يواجه العالم الإسلامي بصفة عامة ــ باعتبار ان معظم دوله من العالم النامي ـ والعالم العربي بصفة خاصة عددا من التحديات الخطيرة بسبب فرض نظام العولمة منها: التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وسوف نحاول ان نشير إلى بعض هذه التحديات فيما يأتي : التحديات الاقتصادية: عولمة الاقتصاد تعني اسقاط كل الحواجز والحدود والخطط والتوجيهات الدولية أمام حركة رأس المال دخولا وخروجا واستثمارا, وهذا ما عبر عنه (روجيه جارودي) بوحدانية السوق, أي ان السوق في ظل العولمة سيكون هو الإله الجديد المتوحد بالتصرف في كل شيء, وهو الذي سيحدد كل شيء دون خضوع لخطة أو سلطة. ومع ان (آدم سميث) واضع أسس النظام الرأسمالي الحر بمبدأه الشهير (دعه يعمل دعه يمر) كان يقصد من وراء هذا المبدأ اتاحة الفرصة لجميع الأفراد في ممارسة هذه الحرية, إلا انه نسي ان كفالة الحريات لكل الأفراد لا تعني بالضرورة قدرتهم المتساوية على التمتع بهاــ وفي حالتنا هذه لن يستفيد من حرية السوق سوى الأغنياء وأما الفقراء فلن يتمكنوا من الاستفادة منها, بل قد يضاروا بسببها. ومع كل ذلك , فقد حذر سميث من خطورة انعدام الخطة والتوجيه, وكأنه كان يتنبأ بما سوف تحدثه العولمة من خلل اقتصادي, حيث قال: (ان الخطوط الكبرى لعالم الاقتصاد الحالي قد وضعت ليس تبعا لخطة جامعة خرجت من رأس أحد الاقتصاديين ثم نفذت ادرايا من جانب مجتمع ذكي بل بناء على تراكم خطوط لا تحصى رسمها حشد من الأفراد الخاضعين لقوى غريزية لا تملك أي فكرة عن الهدف الذي يجب تحقيقه. وأما العولمة فهي مجموعة نشاطات لعدد كبير من الرأسماليين لا يعرف الواحد منهم الآخر ولا تربطهم إلا المصالح والربح من التجارة في أي شيء حتى ولو كانت هي دماء البشر, بل تعتمد العولمة ــ أكثر ما تعتمد ــ على المضاربات في أسعار المواد الخام أو العملات التي يربح فيها المرء أكثر من أربعين مرة مما يربحه لو وظف نشاطاته المالية في قطاعي الانتاج والخدمات مع ان المجتمع في أمس الحاجة إلى مثل هذه النشاطات, فهناك ألف مليار دولار تنتقل حول العالم يوميا بحثا عن أكبر عائد. ولهذا سوف تؤدي العولمة إلى الآثار السلبية التالية: 1 ــ تمركز الثروة العالمية في يد عدد قليل من البلدان الغنية ولذلك قال (جيمس جوستاف) رئيس برنامج الأمم المتحدة للتنمية ومن خلال حديثه لصحيفة لوموند خلال العام 1996: ان الهوة بين الشمال والجنوب تتفاقم تدريجيا وان عولمة الاقتصاد سوف تؤدي إلى تمركز الثروة العالمية كلها في خمسة عشر بلدا, وان الدخل الفردي لأكثر من مائة بلد في انخفاض مستمر. يقول الدكتورعابد الجابري: ان خمس دول هي أمريكا واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا تتوزع فيما بينها 172 شركة من أصل 200 من أكبر الشركات العالمية العملاقة التي تسيطر على عمليات الاقتصاد العالمي. وفي تقرير للأمم المتحدة ان 358 شخصا من كبار الأثرياء في العالم يساوي حجم مصادر ثروتهم النقدية حجم المصادر التي يعيش منها ملياران وثلاثمائة مليون شخص من فقراء العالم. 