قبل أن يدخل المرء في دقائق شؤون التعليم في البلاد وهمومه, باحثا عن الواقع التربوي وتحديات التطوير فيه لا يمكنه تجاهل أو تجاوز حملات النقد المنتظمة والموجهة للمؤسسة التربوية التي تشرف على التعليم في الدولة. مما يثير عددا من التساؤلات حول آثارها وأغراضها . واذا كان النقد مطلوبا بهدف تطوير الأداء وتحسينه, فإنه بلاشك مشروع. ولكن يجب ان يتم ذلك في اطار ضوابط معينة, وبشروط محددة, أهمها استبعاد المسائل الشخصية والمواقف الخاصة عند توجيه النقد مع الأسف, ان النقد في الشأن التربوي عندنا, قد ناله شيء من هذا وذاك. تنازعت فيه الاهواء وتداخلت فيه الاتجاهات والمواقف. وقبل أن نشير الى الحملة (الموسمية) المكثفة, والتي تحدث عادة مع بداية كل عام دراسي, والتي شاهدنا بعض مظاهرها في الأيام الماضية, يجب ان نشيد بجهود النقد الهادفة, والتي قام بها مخلصون مهتمون بالعملية التربوية في البلاد. تلك الجهود التي لم تقف وقفة تفتيش او محاكمة. وإنما كان تناولها لمختلف المشكلات التي تواجه واقعنا التربوي تناول الفاحص المسعف. وقد بحث أولئك القوم القضية من منطلق وطني حريص على تحقيق المصلحة العامة. أذكر هذا وأشير بشكل خاص الى جهود الاخوة في المجلس الوطني الاتحادي ولجنته الخاصة في هذا الشأن, بالاضافة الى جهود الاكاديميين الجامعيين ومثقفين آخرين. هذه الجهود التفتت, وفي سياق نقدها, الى محاولات الاصلاح والتطوير, والتي بدأتها وزارة التربية والتعليم. وأدركت ان هذه المحاولات, وان كانت في طور الدراسة او التخطيط, الا أنها تستحق ان نوليها اهتماما لائقا, خاصة وان شأن التربية والتعليم من الشؤون التي تهم المجتمع بأسره. ويتأثر به كل فرد فيه. وقد يكون ايلاء هذه المسألة بعض الاهتمام متمثلا في الاسهام في اضافة رؤى او تصورات او مقترحات لخطط الوزارة وبرامجها المستقبلية سواء أكان ذلك متعلقا بالتسهيلات المتاحة أم بالبرامج والمناهج الدراسية, أم بشؤون هيئة التدريس والتوطين فيها, أم بطرق التدريس وعملية التقويم. واذا تحقق ذلك الاسهام, واستشعرت فئات المجتمع ومؤسسات الدولة الرسمية والاهلية دورها في العملية التربوية, فلاشك ان ذلك أدعى لقبولها واقرارها, ومن ثم تطبيقها وممارستها. خاصة اذا اقترن ذلك بوعي اجتماعي عام, تساهم فيه مؤسساتنا الثقافية والاعلامية. أما اذا كان النقد لمجرد أثره الايجابي. بل ربما كان العكس هو الصحيح, حيث انه من المتوقع ان يؤدي كل ذلك الى اضعاف المؤسسة المعنية, وبث الفتور والتردد لدى الافراد العاملين نحو القيام بأي جهد تطويري مرتقب مما يؤدي في نهاية المطاف الى الاكتفاء بهدف واحد لا غير, هو العمل على استيعاب الطلبة في المدارس وحشرهم في الفصول الدراسية, ثم توزيع الكتب والمقررات الدراسية عليهم, دون البحث عن كيفية تعلم هؤلاء, فحينئذ يكون كم التعليم هو القضية لاكيفيته. الذي شاهدناه في بعض الصحف التي قامت بتغطية اخبار المناطق التعليمية واستعدادات المدارس فيها كان معظمة يندرج تحت هذا النوع الاخير من النقد فالاثارة كانت هي الشعار السائد في تلك التغطية وكانت تلك الاثارة تسعى الى ابراز تقصير وزارة التربية والتعليم ومحاولة اثبات عجزها عن تلبية الاحتياجات اللازمة لبدء الدراسة, ملخص تلك الحملة تمثل في صيانةالمدارس التي لم تنته بعد, صور اسياخ الحديد والاسلاك والمخلفات التي توجد عادة حول المباني الخاضعة لاعمال الترميم والصيانة. الاثاث ومقاعد الطلبة التي لم تصل بعد, بعض المواد التعليمية المساعدة الاخرى كالكتب الدراسية وغيرها لقد جرى تقديم تلك المظاهر البائسة بحسبانها تمثل تجربة التعليم في دولة الامارات وتم استهداف وزارة التربية والتعليم باعتبارها المسؤول الاول والاخير بل والوحيد عن كل تلك السلبيات والاخطاء بل وتم تجاوز ذلك ليشمل افرادا ومسؤولين وبصورة غير لائقة في بعض الاحيان. ولست هنا متطوعا لكي انصب نفسي محاميا لوزارة التربية والتعليم, فللوزارة رب يحميها, ولست كذلك متبنيا او داعيا لحملة مضادة, كما لا استطيع في الوقت ذاته ــ اعفاء الوزارة من بعض مسؤولياتها تجاه تلك المظاهر التي اشرنا اليها, حيث انها, اي الوزارة, قد ذكرت في بيانها الذي اصدرته في الاسبوع الماضي الى المسؤولية التي تتحملها جهات عديدة بما فيها الوزارة نفسها. عندما تراجع مفهوم التربية الذي حدث في حملة الانتقادات (الموسمية) المكثفة انه جرى اختزال مخل لمفهوم التربية, وتم حصرها فيما تقوم به وتمارسه مدارس وزارة التربية والتعليم, الامر الذي يدعونا الى وقفة لبيان المفهوم ومن ثم تحديد المسؤوليات, فالحقيقة ان مفهوم التربية اعم من ذلك واشمل فالتربية وكذا التعليم يبدآن من البيت ثم المجتمع ومؤسساته, ثم المدرسة وتتوسع دائرة التربية لتشمل تنشئة الفرد ثقافيا ووجدانيا وجسميا, ويعني ذلك, بطبيعة الحال, اكسابه المعارف والمعلومات والمهارات التقنية اللازمة, كي يصبح فردا ناجحا في مجتمعه, محققا لاهدافه الدينية والوطنية. اذا ادركنا هذا, فسيتبين ان حصر مسؤولية التربية في المدرسة يفتقد الدقة الى حد كبير, بل نقع في خطيئة اخرى نحمل فيها جهة واحدة كل تلك المسؤوليات, ونعفي انفسنا وجهات اخرى من تحمل واجبها تجاه بعض تلك المسؤوليات الامر الذي يدفعنا الى القول بالمسؤولية المشتركة في شأن التربية. فعند ذكر البيت مثلا ودوره في هذا الشأن لابد من استدعاء مسؤولية الاسرة والوالدين, وعند ذكر المجتمع لابد من ذكر مؤسساتنا الاخرى مثل المسجد واجهزة الاعلام والاندية الرياضية والمؤسسات الثقافية.. وغير ذلك. أمر آخر له صلة بمسألة الخلل في التعرف على اسباب المشكلات التي تواجه الواقع التربوي, وقد لاحظناه في الايام الماضية, ومن خلال التركيز على عدم اكتمال بعض المباني والمدارس, والذي تم تهويله بشكل لافت للنظر, بل ان البعض قد بالغ في تصوير ذلك الى حد ان العملية التعليمية كلها في خطر, وان الطلبة مشردون, ولا مأوى له إلا الشوارع!, والى آخر تلك القائمة الحافلة بعبارات اليأس والبؤس. ولا يجادل أحد في اهمية المباني والقاعات الدراسية في اي مؤسسة تعليمية, لكن حصر ما تعانيه كل مشكلات التعليم في البلاد في تلك المسألة فيه مبالغة كبيرة, تزداد سوءا اذا تم النظر اليه من زاوية واحدة, دون استحضار الاسباب والاطراف الاخرى التي قد تكون مساهمة في ايجادة. ولعله من المفيد هنا ان نذكر بعض الركائز الاخرى, والتي تم اهمالها في وسط الضجيج الموسمي. مقومات نجاح العملية التعليمية لكي تثبت اي مؤسسة تعليمية الكفاءة والنجاح وتحقيق اهداف التعليم, وتسهم في تنمية البيئة المحيطة بالفرد فلا بد من توافر عدة عوامل, يأتي في مقدمتها الكفاءات البشرية القادرة على ادارة وتنفيذ البرامج والانشطة التي تقرها المؤسسة بناء على خطة معتمدة ووفقا لاولويات تحددها أهداف التعليم في كل مجتمع. هذه الكفاءات لابد ان تتصف بامتلاك مهارات فنية عالية, لها قدرة متميزة على الانتاج وتحقيق الابداع, ولديها الاستعداد للتطوير ومواكبة الحديث في هذا المجال. والمتأمل في الواقع التربوي في العالم العربي تتجلى له قيمة هذا العامل, حيث تمثل العقلية السائدة في ادارة المؤسسات التربوية عائقا حقيقيا نحو التطوير. ثم تأتي الموارد المالية المتاحة للمؤسسات التعليمية لكي تقوم بوظائفها ومهامها. والملاحظ ان الاعتمادات المالية المخصصة لوزارة التربية والتعليم تذهب, وباستثناء 1% هي مخصصة لاغراض التطوير, الى تسيير الوضع القائم. فنسبة 86% هي رواتب المدرسين والموظفين و13% مصروفات تشغيلية (كهرباء هواتف, قرطاسية.. الخ) اما نسبة الواحد في المائة فهي المخصة للاجهزة والمختبرات والوسائل التعليمية واسس التطوير, وهي النسبة التي يجب ان تغطي في شأن التطوير, اكثر من 600 مدرسة!! إذا تم ادراك اهمية التعليم في حياة الشعوب والافراد فلا بد ان تتغير النظرة تجاهه من حيث منحه أولوية خاصة من حيث رصد الموازنات والتمويل لبرامجه ومشروعاته. وعند ذلك سنرى مدارس تختلف عما نشاهده الان, وسوف تختفي فصول الدراسة (الصنادق) لتحل محلها قاعات دراسية ومختبرات مزودة باحدث أجهزة الكمبيوتر والتقنيات المستخدمة في التدريس. عامل آخر لا يقل اهمية عما سبق, ويتمثل في وجود انظمة متقدمة مرنة في النواحي الادارية والمالية والتعليمية, تسمح بالمراجعة والتغيير والتطوير, تخفف من وطأة البيروقراطية وقيودها, وتعطي مزيدا من الصلاحيات للمسؤولين في الشأن التعليمي. ولعل معظم مانشاهده من مظاهر القصور, والتي تصاحب عادة بدء الدراسة في كل عام, راجع الى عدم توافر صلاحيات مالية كافية لدى وزارة التربية, تتيح لها توفير المتطلبات اللازمة لمدارسها ومنشآتها. وقد اشار بيان الوزارة في الاسبوع الماضي, الى هذا الامر, وذكر الجهات التي لابد من الحصول عل موافقتها قبل توفير تلك المتطلبات, وكذلك الاجراءات البيروقراطية الطويلة لتحقيق ذلك. هذه بعض الاشارات حول هموم التعليم بالدولة. ارجو ان يكون في اثارتها دافعا لدى المهتمين بهذا الشأن في الاسهام الايجابي فيه. مدير جامعة زايد بالانابه*