مع الناس:بقلم- عبدالحميد أحمد

ماذا يستطيع رجل من طراز هيلموت كول, الذي أطاح به الناخبون الألمان من منصب المستشارية, ان يصنع بقية حياته فلا يصاب بالملل والسأم, خاصة انه قضى ستة عشر عاما كاملة يقود ألمانيا من نجاح اقتصادي وسياسي إلى آخر, دون كلل ولا ملل, وكان مستعدا لمزيد من العمل ؟ ولابد ان المستشار السابق ذا الوزن الثقيل الذي لا يشي مظهره بمواصفات الزعامة ومع ذلك حقق من الانجازات ما يعجز عنها غيره من الذين يملكون من مواصفات الزعامة الكثير إلا ان فيهم من لم ينجز لبلده شيئا, لابد أنه بحث مسألة التفرغ والتقاعد القسري مع نفسه وزوجته أولا, ومع أعضاء حزبه الديمقراطي المسيحي, أو مع أصدقاء مقربين, وبحث نوعية العمل السياسي أو غيره الذي يمكن ان يقوم به, لكي لا يقتله الضجر, فلا يحتاج إلى من يفكر عنه بالنيابة أو ينصحه بما ينبغي القيام به. غير ان كول لم يعرف عنه في حياته السياسية العامرة, كما هو ظاهر للعيان على الأقل من سنوات حكمه, مواهب الرؤساء الآخرين, كالمقدرة على الخطابة وجذب الانتباه, لكي يتحول إلى محاضر في جامعة مثلا, أو كاتب سياسي في صحيفة أو كاتب مذكرات, كما فعل غيره من الرؤساء والزعماء فعاشوا على بيع مذكرات أو مقالات أو تحليلات أو محاضرات, ما يجعله مستبعدا من مهنة السياسيين العاطلين عن العمل هذه, فهو آخرمن يصلح لها. وبما ان كول قضى ستة عشر عاما في المستشارية, أكثر من نصفها تلقى فيها ضربات البيض في جولاته السياسية وفي المعارك الانتخابية وبعض الأزمات الداخلية الألمانية, من غاضبين وحانقين على سياساته, ومع ذلك لم يثنه هذا البيض عن تنفيذ هذه السياسات, فإن كول ربما يصلح للعمل مواسيا للمهزومين, من فرق رياضية إلى أحزاب سياسية إلى بلدان وشعوب, تجلبه إليها كنموذج على الصبر وتحمل الإهانات والمرمطة بما في ذلك البيض والطماطم, ما أتوقع له, فيما لو قبل بهذه المهنة, أعمالا كثيرة في الوطن العربي على كل صعيد, ومستقبلا مأمونا بقية العمر مع دخل لا يتوقف. غير ان كول ليس عديم الموهبة إلى الدرجة التي نستورده ليواسينا في هزائمنا السياسية والاقتصادية والرياضية وغيرها, فهو مثلا يمتلك موهبة فذة في الأكل جعلته من أشهر الناس فيها, وجعلت آثارها تبدو واضحة على وزنه وشحمه ولحمه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه, لولا ان هذه الموهبة لا تضمن عملا, إلا إذا كان هناك من يزن على خراب عشه فيشغل المستشار الأكول موظفا عنده, لكي يفلس في أقل من عام, فما الذي يمكن ان يصنع المستشار المتقاعد إذن؟ موهبة الأكل علمت المستشار صنعة الطبخ وممارسة هذه الهواية, حتى أنه كان يتلذذ ويستمتع بقضاء أوقات طويلة في المطبخ يتفنن في صنع الأطباق, خاصة الدسمة منها, ما يمكن مع هذه الموهبة ان يضمن تأليف كتب في الطبخ تتخاطفها السيدات, تحمل عنوان (سلسلة الشيف كول) , معتمدا من بعد علمه الوفير وتجربته الغنية وموهبته في الطبخ, على شكله الملائم والمماثل لكبار الطباخين في العالم. وبما ان منظمة ألمانية أعلنت عن نفسها مؤخرا هي منظمة (العاطلون السعداء) تضم العاطلين عن العمل وتطالب بضمان (حق اللاعمل) لهم دستوريا وتدعوهم إلى التمتع بالكسل, مما يمكن ان نعود إليها في زاوية أخرى, وبما ان هذه المنظمة بأعضائها العاطلين هي من نتاج حقبة كول, فإن أفضل ما يمكن ان يقوم به المستشار هو ان يعمل طباخا عند هذه المنظمة الكسولة, هو يتمتع بالطبخ وهم يتمتعون بالكسل والأكل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات