تصدرت وبدون منازع طوال الأسابيع الأخيرة قضية بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي صفحات الجرائد والنشرات الإخبارية في أجهزة التلفزيون العالمية, وكذلك اهتمامات الرأي العام ليس الأمريكي فحسب وإنما في كل بقعة من بقع المعمورة تقريبا , وحتى تداول رؤساء الدول على منبر هيئة الأمم المتحدة بنيويورك لالقاء خطبهم لم تنل ذات الاهتمام التي نالته قضية مونيكا جيت. القضية هذه الأيام أثارت ضجة كبيرة في أوساط الاكاديميين والإعلاميين والمختصين في أخلاقيات مهنة الصحافة, وفرض سؤال هام نفسه على الجميع: هل القضية تستحق كل هذه التغطية الإعلامية؟ وما هي الفائدة من وراء تقديم كل هذه التفاصيل للرأي العام الأمريكي والعالمي؟ ألم تسيس القضية وتستغل من قبل جهات معينة همها الوحيد هو الإطاحة بالرئيس وليست خدمة الصالح العام وخدمة حق الشعب الأمريكي في المعرفة؟ ألم يتخطى الإعلام الأمريكي حدوده وراح يبحث عن السبق و التباهي بالحرية والديمقراطية وإمكانية مساءلة الرئيس وكشف عيوبه للعام والخاص على الهواء؟ هل التزم الإعلام الأمريكي أخلاقيا بحدوده؟ ألم يستغل ويوظف لتحقيق أغراض أخرى لا علاقة لها بحرية الصحافة والرأي والتقصي والوصول للحقيقة وتقديمها للشعب الأمريكي؟ هل انحرفت صحافة الاستقصاء عن طريقها السليم ووقعت في هفوات وأخطاء؟ ما يجب أن يعرفه الشعب الأمريكي بصفة خاصة والرأي العام العالمي بصفة عامة هو ان الصحافي الذي كان وراء بداية ملاحقة الإعلام الأمريكي للرئيس كلينتون في علاقاته الجنسية المختلفة قد اعترف علانية ان أهدافه في الكشف عن تصرفات الرئيس الغرامية لم تكن بهدف خدمة حرية الصحافة ولا الرأي العام الأمريكي ولا حق الشعب الأمريكي في معرفة الحقيقة, ولا.. ولا.., الأمر بكل بساطة و باعتراف الصحافي نفسه (ديفيد بروك David Brock) والذي اعترف وكشف عن نواياه في رسالة وجهها للرئيس كلينتون ونشرتها مجلة اسكوار Esquire أن نواياه كانت سياسية وكان يريد تحطيم الرئيس لا أكثر ولا أقل. أخلاقيا ما قام به الصحافي بروك يتنافى مع مبادئ مهنة الصحافة وأخلاقياتها كما يتنافى مع المبادئ الحقيقية لصحافة التحقيق التي تهدف أول ما تهدف إليه البحث عن الحقيقة من أجل تنوير الرأي العام وتصحيح الأخطاء التي تنعكس بالسلب على المجتمع. تكشف قضية مونيكا جيت عن افلاس صحافة التحقيق والاستقصاء في الولايات المتحدة الأمريكية وهذا يعني ان أحد روافد الديمقراطية الأمريكية قد انحرف وخرج عن الطريق السليم وخرج عن القيم والمبادئ, المجتمع الأمريكي والديمقراطية الأمريكية يقومان أساسا على ما يسمى بالسلطات المضادة, وأحد أهم هذه السلطات المضادة هو الجهاز الإعلامي الذي يراقب السلطات الثلاث في المجتمع ويعمل بكل مهنية واحترافية على تشكيل الرأي العام وتكوينه ويساعد صاحب القرار في اتخاذ الرأي و الحكم الصحيح والسليم, في قضية مونيكا جيت نلاحظ ان الإعلام الأمريكي قد فشل في لعب دور السلطة المضادة وراح يجري ويلهث وراء تفاصيل الحادثة وتصريحات كنيث ستار بدون التحقق منها والتأكد من صحتها. وهنا يكمن الفرق الشاسع بين واتر جيت ومونيكا جيت, فحسب بوب ودورد في قضية واتر جيت لم يعرف النائب العام الأشخاص الذين كان يستوجبهم الصحافيان, ودورد وبرنشستاين, أما في قضية مونيكا جيت فالقضاة هم الذين كانوا يعطون المعلومات للصحافيين, ويملون عليهم ما يريدون, و هذا يتنافى مع المهنية والاحترافية الإعلامية بحيث ان معظم القضاة والمحقق المستقل كنيث ستار كان شغلهم الشاغل هو تحطيم الرئيس كلينتون بأية طريقة وأية وسيلة, كما ان في قضية واترجيت الكثير من المعلومات والأسرار لم تنشر ولم تقدم للرأي العام. أما في قضية مونيكا جيت فقد وضعت وقدمت كل تفاصيل تقرير المحقق المستقل واستجواب كلينتون نفسه أمام العام والخاص سواء عبر شاشات التلفزيون أو الصحف أو الانترنت. أثارت التغطية الاعلامية لمونيكا جيت ردود أفعال كبيرة في الأوساط الإعلامية الأمريكية حيث أثيرت عدة تساؤلات عن الأبعاد الأخلاقية لتعامل وسائل الإعلام مع القضية مما يجعل مجموعة من الصحافيين, أطلقوا على أنفسهم (لجنة الصحافيين المعنيين) , تراجع وتدقق في أكثر من 1500 تصريح لقنوات التلفزيون والصحف خلال الأيام الستة الأولى لقضية كلينتون ــ لوينسكي للتأكد من صحتها و مصادرها, وكانت النتيجة أنهم وجدوا ان 41% من التصريحات لم تكن قائمة على وقائع وأحداث وإنما كانت مجرد تخمينات وأحكام مسبقة, وان 26% فقط من تلك التصريحات وردت من مصادر معروفة الهوية, وهكذا وجريا وراء السبق الصحفي, والشهرة والمنافسة والتزاما بالوقت تخلت الصحافة الأمريكية عن صفة (السلطة الرابعة) وانجرت وراء المزايدات والمساومات السياسية والمالية. التعامل السيء والرديء للصحافة الأمريكية مع قضية لونسكي أدى إلى عزل وفصل الكثير من الصحافيين الذين غامروا من أجل الشهرة والنجومية ووقعوا أخيرا في أخطاء مهنية وأخلاقية لا تغتفر ومن أمثال هؤلاء الصحافيين ستيفن جلاس ومايك بارنيكل وغيرهم, وهذا ليس بجديد في الأوساط الإعلامية الأمريكية حيث فبرك العديد من الصحافيين, واختلق قصص وحوادث من الخيال للفوز بالجوائز العديدة التي تقدم للصحافيين في نهاية كل سنة, وحادثة جانت كوك وقصتها مع جائزة بوليتزر تعتبر أحسن دليل على ما نقوله. السؤال الذي يفرض نفسه في قضية مونيكا جيت هو مسألة التوقيت, ولماذا بالذات بيل كلينتون حيث ان التقارير المختلفة لمصالح الأمن في البيت الأبيض تؤكد على ان عددا لا بأس به من الرؤساء الأمريكيين قام بعلاقات جنسية غير مشروعة في البيت الأبيض, والعدد هنا يتعدى العشرة ومن أشهر القصص الغرامية في البيت الأبيض قصة الرئيس كيندي مع مارلين مونرو. الأمر لا يتعلق برؤساء أمريكا فقط وإنما في عدد لا يستهان به من دول العالم, وهنا نرى ان صحافة الاستقصاء الأمريكية تخطت حدودها وتخطت الاشارة الحمراء عندما تفننت في تقديم أدق تفاصيل العلاقة بين كلينتون ولوينسكي و استعملت مفردات غريبة عجيبة في لغة الجنس والممارسة الجنسية والعلاقات الغرامية, كما نلاحظ من التغطية الإعلامية لمونيكا جيت ان المحقق المستقل كينث ستار قد تجاوز حدوده وكان شغله الشاغل هو تحطيم الرئيس الديمقراطي وتوفير وتحضير الأرضية الملائمة لانتقام الجمهوريين من كلينتون, وهكذا وقع المحقق المستقل في مراوغات اللوبيهات والتكتلات السياسية والمالية التي لا يهمها من قضية مونيكا جيت سوى مصالحها وأهدافها المباشرة. القضية بكل بساطة إذا تجاوزت حدود حرية الصحافة والسلطة الرابعة والسلطة المضادة و أصبحت مجرد مساومات ومزايدات من أجل تحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن البحث عن الحقيقة وتنوير الرأي العام الأمريكي والدفاع عن المصلحة العامة للمجتمع. على الصعيد المهني والاحترافي أكدت الفنتازيا الإعلامية الأمريكية ان الإعلام الأمريكي يعاني من هفوات ومشاكل ومن تجاوزات أو حفنة من البارونات ورجال الأعمال واللوبيهات توجه وتتحكم في الآلة الإعلامية الأمريكية كما تشاء ووفق مصالحها واستراتيجيتها. على الصعيد الدولي استغلت اسرائيل الفرصة ولم تفوتها واستطاعت ان تبني عددا كبيرا من المستوطنات في غياب رئيس أمريكي قوي متفرغ لشؤونه, مونيكا جيت كشفت عن إفلاس الديمقراطية الأمريكية والآلة الإعلامية الأمريكية التي تتفنن في التحقيق المجهري لغراميات الرئيس لكنها لا تجرؤ على التحقيق في ان المصنع الذي ضربته القنابل الأمريكية في السودان هو مصنع أدوية وليس مصنع مواد كيميائية. مرة أخرى تحاول الآلة الأمريكية عن طريق الفنتازيا إبهار العالم بأنها قادرة على التحقيق مع أقوى رئيس في العالم وأنها تستطيع ان تكشف عيوبه على الهواء للبشرية جمعاء, لكن هذه الآلة لا تستطيع ان تبهرنا وتخفي عنا ان سلطة الإعلام في أمريكا هي سلطة من يملك الوسيلة ومن يملك المال والنفوذ, والديمقراطية في أمريكا هي ديمقراطية الأغنى والأقوى والأكثر نفوذا. فيلم جديد سيضاف لمكتبة هوليود عن غراميات بيل ومونيكا والرابح الكبير في العملية هي مونيكا التي أصبحت عارضة أزياء رغم متانة جسمها فإنها أصبحت تتقاضى مئات الآلاف من الدولارات في ثوان, كما أنها تنتظر عشرات الملايين من الدولارات مقابل نشر حيثيات غرامياتها مع الرئيس. بالنسبة لكلينتون فإن الفنتازيا الإعلامية لم تستطع ان تحطم شعبيته بل انها ساعدته على تحسينها وخير دليل على ذلك هي تلك الدقيقة الذهبية التي وقف طوالها زعماء العالم إجلالا وتحية للرئيس كلينتون بعد خطابه في الأمم المتحدة, الخاسر الكبير في عملية الفنتازيا هذه هو المؤسسة الأمريكية التي خسرت أكثر من 40 مليون دولار مقابل التحقيقات وما انجر عنها, وكذلك المؤسسات الإعلامية والمؤسسات الدستورية الأمريكية التي أصبحت لا حول ولا قوة لها أمام بارونات السياسة والمال والنفوذ.