استعير عنوان هذا المقال من دراسة للدكتور جود كينج مدير معهد الاقتصاد السياسي لدول شرق آسيا والذي اثار فيه قضية دور الجامعات في التنمية. فالجامعات ليست اماكن للتحصيل العلمي والتدريس والحصول على الشهادات وحسب , وانما هي قبل ذلك قلعة للتميز الفكري, والتراكم العلمي والتكنولوجي والبحثي. والصلة بين الجامعات ومراكز الانتاج والصناعة في الدول المتقدمة وثيقة ومتداخلة. ويترتب على ذلك ان الجامعات هي جزء من اصول ثروة اي شعب او مجتمع, وهي عامل تطور لهذه الثروة, وتجديدها, وزيادتها, وتنميتها. وكانت الجامعات البريطانية هي الرائدة في ذلك المجال في أواخر القرن الثامن عشر.و مع ان معظم الاختراعات التي نهضت عليها الثورة الصناعية لم يقم بها اساتذة جامعات بل قام بها اناس يعملون في حقول الانتاج المختلفة. فقد تم تطوير معظم هذه الاختراعات في داخل الجامعات بحيث اصبحت بريطانيا مع منتصف القرن التاسع عشر ورشة العالم. واصبحت ايضا القوة الاقتصادية العظمى في العلاقات الدولية وقتذاك. وهكذا, فان الجامعات تلعب دورا اقتصاديا هاما سواء في الدول المتقدمة او الدول النامية. ويزداد هذا الدور اهمية في الدول النامية حيث تستطيع الجامعات ان ترتفع بمستوى المعيشة ونوعية الحياة في مجتمعات تلك الدول الى درجة اعلى. ولكن على هذه الدول ان تحدد اولا الاهداف التي ينبغي تحقيقها عن طريق التعليم الجامعي. ويمكن وضع سياسة للتعليم الجامعي تقوم على المقولة التالية: ان الثروة التي تملكها الدول الغنية هي نتيجة لتطبيق العلم والتكنولوجيا في مجال انتاج السلع والخدمات اي ان المعرفة استخدمت اساسا لتحسين عملية الانتاج وتطويره كما ونوعا. والمبادىء التي تقوم عليها هذه المعرفة يمكن تعلمها في الجامعات والمعاهد الفنية ومراكز الابحاث, والامر المؤكد ــ والذي تثبته خبرات الدول الصناعية الجديدة ـ ان المعرفة اللازمة لخلق الثروة في الدول النامية موجودة في الدول المتقدمة الغنية, وان هذه المعرفة نشأت هناك بشكل تدريجي منذ الثورة الصناعية, وادى استخدامها في عملية الانتاج الى قدر كبير من الفاقد بسبب التجربة والخطأ. وان الدول النامية يمكنها ان تتجنب عملية الفاقد تلك لانه ليس عليها اعادة اختراع العجلة من جديد. لذا فهي لاتحتاج الى قرنين من الجهود لكي تتقدم وتتطور. ففي المراحل الاولية يمكن للدول النامية ان ترسل افضل طلابها الى الخارج لاكتساب تلك المعارف, ثم تقوم جامعاتها بعد ذلك بتدريس تلك المعارف والمهارات, ثم تطويرها والاضافة عليها. وتقدم الدول الصناعية البازغة نموذجا للربط بين المعرفة وتراكم الثروة ويظهر بشكل واضح في تايوان التي واجهت مشكلة هجرة العقول منها الى الخارج. ففي الفترة ما بين عامي 1950 و1988 عانت تايوان من هجرة حوالي 110 آلاف من افضل طلابها الى الولايات المتحدة, والذين قام حوالي نصفهم بدراسة العلوم الطبيعية والتطبيقية مثل الطب والهندسة والزراعة, ومكث معظمهم في امريكا بعد تخرجهم, وعملوا في شركات ومؤسسات امريكية. لذلك فمنذ عام 1979, اتبعت الحكومة عددا من الاجراءات الشجاعة لمواجهة هجرة الموهوبين للخارج, وفي خلال احدى عشر عاما نجحت في جذب اكثر من 19 الف منهم للعودة. وفي نفس الوقت توسعت المعاهد التعليمية التايوانية سواء في عدد الطلاب او جودة التدريس. وبحلول عام 1989 كان بها 117 معهدا للهندسة والتعليم الفني تضم حوالي 173 الف طالب. ويمكن ارجاع نجاح تايوان في مجال التكنولوجيا المتقدمة لتلك السياسة التعليمية. وهذا الانجاز الصناعي لم يقم على العمالة الرخيصة ولكن على اكتساب مهارات تطبيق المعرفة المتقدمة. وتقدم كل من هونج كونج وسنغافورة نموذجان مماثلان للنموذج التايواني مع بعض الاختلافات البسيطة, ويمكن القول انه بدون اسهامات الجامعة في تلك المجالات, لتوقفت عملية التنمية في مراحلها الاولى. كما تؤكد خبرة الصين هذه العلاقة بين تراكم الثروة والمعرفة فمنذ عا 1952 تركز الجامعات الصينية على تدريس العلوم الطبيعية وتطبيقاتها وحوالي ثلثي الطلاب في الجامعات الصينية يدرسون تلك العلوم. وفي عام 1990 تخرج حوالي 196 الف مهندس و30 الف عالم طبيعي من معاهدها البالغة 1070 معهدا, وهو يبلغ 20 ضعف العدد في عام 1952. ولكن المشكلة التي تواجهها الصين الان هي انخفاض دخل القائمين بالتدريس مما يقلل من جاذبية هذه المهنة, ويقلل من جودة العناصر التي تقوم بها. والخلاصة ان التنمية الصناعية والتكنولوجية تتطلب تطويرا للجامعات والمعاهد التقنية والفنية القائمة على فهم الانماط المتقدمة من التكنولوجيا وتأهيل الطلاب على التعامل معها وتطويرها. ويزداد هذا الدور مع ادراك الاهمية المتزايدة لدور (المعرفة) (والمعلومات) في التحولات العالمية الراهنة باعتبارها احد ابعاد الثورة العلمية والتكنولوجية التي تجتاح العالم. فالتكنولوجيا في جوهرها هي علم ومعرفة ومعلومات, والآلات ماهي الا التجسيد العملي لتلك المعرفة والمعلومات. واحد محاور الصراع في عالم الغد هو الصراع حول حقوق المعرفة وبراءات الاختراع والحق في تداول المعلومات وتدفقها. لذلك فإن (المعرفة) ستكون هي اعظم رأس مال في القرن الحادي والعشرين, وستكون المعلومات هي عنصر التمييز بين المتقدمين والمتخلفين. وستكون المعرفة والمعلومات هي العنصر الاساسي من عناصر الانتاج في الصناعة الحديثة. فأين جامعاتنا ومدارسنا ومؤسساتنا التعليمية من هذه التطورات؟ عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة*