله من خصومها العرب(!) لماذا؟ لان انتصارها الخاطف عليهم في عام 1967 قد فتح عيون العرب على صور سلبياتهم وثغراتهم وذلك كفيل بأن يدفع العرب الى استجماع اسباب القوة والعزم والاستعداد والتقدم التكنولوجي من اجل هزيمة اسرائيل من مذكرات الزعيم السوفييتي الراحل. وانت تقرأ عن تلك الجهود وقد كانت اكاديمية وعلمية وتقنية في كل حال.. فاذا بك تردد من حيث تدري ولا تدري قولة دارجة تتردد في الاسواق على ألسنة اخوتنا المصريين وهي: (ماكانش حد غلب) بمعنى ان من الأمور ما يستحق ان يولى اكبر قدر من الجدية, وان ليس بالفهلوة ولا بالاعتماد على الذاكرة البشرية وهي مهيضة غير موثوقة ناهيك الحديث المطلق النرجسي عن الذات وافعال الذات وامجاد الذات.. حديثا مرسلا بغير توثيق ولا حجة ولا سلطان مبين, يقول الاستاذ ستروب تالبوت في مقدمته (16 صفحة) ان الشرائط التي تشكل كتاب (خروشوف يتذكر) ظلت مودعة بحوزة مسؤولي مجلة تايم على مدى عشرين سنة 1970 ــ 1990. وكان ان اودعوها بدورهم ــ حفاظا عليها وادراكا لقيمتها لدى مكتب بحوث التاريخ الشفوي ــ لاحظ التسمية ــ ومعهد هاريمان للدراسات المتقدمة عن الاتحاد السوفييتي التابع لجامعة كولومبيا بامريكا حيث كان ارشيف خروشوف يتألف من 80 بكرة شريط و16 شريط كاسيت فضلا عن اكثر من ثلاثة آلاف صفحة مخطوط. مذكرات هتلر المزيفة كانت المشكلة هي الحصول على اول مجلدات المذكرات الثلاثية من عائلة خروشوف مع تأمين افرادها ضد غوائل السلطة السوفييتية آنذاك ولذلك التزم الامريكيون الصمت ازاء طريقة الحصول على تلك الاشرطة, فضلا عن صمت بليغ آخر حول قضية اخرى بذلوا فيها جهودا من أهم ما يكون وهي: .. قضية تحقيق مصداقية المذكرات. كان امامهم سابقة مخزية تمثلت في مذكرات هتلر التي هللت لنشرها مجلة شتيرن الالمانية واتضخ انها مزيفة مما كسر وسط المجلة الكبيرة وافقدها مصداقيتها امام الكافة. ولذلك تجسدت الجهود المطلوبة في اثبات ان القوم بازاء مذكرات حقيقية اصيلة وان صاحب الصوت الذي املاها هو نيكيتا خروشوف الرفيق السوفييتي وزعيم الكرملين السابق. هكذا دعوا بيت خبرة مستقلا من خبراء علم الصوتيات للتحقق من ذلك واجريت تجارب طويلة استندت الى المقارنة العلمية والفنية بين صوت خروشوف كما سبق لتسجيله لدى حضوره دورة الرؤساء التاريخية في سبتمبر 1960 بالأمم المتحدة في نيويورك, وبين صوته على شرائط التسجيل التي املاها في بيته او بالأدق محبسه البيتي. وبمقارنة العينات الصوتية انتهى الخبراء الى أن المتكلم هو حقا خروشوف. وفي عام 1974 نشروا مجلد المذكرات بعد وفاة خروشوف بعنوان (الشهادة الاخيرة) ويومها ازالوا حاجز الصمت الذي كانوا قد التزموه حماية للرجل في حياته من بطش الدولة ومن ثم دعوا فريقا من الخبراء ومنهم متشككون في موثوقية المذكرات, ليجتمعوا في مؤتمر بجامعة كولومبيا حيث استمعوا الى الشرائط وفحصوا مخطوطات تفريغها ودرسوا عينات الاصوات المستخدمة في توثيقها. ورغم اطمئنان المتخصصين والخبراء الى عنصر المصداقية, فان المناطق الرمادية من التشكك مالبثت ان انجابت وزالت كلية وبالتحديد في شهر مايو 1990 عندما نشر (سيرجي) ابن الزعيم السوفييتي الاسبق كتابه بعنوان (خروشوف (يحكي) عن خروشوف) مؤكدا فيه انه عاون والده في تسجيل اشرطة المذكرات ومتذكرا كيف ان اباه كان يشعر بغضب مستاء ازاء زاوية النسيان التي اضطروه اليها, وكيف ان خروشوف عمد الى تسجيل جانبه من الحكاية بحيث تتاح يوما لاي امرىء يرضى او يسمحون له ان يصغي اليها. ارأيت الى كل هذه الجهود من اجل ان تعج المذكرات ــ مذكرات بحق, تضيف الى خبرة الحاضر تجربة الماضي حيث لا فهلوة ولا تلفيق, وحيث النرجسيون يمتنعون به.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات