لم يكن إعلان الحركة اليسارية لتحرير بلاد الباسك المعروفة باسم منظمة(ايتا) في منتصف ليلة السادس عشر من سبتمبر الجاري, وقفها(الكفاح المسلح)ضد قوات البوليس الاسباني , التي تعتبرها (قوات أجنبية محتلة ودخيلة على الوطن الذي تناضل المنظمة لتحريره) لتبدأ بهذا الاعلان عن هدنة لفترة غير محددة, لم يكن هذا الاعلان أمرا مفاجئا أخذ الأحزاب السياسية الاسبانية (غير الباسكية) على غرة كما يعتقد البعض. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة لنشر الإعلان في الصحيفة التي خرجت الى النور قبل أسابيع قليلة تحت اسم (ايوسكادي انفورماثيون) التي حلت محل صحيفة (ايجن) الباسكية, التي تم إغلاقها بأمر قضائي قبل أسابيع قليلة, بعد أن أثبتت التحقيقات انها كانت تلعب دور الناطق الرسمي للمنظمة, واحدى وسائل دعايتها لأفكارها, إضافة الى أنها كانت تمثل الجهاز الاستخباري الذي كان يلعب دورا مزدوجا تحت حماية قوانين (أسرار المهنة) . بل ان الأوضاع السياسية التي مرت بها أسبانيا, وبشكل خاص منطقة بلاد الباسك منذ نهايات العام الماضي وحتى إعلان تلك الهدنة من جانب واحد, كانت وراء إعلان تلك الهدنة, لأن تلك الأوضاع كانت تشي بأن تلك الهدنة من جانب منظمة ايتا الانفصالية محتملة الحدوث ومتوقعة في أي وقت, بل هناك قوى سياسية مثل الحزب الاشتراكي الاسباني حاول أن يسبق الإعلان عن الهدنة, وطلب من حكومة الحزب الشعبي اليميني التخلي عن سلبيته, وطرح موضوع العنف في بلاد الباسك على مائدة مفاوضات مفتوحة, تشارك فيها الأحزاب الديمقراطية الاسبانية فقط, مع استبعاد جناح المنظمة السياسي, الذي يمكنه الانضمام الى تلك المفاوضات إذا أعلن (نبذه للعنف وقبوله الطريق الديمقراطي) . اعترفت المنظمة بهذا الواقع في إعلانها رغم انها حاولت أن تنسب هذا إلى تحليل خاص بها, ينفي تأثير تلك الأوضاع على قرارها التاريخي, ويعزوه إلى أسباب أخرى, حيث ذكر بيان المنظمة أن قرار الهدنة ووقف استخدام العنف ضد قوات البوليس الاسباني والأهداف الحكومية الأخرى, جاء بعد تحليل الأوضاع الراهنة وتبين ان (بلاد الباسك تمر حاليا بفترة مناسبة, يمكن خلالها الحصول على الاستقلال الذي كانت المنظمة تهدف اليه باستخدام الحوار) وذلك ــ في رأيها ــ نظرا لفشل المخططات الاسبانية والفرنسية, التي كانت تهدف الى (تجريد الشعب الباسكي من هويته الثقافية) ! تلك الأوضاع التي أشار اليها البيان, ليست كما حاولت ان تصورها المنظمة الباسكية على انها (استجابة لمطالب الشعب الباسكي للبحث عن حل سلمي لمشكلته عبر الممارسة الديمقراطية) وفي ظل الواقع السياسي الجديد الناتج عن التقارب الذي حدث في الفترة الأخيرة بين القوى السياسية الباسكية, وبشكل خاص الحوار بين حزب (ايري باتاسونا) الذراع السياسي للمنظمة وبين الحزب الوطني الباسكي الحاكم حاليا في الإقليم. بل يعود إعلان منظمة ايتا الانفصالية عن الهدنة إلى أوضاعها الداخلية, تلك الأوضاع التي بدا معها من المستحيل الاستمرار في القيام بعملياتها العسكرية الدموية ضد أهدافها المفضلة, والمتمثلة خلال الفترة الأخيرة في السياسيين المحليين الذين ينتمون الى الحزب الشعبي الذي يحكم اسبانيا حاليا, لأن المنظمة فقدت خلال السنة الأخيرة أكثر قواعدها السرية المنتشرة داخل وخارج الأراضي الاسبانية تحت تأثير الضربات البوليسية المتتالية والمنظمة, وبفضل التعاون الشامل مع الحكومة الفرنسية, التي تمكنت خلالها وزارة الداخلية من حرمان المنظمة من جناحها السياسي, بعد أن صدر حكم بالسجن ضد مجموع أعضاء قيادة حزب (ايري باتاسونا) الذي يمثل هذا الجناح ودخولهم السجن جميعا, اضافة الى الرقابة الكاملة للأعضاء الجدد الذين تم اختيارهم للقيام بهذه المهمة, والذين ينتمي أكثرهم الى الجناح المعتدل. وأيضا فقدان المنظمة لمصادر تمويلها, ومصادر معلوماتها بعد أن تم الحصول على أمر قضائي لإغلاق صحيفة (ايجن) التي كانت تمثل الناطق الرسمي للمنظمة, والتي كانت تلعب ايضا دور المؤسسة المالية الاستثمارية التي يمكن عن طريقها الحصول على قروض لا ترد من عدد من المؤسسات المصرفية الاسبانية والأجنبية, وعدد آخر من الشركات التي لها مصالح يمكن أن تقع تحت تهديد يد المنظمة الطويلة في بلاد الباسك. كان الرأي العام الاسباني ايضا أحد الأسباب التي يمكن اضافتها الى أوضاع منظمة ايتا الداخلية, التي دفعتها الى اتخاذ قرار وقف استخدام العنف, فقد بدأت منذ يونيو من العام الماضي حركة شعبية رافضة لعنف المنظمة بعد اغتيال السياسي الشاب (ميجيل انخيل بلانكو) الذي خطفته المنظمة وطالبت الحكومة بنقل أعضائها المسجونين الى سجون باسكية محلية مقابل الإفراج عنه, وكان مقتله الشرارة التي أشعلت فتيل الغضب الشعبي, وتحول المتعاطفون مع القضية الباسكية عن التعاطف مع المنظمة, مما وضعها في موقف لا تحسد عليه جماهيريا, انعكس في مظاهرات عارمة ضمت الملايين داخل الأراضي الباسكية وخارجها في كل مرة اغتالت فيها المنظمة احد الشخصيات السياسية, وحول صورتها في نظر الكثيرين من منظمة لها مطالبها الاستقلالية التي يمكن تفهمها والتعاطف معها, إلى منظمة ارهابية تمارس القتل من أجل القتل. لعبت الأوضاع الدولية ايضا دورا كبيرا في التأثير على سير الأحداث في بلاد الباسك, وكان لها تأثيرها على القوى السياسية الباسكية والاسبانية, والتي انعكست بدورها على قرار منظمة ايتا الاعلان عن هدنتها, انتظارا لتطور الامور, والتخلي نهائيا عن استخدام العنف لتحقيق مطالب المنظمة المعلنة باستقلال بلاد الباسك, أو على أقل تقدير حصولها على حكم ذاتي كامل. تلك الاوضاع الدولية تمثلت في تطورات مواقف الاطراف المتصارعة في ايرلندا الشمالية, التي شهدت خلال الاشهر الاخيرة تطورات هائلة, تمثلت في تخلي الجيش الجمهوري الايرلندي ــ الذي يرتبط بمنظمة ايتا الاسبانية بعلاقات استراتيجية ــ عن طريق العنف, والبحث عن حل سياسي للمشكلة الايرلندية, مما دفع بالتالي قوى سياسية ومهنية وثقافية باسكية الى التطلع الى حل على الطريقة الايرلندية, وتم بالفعل الاعلان عن ما أطلق عليه عدد من المثقفين الباسك اسم (الفورو الايرلندي) , ثم توقيع اعلان (ليثارا) الذي استخدم النموذج الايرلندي ليطالب القوى السياسية الرئيسية في بلاد الباسك التضامن, والدخول في حوار ديمقراطي مع القوى السياسية المركزية في مدريد. رغم ان المنظمة الباسكية الانفصالية ايتا كانت في موقف الضعف, وكانت ترشحها كل التوقعات الى خسارة فادحة بعد كل هذه السنوات, الا انها نجحت في استغلال التقارب الذي حدث بين الحركات السياسية الديمقراطية المحلية المتمثلة في الحزب الوطني الباسكي وحزب ايسكو ألكارتاسونا مع جناح المنظمة السياسي المتمثل في حزب ايري باتاسونا, لتشكيل جبهة سياسية تدخل الانتخابات المحلية التي سوف تجرى يوم 25 اكتوبر المقبل تحت شعارات سلمية جديدة, تمكن تلك القوى من الحصول على أغلبية نسبية, تمكنها من تشكيل حكومة ائتلافية بعيدا عن دعم الاحزاب المركزية, المتمثلة في الحزب الشعبي الحاكم والحزب الاشتراكي الاسباني شريك الحزب الوطني الباسكي في الحكومة الحالية, والتي تفرض على الحكومة المحلية التخلي عن تطلعها للحصول على الانفصال الكامل عن اسبانيا, لتعلن المنظمة الهدنة من جانبها, وتبدو وكأنها تتخذ المبادأة وتنهي ثلاثين عاما من العمليات العسكرية ضد ما تعتقد انها الاهداف التي تؤلم الحكومة المركزية, راح ضحيتها أكثر من ألف قتيل, حاولت المنظمة خلالها ان تحصل على انفصال بلاد الباسك بالقوة. رغم التفاؤل الحذر الذي يشوب الاوساط السياسية تجاه الهدنة التي أعلنتها منظمة ايتا من طرف واحد, فإن الحكومة الاسبانية وحزب المعارضة الرئيسي ــ الحزب الاشتراكي ــ يرون ان هدف الهدنة الدعاية للاحزاب المحلية في انتخابات الشهر المقبل, اضافة الى ان بيان المنظمة تضمن نقاطا مستحيلة التحقيق, خاصة تلك التي لا تكشف عن تخلي المنظمة عن نشاطها العسكري في المستقبل, وتؤكد على امكانية العودة لاستخدام السلاح مرة اخرى اذا لم يتم التوصل الى السلام المنشود, مما يعني ان المنظمة تريد ان تفرض وصايتها على جميع الاطراف, وان في اعلان ايتا تهديدا للعودة الى استخدام العنف ما لم يتم التوصل الى ما تهدف اليه المنظمة. رغم كل هذه التحفظات فإن معظم المحللين السياسيين والقوى الاجتماعية المؤثرة في بلاد الباسك ترغب في منح منظمة (ايتا) فرصة جديدة, لأن أي وقف لأعمال العنف يعتبر ايجابيا في حد ذاته, اضافة الى أملهم في ان يكون لتجربة ايرلندا الشمالية تأثير على تفكير قيادة منظمة ايتا, ويمكن التوصل إلى حل يضمن عودة السلام إلى بلاد الباسك بعد ثلاثين عاما من العنف, الا ان المتابعين لتلك القضية الشائكة طوال تاريخها الدموي, يرون ان السلام المنشود لن يكون سهلا, حيث تقف دونه عقبات ليس من السهل التوصل إلى حلول لها. كاتب مصري*