في اوقات كثيرة, حينما يثور الجدل حول الحوار مع الغرب, وموقف الغرب المسيحي من الاسلام, كان السؤال الابرز: الا يزال الغرب يتعامل مع العالم الاسلامي من منطلق موروث تاريخي يمر عبر سلسلة طويلة من العداءات والصراعات, لعل الابرز منها الحروب الصليبية ؟ وفي اغلب الاحيان ينبري عدد كبير من مثقفينا للدفاع عنهم, متهمين العقل العربي بالاوهام الغارقة في زوايا التاريخ, والعاطفة واللاموضوعية. في كتابات كثيرة قرأناها وسمعنا بها وفي اعمال فنية وسينمائية, وفي تصريحات لعلماء غرب ومفكرين ورجال سياسة, فان فكرة العنصرية الصليبية لم تغادرهم ومازال اعلامهم يضج بها, ولهذا لا اجد مبررا للدفاع عنهم. انه ــ ولاسباب كثيرة ــ تبلور للشخصية العربية مفهوم وتصور سلبي لدى (الآخر) , واقصد به الغرب تحديدا, ولعل العداء التاريخي الذي بدأ منذ كان العرب حراسا لتخوم الامبراطوريتين الفارسية والرومانية, هذا العداء استمر طويلا وأخذ اكثر من منحى تاريخي, لكنه كون في النهاية صورة (نيجاتيف) سالبة ومشوهة مازلنا نعاني منها. في كتابه (لماذا ستطأ الأقدام العربية ارض المريخ) اورد د. منصف المرزوقي كلاما نقله من مجلة بيلوت الفرنسية ــ عدد سبتمبر 1976 ــ جاء فيه التعريف الفرنسي للعرب بانهم (اناس يلبسون الاغطية, يضعون الاكياس على رؤوس نسائهم, يتجشأون خلال الاكل, يضاجعون الاطفال, ويمارسون ديانة بليدة يحاولون تمريرها إلى سواد العالم كله, جبناء, لا يترددون عن نحر بعضهم البعض .. الخ) . جورج ديهاميل عضو الاكاديمية الفرنسية في كتابه حضارة فرنسا) (يقرر) ان (الذهنية العربية عاجزة تمام العجز عن التفكير التركيبي وعن تجاوز الذات) . ومتابعة ما قيل عنا تحتاج إلى مجلدات .. والكلام كله على هذه الشاكلة وربما اسوأ, والسؤال: لماذا هذا الحقد؟ والجواب اسألوا التاريخ عن الماضي, واسألوا انفسكم عن الحاضر, وستحصلون على الاجابة تأكيدا. اذن فصورتنا في مفهوم الآخر (الغرب) صورة سيئة جدا, والجميع يعلم ولا احد يحرك ساكنا, هذا السوء يتمازج بين الازدراء والكره, اما الازدراء فقد يكون يوم كانت القبائل العربية مجرد (نواطير) وحراس يحمون الممالك والامبراطوريات الاجنبية, واما الكره فقد تأسس يوم اصبح للحراس والنواطير شأن ومكانة وجيوش انطلقت في كل مكان حتى وصلت قلب النمسا وفرنسا .. الخ. وان يزدريك الآخر (الغربي الاجنبي) فقد تجد له من المبررات الكثير وقد تدفعه بما تستطيع وهذا ما فعله د. منصف المرزوقي حينما شعر بازدراء الفرنسيين للعرب يوم كان طالبا في فرنسا, فقرر انتقاما لعروبته وماضيه ان يدفع هذا الازدراء, ووقف بعد سنين في مدرجات كليات الطب الفرنسية يدرس الطب للفرنسيين وبلغتهم وفي داخله يضج تاريخ لا نهاية له. اما الاستاذة الجامعية ابنة الامارات التي حملت هي الاخرى علما ونضجا ودلالات لا حد لها, وذهبت لتحاضر عن (سبل التقارب بين الشعوب) في معهد العالم العربي في باريس, فقد عادت للامارات مليئة بالغيظ والقهر, ليس لان الفرنسيين ازدروا فيها صورة المرأة العربية الخليجية التي جاءت من الصحراء تحدثهم عن (دوركايم) ولكن لان الذي اطلق عبارات الازدراء كان عربيا! فهل هو الجهل أم التقليد أم...!!؟