حديث التغيير الآتي في لبنان مع العهد المقبل, يشغل اليوم وبقوة الدوائر السياسية اللبنانية ويطغى على اهتماماتها جميعا . كلام المسؤولين اللبنانيين عن (التغيير) والنقد الذاتي الذي قام به بعضهم عن دوره في المرحلة السابقة, لم يؤخذا على محمل الجد, بل مال اللبنانيون الى اعتبار ان هناك موسما لمثل هذا الكلام بمناسبة الاستحقاق الرئاسي وان كل مسؤول في النظام السياسي يطمح الى تحسين صورته فضلا عن موقعه. شرارة الاهتمام بــ (التغيير) الذي سوف يحصل انطلقت مع ما نقل على لسان نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام في هذا الاطار. نقل عن خدام قوله: (ان مرحلة لملمة اجزاء الدولة في ما بعد الطائف انتهت, وان مرحلة جديدة مقبلة على التغيير, ولكل مرحلة ناسها) . هكذا اذن, اشتعلت (كلمة السر) التغيير, فماذا عن (التغيير) الذي تنشده سوريا في لبنان, وما هي حاجتها اليه, وما حدوده... ثم ما هو التغيير المطلوب؟ الموقف السوري.. وأي تغيير هو حاجة سورية ملحة؟ من الواضح ان أول ما يعنيه كلام خدام في قوله ان لكل مرحلة (ناسها) , ان تغييرا في اشخاص التركيبة الحاكمة سيحصل, المؤكد ــ على ما يبدو حتى الآن ــ ان تمديدا للرئيس الياس الهراوي لن يحصل ان سوريا تبدو راغبة في مجيء رئيس جديدة للجمهورية اللبنانية. على ان الاشخاص الآخرين الذي سيطاولهم (التغيير) غير واضحين الآن. ففي ظل ما يعلن عن بقاء كل من رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة رفيق الحريري في موقعه, من الممكن افتراض ان تغييرا ما قد يحصل في التركيبة الحكومية المقبلة بعد الاستحقاق الرئاسي. من المعروف هنا, ان سوريا تتولى دور المرجعية الاقليمية عن لبنان وتقوم بــ (رعاية) الوضع اللبناني بموجب تفاهمات اقليمية ــ دولية, فالاتفاق السوري ــ الأمريكي حول لبنان لايزال ساري المفعول وليس هناك ما يشير الى انتفائه, بل على العكس, وقد تعزز الاتفاق السوري ــ الأمريكي مؤخرا بتفاهم سوري ــ فرنسي بعد ان اسقطت فرنسا (شيراك) تحفظات فرنسا (ميتران) عن الدور السوري المرجعي في لبنان, كذلك فإن التفويض العربي لسوريا في لبنان لايزال قائما. معنى ذلك ان لا ضغوط اقليمية ــ دولية تواجه الدور السوري في لبنان, وعليه لا يأتي الكلام السوري عن تغيير ما في لبنان تحت وطأة الضغوط من هذا القبيل, فمازال (الملف) اللبناني مفوضا الى سوريا.. لماذا كلام (التغيير) اذن؟ في الأصل كان اتفاق الطائف أشبه بتسوية خارجية فرضت على لبنان, ونقول انها (خارجية) على الرغم من اقرارها في اجتماع للنواب اللبنانيين في الطائف بالسعودية, ذلك ان النواب الذين أقروها لم يكونوا في واقع الأمر قوة سياسية وازنة في لبنان, إذ انهم لم يشكلوا استقطابا (فوق) قوى الحرب, بل هم اقروها بدعم خارجي عربي ــ دولي كانت هذه التسوية (الخارجية) , اذن لأن اللبنانيين كانوا أعجز عن ايقاف حربهم ذاتيا وبهذا المعنى, اذا شهد لبنان خلال الحرب انكشافا مطردا لــ (داخله) على (الخارج) , فإن الطائف عكس ذروة هذا الانكشاف الذي بلغ حد اضمحلال (الداخل اللبناني) اضمحلالا شبه كامل. ويمكن القول ــ بالمعنى نفسه ــ ان الطائف الذي أوقف الحرب في لبنان وأعاد الأمن اليه, شكل عنوان نزوح مركزه السياسي الى خارجه, وباتت سوريا المرجعية هي المركز السياسي اللبناني, ونتحدث هنا عن عامل (موضوعي) الى هذا الحد أو ذاك) . واذا ما انتقلنا ــ مرة أخرى ــ الى الطائف في المضمون, نجد ان (فلسفته) تفتح الطريق الى تمديد سلطة (الخارج) على (الداخل) . فلسفة الطائف تقول بــ التوازن الطائفي) , و(التوازن الطائفي) استحالة في كل الاحوال... لكن (التوازن الطائفي) الذي لا يتحقق داخليا, قضى بوجود حكم خارجي دائما, والحكم الخارجي هذا كان سوريّا, وهنا عامل (موضوعي) آخر. المقصود قوله في هذا السياق ان لبنان مع الطائف حصل على الأمن, ولكنه دفع اشكالية معمقة داخل ــ خارج من ناحية ودفع عدم استقرار سياسي بدءا من عدم استقرار نظامه السياسي أو صيغته الحاكمة من ناحية ثانية. وكان على سوريا المرجعية المفوضة والحَكَم ان تتدخل بشكل شبه يومي, وثمة من اتهمها بأنها (تنظّم) الخلافات اللبنانية ــ اللبنانية لتأبيد هذه المرجعية ودور الحَكَم. كانت سوريا تتدخل بــ (المفرّق) فيما هي مكلفة برعاية الوضع اللبناني وامساكه, ولا مغالاة في القول ان عدم الاستقرار السياسي هذا كان بمثابة حرب أهلية (باردة) تجري فصولا على مدار السنوات الماضية. يبدو لنا اذن ان الكلام السوري عن (التغيير) في لبنان في المرحلة المقبلة, يعكس رغبة في تأمين قدر من الاستقرار السياسي بدءا من استقرار النظام السياسي في لبنان. الوضع القائم حتى الآن بات عبئا على سوريا على ما يبدو, وسوريا التي تحرص على دور المرجعية, حريصة على البرهنة ان الاستقرار السياسي في لبنان ممكن في ظل رعايتها, ولا داعي للعودة هنا الى حساسية الدور السوري في لبنان بالنسبة لسوريا نفسها, حيث انها تتعامل معه (هذا الدور) بصفته أحد خطوط الدفاع عن سوريا ونظامها ايضا. عدم الاستقرار السياسي أو الاهتراء السياسي أو الصيغة الهشة.. كل ذلك خطير. واذا اضفنا الى (الأزمة السياسية) الأزمة الاجتماعية العاتية, لأمكن لكل منّا تصور ان هناك وضعا لبنانيا مأزوما ومتفجرا, يجري تحميل سوريا مسؤوليته بحكم كونها راعية الوضع اللبناني. الكلام السوري عن (التغيير) في لبنان حقيقي, اذن من زاوية النظر هذه, أي ان ثمة تغييرات تريده سوريا في لبنان, تغيير يؤسس لاستقرار سياسي بدءا من استقرار (من فوق) , من التركيبة السياسية الحاكمة. يبدو اذن ان (التغيير) الذي تريده سوريا, هو ضمان تركيبة سياسية حاكمة منسجمة الى حد معين ويسمح انسجامها بقدر من الاتفاق على أداء السلطات لأدوارها منفصلة. هو (تغيير) على محدوديته, مهم, غير ان هذا (التغيير) في لبنان, هو في الوقت نفسه تغيير في سياسة سوريا اللبنانية, لكن ما هو هذا (التغيير) بكلمات؟ انه انتقال من التعاطي مع الصيغة الحاكمة بــ (المفرّق) الى تعاط معها بــ (الجملة) . انه بكلام أدق. انتقال من التدخل المباشر شبه اليومي للتحكيم في التوازنات الى صيغة لا تجعل سوريا متدخلة بالشكل اليومي المباشر. مرجعية ورعاية اذن, بطريقة أخرى, بواسطة لبنانية أكثر تماسكا.