ذلك الدجل, وأولئك الدجالون:بقلم- د. زكي الجابر

أتحدث اليك وفي ذهني مقولة من يرى بأن الثقافة إذا لم تكن في صورتها الذهنية المثالية فإنها تتحول إلى آلة تحرك ميكانزماتها قوى النفوذ والمال, وآنذاك لن يكون المثقفون انداداً وعلى قدم مساواة مع مالكي السلطة والثراء , بل يظلون حيث ارتضوا ان يكونوا تابعين ومأجورين, وتصبح السيادة لتصور يهبط بمستوى الثقافة عن مستوى الجاه والغنى, فإذا كنت مثقفا لماذا لا تكون ذا ثروة؟ ويتجاوز الأمر حدة الهبوط ليصل إلى حد العزلة عن الناس, ولطالما قيل بإن الانجازات العلمية ينبغي ان تنجز في غرفها وأقبيتها الخاصة, فلا يحسن بعامة الناس ان تعلم عن الذرة وتفاعلاتها, ولا عن توظيف الألياف البصرية, ولا ان تتآلف مع حكمة المعري, ومناحات الشاعر تي. اس .اليوت, وفلسفة ابن رشد, والناس لكي تعيش يحسن بها ان تتعامل مع الوسائل المباشرة لعيشها. وإذا كان لها ان تتزود بشيء فلتتزود بما يطعم المعدة وينظف الأسنان ويغسل الشعر, وتتشبع بألوان من الدعاية يختلط فيها الخبر بالرأي, والكذب بالحقيقة ونصف الحقيقة, وتتشرب بما يفسد على الأرواح كل نقي وجميل , ولتتفتح أمامها الأجواء عريضة فسيحة ليخوض فيها الدجالون, ولتصبح الكلمة الأولى للدجل! وإنك لتلقى أولئك الدجالين انى نظرت, وانى اتجهت, في الفلسفة, والعلم والطب, و(السحر) , والتجارة, والصناعة, والتاريخ, والممارسة الاجتماعية, والثقافة السياسية.. وهم ينتشرون ويتناثرون في المنظمات والمؤسسات والدوائر والجامعات. وصنعة أولئك هي الدجل, الدجل الذي في أساسه, يتساوى مع الكذب بما فيه من شطارة ومخاتلة وابتسامة صفراء ولحن في القول. والأمد لن يطول بالكذب حتى يتحول إلى حقيقة, وما يعتقد انه حقيقة, ينقلب إلى ايديولوجيا تسندها براهينها الذاتية, وامتلاكها ما تدعي امتلاكه من علم وخبرة ومعرفة, وهكذا بامكانك ان تتصور الدجل اخطبوطا لا تقدر على مقاومة امتداده, فالإنسان, أي انسان, محدود الحول والطول, محدود البصر والبصيرة, حواسه مجسات غير قادرة على ان تجوس الأبعاد الملتوية الخادعة! ان الساحر المهرج الذي يعتلي خشبة المسرح دجال يخدعك بخفة حركة يده وطرواة لسانه, يخرج الأرنب من تحت ابطه, والبيض من قبعته, ويسيل الدموع من عينيه انهارا وأنت وأنا نعيش عصر السينما, والسينما دجال ماهر, والفيلم صور مترابطة تعكسها على الشاشة آلة العرض بسرعة تعجز العين عن التقاط ما بين اللقطات من فراغ. وأنت وأنا نعيش عصر التلفزيون, والتلفزيون دجال ماهر أيضا. ان الصور على شاشة التلفزة ما هي إلا نقاط تتساقط بعضها فوق بعض وبسرعة فائقة لا تلمحها عين الإنسان تكوّن ما نرى من بشر وشجر, ولكمات وقبل, وعناق ووداع. وأنا وأنت نعيش عصر السياسة, السياسة التي تدخل نافذتك وبابك, وعبر ما ترى وتسمع, ألم يأتك خبر ذاك الذي يجاهر بأنك إذا اشتريت بضاعة ما فإنك تكون قد مِلْتَ إلى الشركة المنتجة وبلدها المصنع, وما ميلك ذاك إلا ميل سياسي, وفعلك فعل سياسي, إن السياسة في كثير من أهوائها وتقلباتها ودعاياتها دجل, لقد قال الهتلريون : اكذب, ثم اكذب, ثم اكذب حتى