لانه الحاضر الغائب دائما فهو ليس بحاجة الى مناسبة لكي نتحدث عنه, ولانه كان ضمير أمته قبل ان يكون قائدها, فان اعظم مانقدمه له في ذكراه ان نقترب من هموم الامة ونقاتل معاركها, نناقش المشاكل ونبحث عن الحلول , ولا نفقد الامل ابدا في قدرة الامة على اجتياز ازمتها, وفي قدرة الناس على اختيار الصواب, وفي صلابة الامة التي لم تفلح كل هذه السنوات من التآمر والتزييف والتشويه في ان تجبرها على الاستسلام. لهذا كله لن اكتب عن عبدالناصر في ذكراه. وانما سأكتب عن احوال الامة التي احبها واستشهد من اجلها والتي تواجه الآن واحدة من اصعب لحظات تقرير المصير. اكتب هذه الكلمات والانباء تقول ان بحيرة السد العالي على وشك الامتلاء لاول مرة في تاريخها, ليصل ماتحتجزه من مياه الى 160 مليار متر مكعب هي القدرة الاستيعابية الكاملة لبحيرة السد. ومرة اخرى ينقذ السد مصر من اهوال الفيضان المدمر الذي كبد السودان الشقيق هذا العام ابشع الخسائر. ويتحول الفيضان الى احتياطي هائل من المياه يروي الاراضي الجديدة ويمنع المجاعة المائية في سنوات الجفاف. يحدث ذلك وحبر الحملات على بناء السد العالي لم يجف حتى الآن, وحملات التشويه لم تتوقف منذ ان سحبت امريكا عرض تمويل السد في الخمسينات فكان الرد هو استعادة مصر لقناة السويس وبناء السد بأموال مصر وبمساعدة السوفييت. وعلى مدى سنوات عديدة, من تأميم القناة حتى حرب اكتوبر كانت هذه الروح (روح التحدي والثقة بالنفس) هي التي تقود خطانا وهي التي تحقق النصر وتعبر الهزائم, وهي التي تقيم البناء وتصنع المعجزة في كل المجالات. تنشيء القاعدة الصناعية وتنشر العمران وتقاتل ثالوث الجهل والفقر والمرض الذي نما وترعرع في ظل الاستعمار اولا ثم في ظل حكم الاحزاب الفاسدة قبل الثورة. هذه الروح لم تنشأ من فراغ, ولم تكن اجتهادا لفرد مهما علا شأنه, وانما كانت تستند الى ميراث عظيم من النضال الوطني لشعب مصر... قاوم خلاله الغزاة, وتعلم صنع الحضارة وحمايتها وادرك فيها ان امن مصر يبدأ من منابع النيل, ولا ينفصل عن الامة العربية. وهذه الروح التي تحدت وانتصرت وبنت وعمرت لم تستعرها مصر بالامنيات ولا بالدعوات الصالحات, وانما بالعمل الجاد, وبالوحدة الوطنية التي تحققت لان الشعب آمن انه يحارب معاركه لا معارك الباشاوات, وينتصر للفقراء قبل الاغنياء ويقيم العدل لا الامبراطوريات ويوفر التعليم والعلاج ولقمة العيش والحرية للجميع وليس للطبقة التي تعودت على مص دماء الفلاحين واستعباد العمال والاستئثار بالثروة. وفي ظل هذه الروح تحررت اقطار العالم العربي, وارتفعت رايات الوحدة, وبدأت الامة في استرداد وعيها الغائب وثروتها المنهوبة وحريتها الضائعة, وفي ظل هذه الروح قاومت الامة الحرب الشرسة التي قادتها امريكا والغرب لفرض الهيمنة والاحلاف المشبوهة وصمدت الامة وتجاوزت عثراتها وانتصرت على هزائمها حتى كان ما كان في عصر الردة الذي تمتد اثاره الى اليوم والغد. ومن كامب ديفيد الى اوسلو ومن الانفتاح السبهللي الى عصر مملكة مارينا وما