ا لمواجهة بين المؤرخين الإسرائيليين والمؤرخين الفلسطينيين : سواء اكتشف إسرائيليو اليوم ما حدث في الأمس, أو اعترف اولئك الذين كذبوا بشأن الأحداث التاريخية, أو حاولوا تزويرها, بحقيقة ما ارتكبوا, فإن الأمر بالنسبة إلى مؤرخين فلسطينيين لا يغير شيئاً بالنسبة الى التاريخ بل هو (يعالج مشكلة الإسرائيليين مع التاريخ الإسرائيلي) على حد تعبير المفكر الفلسطيني ابراهيم أبو لغد. ويمكن اعتبار كتاب نور الدين مصالحة أقرب إلى هذا الطرح, رغم كونه فلسطينياً, ويحمل الجنسية الإسرائيلية, ودرس في مدارس اسرائيل وجامعتها العبرية. وبالتحديد فإن الدكتور مصالحة يشرح بالدلائل ان مشروع الاستيطان لم يتوقف منذ قيام الدولة الاسرائيلية ومع ان هناك فروقات في طروحات احزاب العمل والليكود واليسار الليبرالي, واليمين المتطرف مع اختلاف في طريقة التنفيذ الا ان الهدف واحد, وهو اقتلاع الفلسطينيين من ارضهم, ويقرع المؤلف جرس الانذار بما يوحي بأن مصير (فلسطيني اسرائيل) الحاملين لجنسيتها, ليس في مأمن, بحكم ان اليمين المتطرف مازال يداعبه حلم ان تبرز فرصة لطرد قسم منهم وتثبيت يهودية اسرائيل, وهذا يدخل ضمن الاستراتيجية الصهيونية القائلة (مزيد من الاراضي واقل القليل من العرب) . تركزت دراسة مصالحة على تطور مفهوم ترحيل الفلسطينيين (ترانسفير) بين اعوام 1948, 1976, مع عرضها لمقترحات رسمية وغير رسمية برزت بعد حرب 1967, وتتلخص في انه ليس هناك مجال لوجود شعبين في (ارض اسرائيل) , ويعتمد مصالحة على مصادر اولية اسرائيلية, اهمها ارشيف الحكومة الاسرائيلية التي تغطي حقبة ما قبل 1967, مع اشارة ان آلاف الوثائق الحساسة بقيت بعيدا عن متناول الباحثين, كما اعتمد مصالحة على مؤلفات اسرائيلية لكتاب من دعاة (مراجعة التاريخ) مثل بيني موريس وآفي شلايم, فكتب يقول: (ورغم مرور 10 سنوات فقط على نشوء حركة مراجعة التاريخ في اسرائيل, الا انها وضعت اصحاب النظرة التمجيدية لقيام اسرائيل في موقع (الدفاع عن المستحيل) وذلك باعتراف البروفيسور برنارد واسرشتين, رئيس مركز اكسفورد للدراسات اليهودية والعبرية, صحيح انه بعد 1948, اعتقد اغلب قادة اسرائيل ان الاقلية العربية لاتشكل خطرا على كيان الدولة, لكن حصلت عمليات طرد لمجموعات حضرية وريفية وبدوية وذلك حتى 1959, ومنذ منتصف الخمسينيات, تحولت استراتيجية اسرائيل نحو الاقلية العربية من الطرد الجماعي الى الاحتواء السكاني والسيطرة السياسية والحكم العسكري والتمييز العنصري, ومصادرة الاراضي, وابرز الخطط الموضوعة كانت (العملية الليبية) لترتيب هجرة فلسطينيين الى ليبيا واستيطانهم فيها بشكل دائم, وخطة (هافارفريت) لطرد سكان المثلث الذين قدر عددهم آنذاك ب 40 ألف نسمة, وفشلت هذه الخطط بعد افتضاح امرها) . ويقول مصالحة: (ان صعود نتانياهو وتقوية مركزه في السلطة اعادا عقرب الساعة الى الوراء) , لكنه يعود فيقول ان الامور لن تمر بسلام, لان هناك شريحة لا بأس بها لن تصمت في حالة الشروع في الطرد, وهي تشمل الصحافيين اليساريين والاكاديميين والكتاب الذين يطلق عليهم اسم المؤرخين الجدد, فأحد الاكاديميين الاسرائيليين قال: (اذا اقدمت اسرائيل على تنفيذ ما تطالب به حركة كاهانا, فإنها لن تكون دولة ديمقراطية, سواء ايد عملية الطرد غالبية ام اقلية. وبالتأكيد فإن اسرائيل التي تجرؤ على طرد سكانها العرب تكون دولة فاشية حتى لو تمتعت الحكومة بغالبية تدوس على حقوق الانسان) . ويعبر المؤرخ الاكاديمي برنارد فسرشتاين عن خجل ازاء ما تقوم به اسرائيل نحو الفلسطينيين, حين يقول: (اننا في الشتات نشعر بالاعتزاز باسرائيل, ولكن السنين الاخيرة, جعلت اي انسان عنده احساس يشعر بالخجل, ومن اسباب هذا ما كشفه المؤرخون الجدد من كذب, كنا اخبرنا به وقبلناه مثل حمار مطيع, كقضية خروج الفلسطينيين من فلسطين بين الاعوام 1947 ــ 1949, كما اننا لابد ان نشعر بالخجل لعدم مساعدتنا لهم عندما اضطهدوا في الاراضي المحتلة) . تقييم (المؤرخين الجدد) اسرائيليا وفلسطينيا: اكد (المؤرخون الجدد) , او كما يحب البعض ان يطلق عليهم (المؤرخون المراجعون) , ما توصل اليه الباحثون الفلسطينيون والشهادات التي قدموها, حيث اكدوا جميعا ان عملية تهجير الفلسطينيين نتجت عن حملة مدروسة قامت بها المؤسسة الصهيونية للتخلص من العرب بأي طريقة ممكنة. واضافة الى هذه النتائج, فقد حدث تحول في موقف الرأي العام الاسرائيلي, كان من نتائجه الطلب من بعض المؤرخين القاء المحاضرات والحديث امام طلاب المدارس الاسرائيلية التي لاتذكر كتبها المدرسية شيئا عن مأساة الفلسطينيين, مما يعتبر هذا الانفتاح او التغيير في الموقف اشارة الى تحول في النظر الى الماضي وصورة الحاضر, الامر الذي يحتاج منا الى وقفة تقييم وانتباه كبيرين. ويجد الكاتب الاسرائيلي عما نوئيل سيفان صعوبة في اصدار التعميمات في شأن هذه الظاهرة, فيقول: (... فجماعة المؤرخين الجدد الذاتية الاسلوب هذه, ليست متجانسة تماما بعضهم يسند عمله الى جهد ارشيفي صلب (وغالبا الى الوثائق الارشيفية التي تم تحريرها), وآخرون يكتفون باعادة تأويل المعطيات المتوافرة, مستوحين النظريات الجديدة (عن القومية او الكولونيالية مثلا), ومعظم المؤرخين هؤلاء يؤمنون بالبحث عن نمط وضعي للحقيقة التاريخية, فيما اقلية منهم ــ هي الاكثر ضجيجا, ما بعد حداثية, ترى ان حقائق كهذه لا يمكن بلوغها, وكل شيء مجرد سرد تحكمه قيم المؤرخ ومصالحه. مع هذا يبقى هناك شيء واضح: لقد نجح هؤلاء المؤرخون في تغيير مصطلحات النقاش فيما خص التاريخ الصهيوني ــ الاسرائيلي, مركزين على تفحص الاكلاف التي رتبها تنفيذ الحلم الصهيوني, اكان من خلال التهجير القسري للفلسطينيين (كما وثقه موريس على نحو موسع) , او القرار القاطع بمنح الاولوية لبناء وتوطيد الجماعة اليهودية في فلسطين (اليشوف) خلال الحرب الثانية, وليس لمحاولة انقاذ اليهود من انياب آلة الاستئصال النازية, ويمكن للمرء ان يرصد خلف مزاج التنقيب في الروح هذا وعيا نموذجيا في تعبيره عن الاسرائيليين من مواليد ما بعد قيام الدولة ــ وهؤلاء يمثلون الاكثرية الساحقة للمؤرخين الجدد, وربما لقرائهم, وهو وعي يتعامل مع اسرائيل كمعطى, بل معطى راسٍ على اساس صلب, والحال ان التزام هذا الوعي بالدولة ليس مثاليا من النوع الذي عرفه جيل الآباء بحيث كان من الصعب عليهم تفحص ماضي اسرائيل بطريقة موضوعية باردة, فوق هذا, تعلمنا التجربة ان الفن والادب, في مخاطبتهما العواطف, اكثر فعالية بكثير في هذا المجال من المقاربة العقلانية للمؤرخين كائنة ما كانت درجة الجودة في توثيقها, وهذا, ليس للقول ان عمل المؤرخين غير مهم, لان حس مجتمع ما بماضية عنصر حاسم في ما يتعلق بهويته, غير ان المرء يجب ان لا تكون لديه اوهام في صدد الاثر المباشر لكتابة التاريخ حتى لو كانت كتابة جديدة, فقد يتمكن المؤرخون الجدد في آخر المطاف, وبطريقة غير مباشرة ــ عبر التأثير على الانتاج التلفزيوني او الطريقة التي ينشىء فيها السينمائي او الروائي سرده ــ من احداث تأثير اكبر, ثقافي, وربما سياسي. بيد ان هذا مالم يحصل بعد) . ويعتبر المؤرخ الفلسطيني الياس صنبر, ان هناك فروقات بين ما يوصفون بـ (المؤرخين الجدد) , وان الشخصيات مختلفة, فيقول: (انهم لايشكلون تيارا فعليا, والطرف الخارجي هو الذي اعطاهم تسمية مؤرخين جددا) , حيث يعتقد انه ليس هناك عملا منسقا بين ابحاثهم, وتوثيقهم, فيعتبر ان ايلان بابيه ليست لديه ميزة علمية برغم انه (مؤرخ جيد جدا) وهو يتفوق عليهم ليس على المستوى العلمي, لانهم اقوياء علميا واكاديميون حقيقيون, ذلك انه الوحيد الذي يفتح نقاشا مستمرا مع المؤرخين العرب والفلسطينيين في الداخل ويحاول دائما ان يدخل في جدل بناء معهم, كما ان الامر واضح ومحسوم عنده بالنسبة لمرتكب الجريمة, اما بيني موريس فاسرائيلي ويريد ان يوجه كلامه الى الاسرائيليين, امام قاعة ممتلئة بالمستمعين, حيث تعود العصبية القبلية الاسرائيلية الى الواجهة, ونعود نسمع الكلام التالي: صحيح اننا طردناكم, ولكن الامر كان ضروريا, ولم يكن ظالما. يوجد تناقض ضمن العمل ذاته, فصل هذا التناقض, الدكتور والمؤرخ الفلسطيني نور الدين مصالحة في قراءة خاصة: (1948 وما بعد: (اسرائيل والفلسطينيون) فوثيقة بيني موريس, حول (ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) , تحتوي في 90 في المائة منها على الوثائق, اذ يجرد موريس الاحداث الموثقة بأوامر الضباط, وتقارير المعارك وحصار طبريا ومعركة حيفا وصفد وعكا, ويظهر واضحا جدا وجود عملية تفريغ مركزة, ولكن موريس لايعلق ابدا, وفي 90 في المائة فقط يروي, وعندما يصل الى الخاتمة يقول ان مصادفة تاريخية حدثت لم تكن في الذهن ولا في النوايا. وهذا, ما اكده المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد حول التناقض العميق عند هؤلاء المؤرخين وصل الى حد وصفها بـ (الشيزوفرينيا) فيقول: (... لكن الغريب ان موريس يبدو في نهاية كتابه عازفا عن استخلاص النتيجة البديهية لابحاثه, اذ يقول ان رحيل الفلسطينيين كان في جزء منه من عمل القوات الصهيونية, فيما كان الجزء الثاني بسبب الحرب) . خلاصة: من المؤكد ان الاهمية الكبيرة اليوم للمؤرخين الاسرائيليين الجدد, هي انهم اكدوا ما قال به الفلسطينيون دوما, المؤرخون منهم وغير المؤرخين, عما حصل لنا كشعب فلسطيني على ايدي اسرائيل ومؤسساتها العسكرية والارهابية وهم قاموا بذلك بالطبع كاسرائيليين تكلموا باسم ضمير شعبهم ومجتمعهم! وعلى المستوى الفلسطيني, يجري نقاش ونقاش مضاد معهم وهذا النقاش يدور بين مؤرخين مهتمين بمراجعة التاريخ يظهر نوعا من الوعي والضمير, وربما يكون هذا نتيجة سياسة اسرائيلية سائدة ومتمترسة وراء ادعاءات كاذبة ومضللة, وفي جزء من هذه النتيجة هناك مقاومة فلسطينية واعية ان كانت على مستوى المقاومة الشعبية المستمرة, او على مستوى الطاقة الفكرية والتأريخية للمؤرخين والكتاب الفلسطينيين الذين لايهدأون عن الجدل في مراحل الصراع الجوهرية, وخاصة الصراع الاسرائيلي ــ الفلسطيني, فحياتنا اليومية متعلقة كليا بهذه المرحلة وكل الذي حصل وما يحصل مرتبط بها: اضطهاد, ظلم, منفى.. لاشك ان هناك حاجة حقيقية وملحة من اجل تخليص انفسنا من التحامل العنصري, ودفن الرأس في الرمل والبدء من الآن بالعمل لاسترجاع الماء الصافي والنقي (المعلومات والمعرفة), لسقاية الصورة البهية (فلسطين) وللحديث في هذا الموضوع اكثر من بقية. كاتب وباحث سياسي*