في الوقت الذي تتراشق فيه السلطة العليا والمؤسسات الدستورية في الولايات المتحدة بالطين وارتال الفضائح, وفي معمعة الفصول المهينة من التحقيقات والتقارير والاشرطة المذاعة على هواء الكرة الارضية مباشرة, تعرض ممارسات وعلاقات الرئيس الامريكي المشينة , في هذا الدوار العالمي جاء دنيس روس ورحل دون ان يشعر به أحد. دنيس روس, المنسق العام الامريكي لعملية السلام, حل ضيفا على المنطقة وسط مراهنات فلسطينية حاسمة بانه جاء حاملا الحل, والانفراج لهذا التأزم الذي تشهده الاراضي المحتلة في ظل سياسات نتانياهو المتصلبة وسياسات عرفات المتخبطة, وغليان الشارع الفلسطيني ونذر تهديدات حماس بعد اغتيال الاخوين عوض الله. طبعا وكالمعتاد فقد جاء روس ورحل دون أن يحرك على وجه الاحداث اثرا ولاخدشا صغيرا فالندوب ملأت وجه دولته ورئيسه لدرجة التشوه. رحل روس بخفي حنين تاركا الشرق الاوسط وعملية السلام بلا تنسيق, فامريكا كلها اليوم بلا تنسيق والبيت الابيض تعمه الفوضى, وهيبة امريكا في الوحل, ولذا فعلى السادة الشركاء في عملية السلام ان يتحملوا مسؤولياتهم لبعض الوقت حتى تنتهي (ماما) امريكا من لم غسيلها القذر المنشور على سطح العالم. رحل روس وهو يعلم ان نتانياهو شريك جدير بالثقة وانه سيتكفل بالسلام كما يجب, لكن عرفات لا يعرف الى اين يذهب, وبمن يستعين فقد حارت القاهرة في الأمر, وانتهى دور الاردن, ودمشق خيار غير وارد امام (ختيار غزة) في كل الاحوال! كما ان كلينتون مقذوف بالطين حتى قمة رأسه, ومادلين اولبرايت تتسكع بدبلوماسيتها العجوز في دهاليز اخرى بين الاكراد تارة والطالبان اخرى وايران والروس. اذن فقضية الشرق الاوسط التي كانت الاولى على قائمة اولويات العالم ماعادت كذلك في الوقت الراهن, لقد نافستها قضايا اخرى اكثر سخونة, وما على اصحاب القضية الشرق اوسطية سوى الجلوس معا على واحدة من طاولات البوكر في كازينو اريحا للقمار, فالتعيس في الحب أو السياسة, محظوظ في اللعب دائما. ولا يعتقد أحد بان عرفات ــ الذي راهن على دور لروس ـ لم يكن يدري بعدم جدوى زيارته, او انه قد خطر على باله ولو للحظة ان روس يمكن ان يقنع نتانياهو بتغيير مواقفه, او ان نتانياهو يمكن ان يخضع لمساومات روس, عرفات يعلم ان نتانياهو وروس يحملان القضية اليهودية بنفس الحماس وعلى طريقة (نكون أو لا نكون) اما عرفات فيحمل قضيته على طريقة امرىء القيس (اليوم خمر وغدا أمر) مراهنا على طول الخط وعرضه على ان 99.9% من اوراق حل القضية بيد امريكا, بينما الحقيقة ان 100% من اوراق القضية صارت في يد.. نتانياهو. نتانياهو مملوء بثقة الاحزاب الدينية المتطرفة داخل اسرائىل, ومدعوم بقوة اللوبي الاخطر في العالم (اللوبي الصهيوني) داخل الولايات المتحدة, وعليه فهو الطرف الاقوى في الصراع, وكل ما يقال ويكتب عنه لن يضره في شيء. كلينتون وامريكا في حالة حرب داخلية قذرة بطلها رئىس مفضوح على رؤوس الاشهاد, ولايهم كثيرا هذا الحديث الذي يملأ الصحف العربية عن وجود مؤامرة اسرائيلية ضد كلينتون, فالرئيس وامريكا يلمعان وجه الديمقراطية لا أكثر, وهو سيبقى على رأس حكمه وسينهي مدة رئاسته في وقتها. يبقى عرفات حائرا لايدري على أية طاولة يضع اوراق قضيته بعد ان زادت الطاولات على عدد المفاوضين .. كان الله في عون الختيار!