ازدادت في هذه الفترة تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو التي يعلن فيها معارضته قيام دولة فلسطينية وتهديده بأن اسرائيل ستقوم بضم اراض فلسطينية في حال اعلن الفلسطينيون قيام دولتهم في الرابع من مايو من العام المقبل, بعد انتهاء المرحلة الانتقالية من التسوية الفلسطينية ــ الاسرائيلية ولم يكتف نتانياهو بذلك ولكنه قال بأن هذا الاعلان يلغي عمليا اتفاق اوسلو ولايقتصر الامر على نتانياهو وحده, فالمسؤولون الاسرائيليون, مثل الوزيرين ارييل شارون, وتساحي هانغبي, وغيرهما يعلنون جهارا نهارا عن معارضتهم لاي اجراء (آحادي الجانب) قد يقدم عليه الفلسطينيون وخاصة معارضتهم اعلان قيام دولة فلسطينية, ويهدد هؤلاء بمعاودة احتلال الاراضي الفلسطينية التي انسحبت اسرائيل منها او فرض الحصار والقيود عليها وضم اجزاء كبيرة من الاراضي الفلسطينية في حال اقدمت السلطة الفلسطينية على خطوة كهذه, والتي يعتبرونها خروجا على اتفاق اوسلو, وانهيارا لعملية السلام! ويحتوي منطق نتانياهو واركان حكومته على قدر كبير من الغطرسة, بقدر احتوائه على تناقضات فالحكومة الاسرائيلية بسياستها المتعنتة هي التي اوصلت الامور الى ما هي عليه من جمود في التسوية مع الفلسطينيين وهي بالتالي المسؤولة عن انهيار عملية المفاوضات وعليه فهي التي تتحمل مسؤولية ضياع الوقت من دون التوصل مع الفلسطينيين الى اتفاق حول مابعد المرحلة الانتقالية, اي بما يخص قضايا المرحلة النهائية: اللاجئين, القدس, المستوطنات, الحدود, الامن, العلاقات, وليس هذا بغريب على حكومة نتانياهو التي لم تتقيد بتنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية, والحكومة الاسرائيلية التي تقوم من جهتها باجراءات آحادية الجانب, بالنسبة لتهويد القدس وتعزيز الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة, ومصادرة الاراضي وشق الطريق الالتفافية, وتقويض امكانيات الفلسطينيين الاقتصادية, تحاول الايحاء بأنها غيورة على اتفاقات اوسلو التي دفنتها منذ زمن, وانها حريصة على السلام الذي تتلاعب به وذلك عندما يتعلق الامر بالفلسطينيين الذين يسعون الى نيل بعض من حقوقهم التاريخية والطبيعية والقانونية في وطنهم. فضلا عن التناقضات فإن المنطق الاسرائيلي يحتوي على قدر كبير من الغطرسة ومن الاستعلاء والاحساس بالجبروت, والحقيقة فإن المنطق الاسرائيلي يستمد سماته هذه من تمتعه بالميزات الهامة التالية: أ ــ وجود حالة من الاجماع الاسرائيلي حول القضايا المطروحة في المفاوضات المتعلقة بقضايا الحل النهائي واذا كانت الساحة السياسية الاسرائيلية شهدت في المرحلة الماضية خلافات حول اتفاق الحكم الذاتي ــ الانتقالي للفلسطينيين فانه من المتوقع ان يحدث عكس ذلك في مفاوضات قضايا الحل النهائي فالقضايا هنا واضحة وليست ملتبسة وبحكم طبيعة المجتمع الاستيطاني الاسرائيلي المصطنع فثمة حاجة ملحة لخلق حالة من الاجماع حول التساؤلات التي تطرحها المفاوضات والتي تتطلب من اسرائيل الاجماع حول التساؤلات التي تطرحها المفاوضات والتي تتطلب من اسرائيل تقديم استحقاقات معينة, فلا الليكود ومعه شركاه في السلطة يستطيعون لوحدهم البت بطبيعة التسوية مع الفلسطينيين ومداها, ولا (العمل) واطراف المعارضة الاخرى (حتى ولو كانوا هم في السلطة) يستطيعون تقرير ذلك, بمعنى انه في عملية تسوية تفترض تحديد حدود اسرائيل الجغرافية والبشرية والسياسية, والامنية, والمائية, وشكل علاقاتها مع الفلسطينيين يجب ايجاد افضل حالة اجماع ممكنة حفاظا على استقرار وتوازن المجتمع الاسرائيلي والدولة الاسرائيلية, وهذا السبب هو الذي يفسر انكفاء المعارضة الاسرائيلية برغم كل المعارضة لسياسات بنيامين نتانياهو وحكومته. ب ــ تخوض اسرائيل عملية التسوية وهي في موقع افضل بالنسبة للطرف الفلسطيني قياسا لموازين القوى بينهما وقياسا للدعم الذي تلقاه من الولايات المتحدة الامريكية, والتي تؤكد مرارا على لسان مسؤوليها بأن اسرائيل لوحدها هي التي تقرر شروط عملية السلام, ورغم ان الطرف الفلسطيني قد اصبح في وضع تفاوضي افضل بالقياس بالسابق واصبح اكثر قدرة على الحركة بعد ان عزز وضعه بشرعية عربية ودولية وبسبب تمتعه بسلطة على نطاق اقليمي, فإنه على رغم هذه الميزات الهامة (في الاطار الصراعي ــ التفاوضي ــ السياسي) لا يستطيع التحكم بشروط ولا بنتائج المفاوضات فإسرائيل هي التي تستطيع فرض ماتريده بسبب الميزات التي تتمتع بها ذاتيا وموضوعيا وهي وحدها التي تقرر, والى حد كبير, ما الذي تريد ان تعطيه وما الذي تمنعه, طالما انه لايوجد من يدوس على طرف اصبع لها!. وعلى العموم فإن اسرائيل عملت بكل جهدها وفي اطار توافق مباشر وغير مباشر بين الحزبين الرئيسيين فيها (العمل والليكود) على تأجيل تنفيذ التعهدات التي التزمت بها بشأن مرحلة الحكم الذاتي ـ الانتقالي, حتى تربط بين هذه المرحلة ومفاوضات المرحلة النهائية, وحتى تستطيع خلق مزيد من الوقائع التي تناسب تصوراتها, وحتى تكون في موقع قوة بالقياس للطرف الفلسطيني المفاوض. ج ــ وتستفيد اسرائيل ايضا من موقف الاطراف الدولية (اوروبا ــ روسيا ــ اليابان) الذين فضلوا الاكتفاء بموقف المراقبة والحياد, والذين تركوا للطرفين المتفاوضين حرية التوصل الى الصيغ التي يرغبون بها, كما تركوا للولايات المتحدة الامريكية (حليفة اسرائيل وضامنة امنها وتفوقها النوعي) رعاية عملية المفاوضات كما تستفيد اسرائيل من تردد الموقف الامريكي وعدم حماس الادارة الامريكية لاخذ الامور بيدها, وحتى انها لم تقم باعلان مبادرتها. د ــ كما تستفيد اسرائيل, من غياب شكل معين للاجماع العربي حول التسوية المفترضة مع الفلسطينيين في هذا الاطار من موازين القوى والشروط القائمة, يضاف الى ذلك تعقيدات الساحة الفلسطينية وتداخلاتها وضعف بنيتها المؤسسية وشكل العلاقات الداخلية التي تسودها والتي تضعف الطرف الفلسطيني والتي توضح الفارق البين في الاستعداد للمفاوضات بين الطرفين لصالح الطرف الاسرائيلي. بالاجمال تلك هي العوامل التي تقوي الموقف الاسرائيلي ومن الصعب تصور تغير هذه المعطيات في المدى المنظور وهذا يعني ان اسرائيل ستستمر على تعنتها ومماطلاتها وهي ستركز في الشهور القليلة المقبلة على نية الفلسطينيين اعلان دولتهم في مايو من العام المقبل, لاشغال العالم بهذه القضية واظهار الفلسطينيين بأنهم سبب تدهور المفاوضات وانهم يقومون بخرق الاتفاقات وفرض وقائع من طرف واحد هذا اضافة للعزف على وتر محاربة (الارهاب) والحقيقة فأن اسرائيل تعرف ان اعلان الدولة الفلسطينية لن يشكل اي تهديد لها كما تعرف انه نتيجة طبيعية لمسار العملية التفاوضية,, هذا فضلا عن ان مسألة الدولة لم تعد في عالمنا المعاصر تعبر عن حالة فعل بقدر انها تعبر عن حالة وجود بحكم مسارات العولمة والتداخل الاقتصادي والاعتمادية وتطور التكنولوجيا ولكن اسرائيل تحاول المبالغة في موقفها من هذا الامر حتى تعفي نفسها من الاستحقاقات المطلوبة منها لتنفيذ المطلوب منها في المرحلة الانتقالية مثل اعادة الانتشار, وعودة النازحين, وتجميد الاستيطان, وفتح المعابر, والسماح بميناء ومطار للفلسطينيين, والافراج عن المعتقلين, كما انها على الاخص تسعى الى صفقة تربط فيها الموافقة على اعلان الدولة بتخلي الفلسطينيين عن حقوقهم في قضايا اللاجئين, القدس , ومساحة الارض, النتيجة التي يمكن التوصل اليها هي ان اسرائيل لاتريد سلاما عادلا ومتوازنا وشاملا, وهي تريد تسوية مرحلية للتكيف مع التطورات الدولية وتطبيع وجودها مع محيطها ولتنمية قدراتها الاقتصادية وتعزيز هيمنتها الامنية والسياسية في المنطقة, هذا هو جوهر السياسة الاسرائيلية الى ان تخلق ظروف جديدة مغايرة, او الى ان يستطيع العرب تعزيز قدراتهم وتضامنهم في مواجهة التحديات الاسرائيلية.