مونيكا لوينسكي اليوم أشهر من نار على علم, فهي في شهرة الرئيس الأمريكي نفسه وتفوق غيره من الرؤساء حضورا وسمعة(بخلاف فيما لو كانت طيبة أو سيئة)واسمها على كل لسان وصورتها في كل جريدة وعلى كل شاشة تلفزيون وقريبا على قمصان التي شيرت وأكواب الشاي والحليب والملابس الداخلية للرجال خصوصا . ومونيكا نفسها صامتة ولا تقول شيئا وبعيدة عن الأضواء حاليا ومنزوية, ومع ذلك فاعصارها الاعلامي يدوي في أرجاء الكون بما يكفي لإحداث تدمير يفوق ما يمكن أن يخلفه إعصار جورج في الكاريبي أو سواحل فلوريدا, أو ما سبق وأحدثه إعصار سابقا في الولايات المتحدة, فآثار هذه الأعاصير مادية فيما إعصار مونيكا يضرب الأخلاق والفكر والنفس, مما لن نعرف اليوم اثاره المباشرة, قدر ما سيعرفه غيرنا غدا. غير اننا لسنا فلاسفة ولاحكماء لكي نبحث في آثار مونيكا, لذلك نبقى مع العالم الذي يتحرك اليوم على ايقاع مونيكا أكثر من حركته على إيقاع الأمم المتحدة, حيث يحتشد زعماء العالم من دون أن يلفتوا الأنظار كما تلفتها إلى درجة الخطف والعمى مونيكا, فهذه تغادر الأوراق التي يتشكل منها تقرير ستار, لتنزل إلى الشارع حيث يعيش الناس ويتنفسون لتصبح بعد حين جزءا من ذاكرتهم وثقافتهم وحياتهم. فهناك مثلا تقرير ستار نفسه الذي طبع في كتب في عواصم مختلفة, البطل الرئيسي فيه مونيكا, فتخاطفها القراء في ساعات, ومثله شريط الشهادة لكلينتون الذي نزل الأسواق بأسعار لا تزيد على عشرة دولارات, ويتوقع نفاده بكميات ضخمة, وكلها ما كانت لتنفد لولا مونيكا. وبما أن الحبل على الجرار فالمتوقع حسب العروض حتى الآن, أن نقرأ مذكرات مونيكا (عرض قيمته 30 مليون دولار) وأن نشاهدها عارضة أزياء في روما (عرض قيمته 750 ألف دولار لارتداء فستان واحد), وأن نراها في مسلسل تلفزيوني كوميدي بريطاني يعيد قصة لقاءاتها الحميمة بالرئيس الأمريكي (عرض قيمته مليون جنيه استرليني), فنختم القرن العشرين على مجموعة من الكتب والأفلام والمذكرات والمسلسلات البطل فيها مونيكا, والحكاية مونيكا والنموذج مونيكا. وفي السياق نفسه نتوقع أن نرى مونيكا تجمع التبرعات لمرضى السرطان والأيدز, وأن تكون ضيفة شرف لحفلات الشركات مقابل ملايين الدولارات وان تحضر لافتتاح مناسبات إجتماعية وخيرية ورياضية, وأن تستضيفها جامعات وكليات فتحاضر في فن إغواء الرؤساء وإسقاط الزعماء ومرمطة القادة, أو تتحول الى مذيعة تلفزيونية تنصح النساء بما يجب عمله مع الرجال, وبكيفية الاحتفاظ بأدلة إدانتهم, وغير ذلك من نشاطات تدشنها محطات تلفزة وشركات انتاج ودعاية وجمعيات, تتحول معها مونيكا وعن طريقها الى معلم من معالم حياتنا وتاريخنا المعاصر. وبما أن عصرنا هو عصر الانفتاح والثورة الاعلاميين, وقياساً على نماذج سابقة من شخصيات تحولت الى أساطير إعلامية, فإن لاشيء يحول دون تحول مونيكا الى اسطورة اخرى تغرق العالم كله في صورها وحكاياتها ونشاطها فيما لو قررت الاستجابة الى العروض المغرية, والتحول الى شخصية إعلامية وفنية, حتى لو كانت في لحظة ليست أكثر من مثال للسقوط والانحلال, فنعرف أن ثمرة عصرنا المرة هي تحويل الإنحراف الى قيمة تعد بالملايين, وتلميع السقوط الى حد صقله نجماً. ... ومادام العالم هايص الى هذا الحد, ففي الطريق لا بأس أن تعرض مجلة إباحية في لفتة ساخرة على المحقق ستار العمل لديها, لمساعدته في توسيع مجال الخلاعة ليشمل, لا الراشدين وحدهم, بل طلبة المدارس أيضا. في اشارة الى تقريره على الانترنت.