تمثله من انقسام المجتمع الى اقلية تملك كل شيء واكثرية لا تملك شيئا ومن التسليم بأن اوراق اللعبة كلها في يد امريكا الى اكتشاف ان امريكا اعطت الاوراق لاسرائيل مع بالغ التحية والاعجاب ومن المقاومة الفلسطينية لاستعادة الارض والحقوق الى التعاون الامني بين السلطة الفلسطينية والعدو الاسرائيلي لضرب المقاومة واجتثاث جذورها ومن الزهو العربي الى ايام الانكسار ومن القمة التي تجتمع في يومين لتنقذ الفلسطينيين من الذبح في الاردن الى القمة التي نتشاور لعقدها منذ سنة ومازالت المشاورات مستمرة لان البعض يخشى من القمة والتزاماتها والبعض يخشى على القمة وخلافاتها والبعض ينتظر التعليمات, والبعض ينتظر الفرج! والصورة تدعو للاسى... في الداخل يدفع الفقراء وحدهم ثمن مايسمونه سياسات الاصلاح الاقتصادي التي تتهاوى في كل مكان... من جنوب آسيا الى روسيا الى امريكا الجنوبية, ومع ذلك مازالوا عندنا يعتبرونها الكتاب المقدس, ويواصلون السير في طريقها وينثرون علينا بركاتها من فساد, وانقسام في المجتمع واستنزاف لقدراته وازدياد في التوترات الاجتماعية التي تكاد تصل الى نقطة الغليان. وفي المنطقة تبلغ العربدة الاسرائيلية مداها, ويبلغ العجز العربي مداه. وبين العربدة هناك والعجز هنا تساق المنطقة الى حيث تريد امريكا لها... كيانات عربية صغيرة ومنفصلة يتحكم فيها تحالف الاسرائيليين والاتراك وتهيمن عليهم الارادة الامريكية... تفرض الحصار على من تريد, وتضرب بطائراتها من لايستسلم, وتستنزف الثروات العربية, وتزرع الفتن الطائفية وتضع امكانياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية من اجل تصفية القضايا العربية لصالح اعداء الامة. الصورة تدعو للاسى - الى الحد الذي تجعل العروبة نفسها محل تساؤل, فنسمع بعد حرب الخليج من يتحدث عن خرافة العروبة - ونسمع الآن الاخ العقيد القذافي ان ليبيا لم تعد عربية وانها ستتجه الى افريقيا, وكأن احدا يمكن ان يستقيل من هويته وكأن العروبة رداء نرتديه حينما نريد ونخلعه حينما نريد! ان الحصاد المر لسنوات التراجع والتردي والصورة البائسة لواقع العجز العربي الذي لن نتجاوزه الا اذا استعدنا انفسنا واستوعبنا دروس مرحلة كان القرار فيها بأيدينا وسلاحنا في صدور اعدائنا, وايماننا بالله والامة لايتزعزع, وهدفنا هو الحرية والعدل, وقتالنا من اجل الحق ننتصر وننهزم ونخطىء ونصحح ولكننا لا نفقد الدرب ولا نتوه في الطريق. اعداؤنا يعرفون ذلك, ولهذا يقاتلون معركتهم بشراسة, ويشوهون كل انجاز للأمة تحت قيادتها التاريخية... فتأميم القناة خطيئة وبناء السد جريمة, واقامة العدل كفر, وحرب الاستنزاف (كلام فارغ) ! انهم يخشون من يوم تثأر فيه الامة لكل مافعلوه بها في سنوات الردة وبعد غياب القائد. والى ان يأتي ذلك اليوم فنحن لا نحتفل بذكرى عبدالناصر... اننا فقط نحمل له اعتذار الامة حتى تعود الى الطريق الذي قادها فيه فانتزعت الفجر بعد ليل طويل. والليل طال... والفجر لابد ان يدق الابواب ليكون اعتذار الامة لجمال عبدالناصر.