يؤكد المراقبون لتطور الصراع في افغانستان وموقف ايران من هذا الصراع ان الخلاف بين طهران وحركة طالبان ليس وليد الاحداث الاخيرة المتمثلة في مقتل عدد من الدبلوماسيين الايرانيين في مدينة مزار الشريف الافغانية على ايدي قوات حركة طالبان وانما له عوامله الاشمل من ذلك بكثير. ويمكن تحديد هذه العوامل المؤدية الى تصعيد الصراع بين ايران وحركة طالبان في ثلاثة عوامل اساسية هي العوامل المذهبية, والعوامل السياسية والعوامل الاقتصادية. أولا: العوامل المذهبية: فهناك اختلاف مذهبي بين حركة طالبان ذات المذهب السني وايران ذات المذهب الشيعي. ولقد دعمت ايران حزب الوحدة الشيعي الافغاني وأمدته بالأسلحة لمناهضة حركة طالبان والحيلولة دون بسط سيطرتها على انحاء افغانستان. وتتبادل كل من طالبان وايران الاتهامات بالانحراف عن مبادىء الاسلام الصحيح. وللاسف فان طالبان التي حققت تقدما مذهلا في السيطرة على افغانستان في فترة قصيرة لم تظهر اي مواهب سوى قدرتها على محاربة خصومها وذبحهم. وقدمت صورة سيئة للعالم عن الاسلام بقرارات غريبة من طراز منع الاناث من التعليم واصدار قرارات حول المواصفات القياسية لطول اللحية وحرق التلفزيونات. وإذا كان كثيرون يأملون في ان تتمكن ايران من ضبط نفسها ولا تندفع في عمل عسكري قد يتسع نطاقه ويشمل آخرين مستقبلا فان الانصات يقتضي القول ان استفزازات طالبان لايران غير مبررة. فقتل الدبلوماسيين الايرانيين هو خارج اي عرف او قانون دولي وليس من الاسلام في شيء. اما اذ اصبحت التقارير عن مذابح ارتكبتها قوات طالبان ضد المدنيين العزل من (الهزارا) او شيعة أفغانستان في مدينة مزار الشريف او باميان التي استولت عليها اخيرا فان المسؤولين عن ذلك يستحقون أن يقدموا الى محكمة جرائم الحرب بتهمة التطهير العرقي مثلهم في ذلك مثل مجرمي الحرب في البوسنة وكوسوفو. وقد كان الاسلوب الامثل بعد اكتشاف مقتل الدبلوماسيين الايرانيين والذين قد يكون خطأ من قوات غير منضبطة هو تقديم اعتذار رسمي الى طهران وابداء حسن النية وهو ما كان سيجعل العالم يتفهم ان هناك قوة رشيدة تحاول السيطرة على البلاد, وقد تفلت منها بعض الامور ولكن لديها احساس بالمسؤولية, ولكن هذا لم يحدث للاسف مما زاد من غضب المسؤولين في طهران. ثانيا: العوامل السياسية: فلا يمكن اغفال العوامل الاستراتيجية في حسابات السياسة الايرانية, فايران تسعى الى لعب دور اقليمي, وترى في افغانستان مجالا للنفوذ, ولها مطالب اقليمية في ولايات غرب افغانستان, وقد عملت ايران على اسقاط النظام الشيوعي في كابول وذلك بتكوين تجمع من الاحزاب الشيعية يمكن عن طريقه مشاركتها الحكم في افغانستان ان تمثل خط الدفاع الاول عن المصالح الايرانية في افغانستان ومع انهيار الاتحاد السوفييتي تسعى ايران الى التغلغل في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز خاصة تلك الجمهوريات التي تشترك معها بروابط العرق والدين والتاريخ. فالعنصر الطاجيكي في جمهورية طاجيكستان ذو اصول فارسية كما ان بعض جمهوريات آسيا الوسطى تحوي اغلبية شيعية كاذربيجان, حيث تسعى السياسة الايرانية الى احياء وبعث النفود الايراني عن طريق اتباع سياسات نشطة براجماتية تسعى الى ربط هذه المنطقة بها وتكوين كومنولث اسلامي تكون ايران هي مركز التأثير والنفوذ فيه. ومع حالة العزلة المفروضة على ايران تمثل افغانستان قيمة عليا في الاستراتيجية الايرانية. وبحسابات الاستراتيجية فان سيطرة طالبان المدعومة من باكستان على اكثر من 90% من افغانستان ودخولها معقل المعارضة في مزار الشريف يشكلان هزيمة كبيرة لطموحات ايران في لعب دور اقليمي مهم يخدم مصالحها في منطقة آسيا الوسطى لان هزيمة انصارها من (الهازارا) او شيعة افغانستان ووقوفها لا حول لها ولا قوة يظهرانها بمظهر الضعيف امام القوى الاقليمية المنافسة لها خاصة تركيا وباكستان. في الوقت ذاته فانه من السهل ملاحظة الشعور بالقلق في ايران من ان يكون ما يحدث هو جزء من خطة اوسع كعزلها. يضاف الى العوامل السياسية سيطرة المتشددين على القوات المسلحة الايرانية وهم الذين يريدون استغلال انتصارات طالبان لتقوية نفوذهم. فقد حول مرشد الثورة آية الله خامنئي القائد الاعلى للقوات المسلحة المسألة الداخلية الافغانية الى قضية سيادة وطنية ايرانية مستثيراً حدة مشاعر الرأي العام الايراني, ويبدو انه قرر عن عمد تصعيد التوتر مع افغانستان بعد ان اعلن ان المنطقة على حافة صراع كبير اذا لم يتراجع طالبان كما ابلغ خامنئي قادة الحرس الثوري الايراني بأن عليهم وعلى قادة المؤسسة العسكرية النظامية تنفيذ اوامر القيادة السياسية بسرعة وحسم في كل ما يتعلق بافغانستان وعلى الفور تم حشد نحو مائتي الف جندي على الحدود مع افغانستان واعلن عن البدء في اجراء مناورات عسكرية تمهيدا للتدخل في افغانستان. امام هذا التصعيد تدخل المعتدلون في ايران لكبح جماح المتشددين فما كان من المدعي العام الا ان امر باغلاق صحيفة (الحقيقة) المؤيدة للرئيس محمد خاتمي لانها دعت الى الاحتكام الى العقل قبل الاقدام على مثل هذه المخاطرة. ثالثا: العوامل الاقتصادية: فهناك من يشم رائحة النفط والغاز في هذا الصراع ويضعه في اطار السباق الدائر على نفط بحر قزوين وعلى خطوط تصدير النفط والغاز. وليس سرا ان هناك تنافسا شديدا حول خمسة خطوط مقترحة مفترضة لنقل النفط والغاز من جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة, فتركيا تسعى لأن تكون هي الممر وايران تطمح للأمر نفسه, وباكستان تضع آمالها على اقتراح الخط الذي يمر عبر افغانستان ثم اراضيها, وروسيا ايضا تعمل لكي يكون خط التصدير عبر اراضيها وايران لا تريد ان تجد نفسها بعيدة عن اي ترتيبات بشأن الوضع الافغاني حيث ان هذا الوضع من غير تفاهم مع ايران قد يعني في نظر طهران اضعاف منافستها في طروحات خط الانابيب. عوامل التهدئة اذا كانت المتغيرات السابقة تدفع كلا من ايران وحركة طالبان الى المواجهة فان هناك متغيرات اخرى تدفع في اتجاه التهدئة. فعلى الصعيد الداخلي في طهران, فان الرئيس الايراني محمد خاتمي يتسم بالاعتدال والواقعية وعدم التطرف. وقد صرح اكثر من مرة بأنه لا يريد الدخول في مواجهة عسكرية مع حركة طالبان. وفي المقابل فان حركة طالبان ابدت قدرا من المرونة بتسليمها جثث الدبلوماسيين الايرانيين الى حكومة طهران وافراجها عن عدد آخر من الايرانيين المعتقلين في افغانستان ومناشدتها المجتمع الدولي التدخل لدى طهران لمنعها من استخدام القوة المسلحة ضدها. يضاف الى ذلك ان القادة الايرانيين يدركون بلا شك ان هناك دولا من مصلحتها ان تتورط ايران في حرب جديدة تستنفد قوتها وتبدد طاقاتها, وان تجر دول المنطقة الى حرب تضاعف ارباح مصانع الاسلحة في الدول المنتجة والمصدرة للسلاح. وفي مقدمة هذه الدول تأتي الولايات المتحدة الامريكية التي مازالت علاقاتها مع ايران تقع في دائرة الخلاف اكثر منها في دائرة الوفاق, والتي يهمها ان تتورط ايران في حرب تبدد الامل في ان تصبح قوة اقليمية مؤثرة. وفي هذا المسار تأتي اسرائيل ايضا التي تعتبر ان ايران دولة تهدد امنها بقواتها المسلحة. ولعل هذا الادراك الايراني بأن تورطها في حرب مع افغانستان يفيد أعداءها أكثر مما يفيد طهران يسهم في تقليل احتمالات المواجهة المسلحة بين ايران وطالبان. وعلى المستوى الاقليمي فان هناك عددا من الدول الاسلامية تبذل جهودا للوساطة بين ايران وطالبان خاصة المملكة العربية السعودية وباكستان. وعلى المستوى الدولي دعا الامين العام للامم المتحدة الى عقد اجتماع على هامش الدورة الحالية للجمعية العامة لوزراء خارجية كل من الولايات المتحدة ورسيا والدول المجاورة لافغانستان وهي الصين وايران وباكستان وطاجيكستان وتركمنستان واوزبكستان لبحث سبل حل الازمة بين طهران وكابول من ناحية وحل الازمة الافغانية من ناحية ثانية. وانه من المأمول ان تنجح هذه الجهود في الحيلولة دون اندلاع حرب جديدة بين طرفين اسلاميين تبدد طاقات العالم الاسلامي وتشوه صورة الاسلام دين السماحة والتعاون والسلام لتظهره امام أعدائه بأنه عكس ذلك تماما. باحث مصري*