مازالت الاخبار والتطورات تهز مواقع اثنين من اكبر واهم رؤساء الدول في العالم, ففي الولايات المتحدة وهي الاكبر والاقوى والاكثر غنى في عالمنا المعاصر, تتوالى دراما فضيحة مونيكا لوينسكي بفصولها لتهدد الرئيس بمحاكمة ستكون أقل نتائجها عملية تعنيف توجه للرئيس, وربما تصير النتيجة أكبر, بحيث يعزل الرئيس , ويتوارى خلف الكواليس بسبب تلك الفضيحة التي انشغل بها الرأي العام وضج بها العالم على مدى عدة اشهر. وفي بلد آخر, كان حتى وقت قريب الدولة الثانية, وقطب التوازن في السياسة العالمية, يواجه الرئيس بوريس يلتسين نتائج سياساته وممارساته والتي تمخضت عن ازمة سياسية ــ اقتصادية واجتماعية عميقة, وضعت روسيا التي توصف بين الكبار من دول العالم على حافة الانهيار النهائي والمدمر, مما يضع احتمالات عزل الرئيس, وربما محاكمته, حسبما يطالب بعض زعماء المعارضة في اطار الاحتمالات الممكنة, بل ان بعضهم يرى احتمالات اكثر مأساوية تواجه روسيا بينها احتمالات اندلاع الحرب الاهلية. والقاسم المشترك بين كل الرؤساء في العالم انهم يجيئون الى السلطة, وهم يحملون برامج الاصلاح والتقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الى شعوبهم ودولهم, وبعد ان يضعوا اقدامهم في سدة السلطة, يشرعون في الحديث عن انجازات حققوها, وعن تلك التي سيتم تحقيقها على أيديهم في وقت لاحق, واذا كانت تلك صفة عموم الرؤساء في العالم كله, فان في تخصيص كل من الرئيس الامريكي بيل كلينتون والروسي بوريس يلتسين مما يستحق التوقف عنده, ذلك ان مسؤولية الاول تتعدى حدود الولايات المتحدة باعتباره رئيسا لأكبر دولة في العالم, تتربع على سدة النظام الدولي الجديد, وتوجه السياسات العامة في اركان الارض الاربعة, وتعلن مسؤوليتها عن قيم الديمقراطية والحرية والحق والعدالة, وترسيخها في العالم كله, وبين الدول والشعوب وفي ظل تلك المسؤوليات الكبرى, تظهر فجأة فضيحة السيد الرئيس لتهز الولايات المتحدة, كاشفة الضعف الشديد في مؤسسة الرئاسة, ومدى الكذب والتضليل الذي يمارسه الرئيس ازاء شعبه ومؤسسات دولته. وتبدو سياسات الرئيس بوريس يلتسين اشد ترديا بما حملته من نتائج على روسيا, خاصة وان السيد الرئيس جاء لينقذ روسيا من (جحيم الشيوعية) التي كانت بها في ظل الاتحاد السوفييتي السابق, وينقلها الى نعيم الرأسمالية, فكانت النتيجة الاجمالية, ان اخذ مواطنوه في الترحم على العهد البائد بعدما قادتهم سياسة الرئيس الى تهميش بلدهم في موقعه بين الدول وفي المجتمع الدولي بعامة, وتجاوزت ذلك الى الحاق الدمار الاقتصادي والاجتماعي بأغلبية الشعب الروسي, الامر الذي ترتب عليه تغييرات جوهرية في حياة الشعب الروسي في المستويات كافة وبخاصة في موضوع هدر امكانياته, وتضييع فرص تقدمه وتطوره, بل في تحوله الى شعب جائع, فاقدا للأمن والامان. ومعاناة الشعوب مع رؤسائها لا تقتصر على النموذجين الامريكي والروسي كبلدين كبيرين, بل ان هناك بلدانا صغرى ووسطى عانت وتعاني الكثير من سياسات وممارسات السادة الرؤساء, ويكفي في هذا استذكار اسماء بعض الذين غادروا مناصبهم من الرؤساء في العالم خلال العقدين الاخيرين وفي قائمة الاسماء الرئيس الفلبيني الراحل ماركوس, والرئيس الاندونيسي المستقيل احمد سوهارتو, والرئيس الاوغندي عيدي امين, ورئيس جمهورية زائير السابق سيسكو, ورئيس جمهورية بنما الامريكية الوسطى نوريجا, وقبله رئيس تشيلي الدكتاتور بينو شيت. ولا تقتصر قائمة الرؤساء الذين عانت شعوبهم ودولهم على الراحلين, والذين خرجوا من السلطة, وانما تمتد الى كثير ممن مازالوا يمسكون زمام السلطة بقوة, ويتابعون تنفيذ سياسات تترك اثرا مدمرا في حياة شعوبهم ودولهم, وتمتد قائمة الاسماء لتشمل رؤساء من مختلف القارات, وبعضهم من السادة الرؤساء العرب الذين قادوا بلادهم نحو دمار لا حدود له, واورثوا شعوبهم ازمات لن تجد لها حلولا في المدى المنظور. ويقودنا الحديث عن المعاناة مع السادة الرؤساء الى قول ان احوال مجيء الرؤساء الى مناصبهم تبدو متعددة متنوعة, حيث البعض وصل عن طريق اللعبة الديمقراطية وبواسطة صناديق الاقتراع, واخرين وصلوا عن طريق الانقلاب العسكري, وبعضهم جاء بفعل الاملاءات الخارجية, ونتيجة للتوازنات الاقليمية, وفي كل الاحوال, فان كل واحد منهم وعد شعبه بحياة أفضل, وبتقدم سريع لبلده نحو المستقبل. وحتى لا تكون رؤيتنا وحيدة الجانب, كمن ينظر للعالم بعين واحدة, لابد من قول ان في العديد من دول العالم رؤساء دول منحوا شعوبهم ودولهم كل وقتهم وامكانياتهم وحققوا لبلادهم تقدما سياسيا واقتصاديا ملموسا ومقبولا, وبعضهم غير موقع بلده في الخريطة العالمية وهم في هذا انما قاموا بواجبهم من جهة وأوفوا بما قدموه من عهود عشية مجيئهم الى سدة الرئاسة. وازاء حالتين من الرؤساء في عالمنا, يحق للانسان المعاصر, ان يتوقف بالقرب من ظاهرة الرئاسة خاصة, ومن ظاهرة القادة بصورة عامة متأملا فيها, ومفكرا بما ينتج عن سياسات وممارسات اصحابها من الرؤساء والقادة من آثار سلبية او ايجابية على الدول والشعوب, ومن حق الانسان المعاصر, ان يتساءل عن مصيره, ومصير بلده وشعبه في وقت تعم فيه مظاهر التردي في ممارسات الرؤساء والقادة في عالم حافل بالتطورات والمفاجآت, مما يتطلب حضور نمط من الرؤساء والقادة يأخذون بيد مواطنيهم وشعوبهم وبلدانهم الى المستقبل وسط تطورات متسارعة, عاصفة, ولا ترحم أحدا, لا رؤساء يجرون الخيبات والتردي لشعوبهم ودولهم كما يحصل في اغلب بلدان العالم صغيرها وكبيرها على السواء.