2 ــ وسوف تؤدي العولمة إلى مزيد من الاستنزاف في السنوات القليلة المقبلة, فقد أشار تقرير منظمة العمل العربية إلى ان الأرباح المتوقعة من اتفاقية الجات قد تصل إلى 200 مليار دولار لن يحصل العالم العربي منها سوى على نسبة 1%, في حين تتحصل المجموعة الأوروبية على 16.3 مليار دولار وأمريكا ستحصل على 36 ونصف مليار دولار والجمهوريات الروسية على 31 مليار واليابان على 27 مليار وباقي دول العالم سوف تقتسم ما تبقى. ومعنى ذلك ان العولمة ستؤدي إلى خلل حتمي في توزيع الثروة بين الدول الكبرى والدول الصغرى. 3 ــ كذلك ستؤدي العولمة إلى القضاء على أي نظرية اقتصادية أخرى وخصوصا الاقتصاد الاسلامي الذي بدأ يتأهل مع ظهور البنوك الإسلامية, وشركات الاستثمار الإسلامية, وغيرها من المؤسسات التي حاولت ان تبرز إلى أرض الواقع معالم الاقتصاد الإسلامي, وربما تجبر هذه البنوك على الاندماج في البنوك الربوية. التحديات الاجتماعية كما ستؤدي العولمة في المجال الاقتصادي إلى سوء في توزيع الثروة على المستوى الدولي وستؤدي أيضا إلى نفس الظاهرة على مستوى المجتمع الداخلي, فسوف تخلق العولمة مجتمعا غليظ القلب لا يحكمه سوى المادة والربح وقوى السوق, وهذا ما يؤدي إلى تعميق الفجوة بين قمة الهرم الاجتماعي وقاعدته, حيث سيصبح مجمل النشاط الاقتصادي مسخرا لهؤلاء الذين يملكون قوة شرائية كبيرة. كذلك ستؤدي العولمة في المجال الاجتماعي إلى الظلم الاجتماعي لطبقة العمال بسبب البطالة لأن العولمة تقوم على قاعدة (انتاج أكثر ما يمكن من السلع والخدمات بأقل ما يمكن من العمال), وهذا ما يؤدي حتما إلى تفاقم ظاهرة البطالة وهذا ما حدث بالفعل في الشركات التي خضعت للخصخصة في مصر حيث استغنى الرأسماليون الجدد عن عشرات الآلاف من العمال الذين أحيلوا إلى المعاش المبكر. وعلى المستوى العالمي قامت 500 شركة عالمية بتسريح 400 ألف عامل لكي يربح كل مساهم في هذه الشركات خمسة ملايين دولار وترتفع اسهمهم بنسبة9%. وسوف تؤدي ظاهرة البطالة إلى تفشي كثير من الظواهر السلبية ومنها الحقد وتفكك المجتمع, وانعدام التكافل الاجتماعي , بل تهديد السلام الاجتماعي, انه منطق المنافسة الذي ستفرضه العولمة, ان الرأسمال هنا هو الذي يتحكم وليست سلطة الدولة التي كانت تقوم في الماضي بعملية التوازن الاجتماعي وعملية المواءمة بين مصلحة العمال ومصلحة الشركات, وكيف يكون للدولة دور في عصر العولمة وقد انتزعت ملكيتها وانتقلت إلى الخواص وهم ليسوا بالضرورة من أبناء الوطن ــ إذا لهان الأمر ــ بل هم ولابد ان يكونوا من أصحاب الرأسمال العالمي الذي لا وطن له, وسوف تتحول الدولة إلى مجرد شرطي يحافظ على الأمن لمصلحة الفاتحين الجدد من الرأسماليين اليهود والأمريكان والأوروبيين. وهذا ما يستلزم منا تقوية دور الدولة والأمة حتى تقوم الدولة بدورها في الرعاية الاجتماعية وإلا ستحدث الاضطرابات والثورات الشعبية التي لن ينجو من غضبتها أحد لا الحكام ولا الرأسماليون. ولقد قامت مجلة (فورين أفيرز) الدورية الأمريكية بنقد حاد لنظرية العولمة وحذرت من نشوب ثورة اجتماعية عالمية حيث قالت : (ان النظام الاقتصادي العالمي الجديد يترك وراءه الملايين من العمال الساخطين ومعدلات خطرة من حالات اللامساواة والبطالة والفقر المستوطن هذا بالإضافة إلى ان الدولة ــ الأمة ــ تتخلى عن مواطنيها في اللحظات التي يحتاجونها فيها كحاجز بينهم وبين عولمة متوحشة) . التحديات الثقافية والحضارية الثقافة كلمة شاملة لكل المعارف التي تتعلق بروح الإنسان وعقله وكيانه من علوم دينية وفلسفية واجتماعية ونفسية وسلوكية أو هي المفهوم الشامل المعبر عن نظرة الفرد للإنسان والكون والإله وللآخرين من حوله, ولنمط الحياة والسلوك والعلاقة الدين والدولة والقيم ولذلك فالثقافة تختلف طبيعتها من حضارة لأخرى حيث نجد لكل حضارة خصوصيتها الثقافية التي تحدد هويتها سواء من حيث مصدرها ومنبعها أو من حيث غايتها وهدفها. ولكن العولمة تريد ان تصهر كل الثقافات الموجودة في ثقافة واحدة هي الثقافة الغربية أو الثقافة الأمريكية التي تعني العولمة عندها فرض منظومتها الثقافية والحضارية, وجعل النموذج الأمريكي هو النموذج العالمي وهذا ما يعني اذابة الهوية الحضارية للشعوب الأخرى, مستغلة في ذلك التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات وما ترسله إلينا عبر الفضائيات من سيل جارف من المواد الاعلامية والتي يعبر عنها الدكتور مصطفى محمود بقوله: (وما هذه العولمة الثقافية سوى العلف الثقافي الرديء الذي يلقي به الاعلاميون الكبار إلينا, وهذه العولمة هي الاسم الجديد للاستعمار المهين وغسيل المخ المتواصل الذي كتب علينا ان نعيش فيه) . وتمثل العولمة الثقافية خطرا على الثقافة الانسانية عموما فالحضارات الانسانية لم تتطور إلا بفعل تنوع الثقافات, ولذلك حينما تريد مجموعة معينة من البشر ان تفرض ثقافتها على سائر الأمم الانسانية, فإنها بذلك تريد ان تجعل من بقية الشعوب أشباه آدميين, وهذا ما يتناقض مع خصائص الإنسان كمفكر وكمبدع, فلا يمكن ان تكون العولمة بديلا عن الخصوصية الحضارية. إلا ان المشاهد اليوم ان عولمة وسائل الإعلام تسير في اتجاه تفريغ العالم من الهوية الوطنية والقومية والدينية, ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة البسيطة, فمن المعلوم ان اللغة تعد من أهم أسس الحفاظ على الهوية والقومية, ويوجد في العالم اليوم 6000 لغة ولكننا نلاحظ ان 90% من برامج الانترنت تبث بالانجليزية وهذا يحمل معه خطورة تهميش اللغات الأخرى وخصوصا اللغة العربية. ومثال آخر مما يبث عبر شبكات التلفزة الأجنبية من أفلام جنسية, ومواد إعلامية تروج للفاحشة والرذيلة, فإنه يشكل خطرا على الدين باعتباره العنصر الأساسي في البناء القومي. ومثال ثالث من محاولة أمريكا تحت مظلة الأمم المتحدة ان تفرض على العالم قيم المجتمع الغربي الهابطة في مجال الأسرة والمرأة من خلال مؤتمري القاهرة للسكان وبكين. تلك هي أهم التحديات التي تواجه العالم اليوم من نظرية العولمة التي تريدها أمريكا ومعها الغرب النصراني, ويدعو إليها أناس من أبنائنا فقدوا أي انتماء للعروبة أو الإسلام. استاذ العقيدة والتيارات المعاصرة بجامعة الامارات*