يصير الكذب حقيقة, وإذا ما جوبهت بداعية قوية كاسحة فما عليك إلا ان تصمت لأن الرد على أكاذيب تلك الدعاية واشاعاتها يعني تحويلها إلى حقائق صادقة. كم من سياسي يتغنى بالحرية والديمقراطية حتى إذا ما تحكم من الرقاب كمم الأفواه, وفتح السجون حتى يغدو قتل الإنسان لديه لا يختلف عن قتل حشرة! وكم من داعية يوظف أعلى ما توصلت إليه التكنولوجيا ليشيع ضروبا من الدجل الفكري والسياسي والديني مستعبدا عقول الناس وعواطفهم. لم ننس بعد أولئك الذين تجرعوا السم في (غايانا) تحت غوايات داعيتهم, ولم ننس أكثر من سبعين شخصا في جنوب شرق آسيا صبوا البترول على أجسامهم وأحرقوها تعبيرا عن فكر مشربهم وشربوه, ولم ننس أولئك الذين خدعهم أفاق دجال في الولايات المتحدة فكرعوا السم القاتل ساعة ظهور مذنب اخترق الفضاء, وقبل كل ذاك سمعنا وقرأنا عن (راسبوتين) ذلك الدجال الوحش الذي تسلل إلى حجرات القيصر الروسي فعاث فيها فسادا, سيطر على النفوس بقوة أحابيله الفائقة, وأفسد نساء القصر بطاقته الشريرة, وما زلنا بين حين وحين نسمع عن ظهور نبي دجال في بقاع مختلفة من الأرض, وما زلنا نسمح ونقرأ عن سياسيين يدعون الوطنية وهم مرتشون يمتصون كالعلق ما في أماناتهم من المال العام! اننا نعيش عصر الدجل, حتى بدأنا نتصور ان الدجل هو الحقيقة, ولك ان تبدأ بالقاء نظرة على المتداول من تجارة بالبضاعة المزيفة من أقلام حبر وساعات ونظارات وآلات حاسبة وأحذية رياضة وسراويل وقمصان.. واصعد بنظرك قليلاً نحو الشاشة لتشهد كيف يتحول (الخداع الفني) إلى حقيقة واقعة في عيني طفلك متمثلاً في سيل من القوى التي لا تقهر, قوة (سوبرمان) و (الوطواط) و (جيمس بوند) و (ميكي ماوس) و (باباي) و (الدناصور) و (مركبة الفضاء) .. وانقل نظرك إلى ما حواليك ستجد (مسيلمة) ضائعا أمام عدد غير يسير من ادعياء الفكر والأدب والعلم ومخترعي حكايات الأطباق الطائرة, واسرح بنظرك حول ما يكتب لتجد عبد الله بن سبأ, ضائعا أمام عدد من ملفقين ورواة وإعلاميين يكتبون ما يهمس في آذانهم, وإذا ما كانت هناك ببغاء تقول باللسان, فثمة ببغاء تكتب بالقلم! لقد تفتحت الأجواء لثقافة الدجل, إذا ما كان للدجل ثقافة, اخبرني مشكورا: اين تلك الثقافة التي تنفذ إلى روحك فترتفع بك إلى عالم صاف أمثل, وأين ذلك المثقف الذي يطرح الأسئلة الصعبة ويواجه الأسئلة الصعبة؟ ألم يحن الوقت لنرى تلك الثقافة المتحدية, وان نرى المعنيين بالشأن العام معنيين بالشأن الثقافي؟ ألم يحن الوقت لتعرية الدجل فلا يعود ضبابا يحجب الرؤية, ولا عفنا تعتاده النفس فتظنه نسيما عطرا تنتشي به, ولا تتسمم العقول والنفوس. إنك معي تقول بأن الوقت لكل ذاك قد حان, وأكاد ألمس لهفتك المحرقة التي قال عنها شاعر من شعراء هذه الأمة: لهفي على أمة غاض الضمير بها من مدعي العلم, والآداب, والدين موتى الضمائر تعطي الميت دمعتها وتستعين على حي بسكين! ليرحمك الله , أيها (الجواهري) الكبير, لقد ارتحلت عن ذلك الدجل وأولئك الدجالين واللهفة تحرق جوانحك! خبير إعلامي عربي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات