يتداول المخططون المعنيون بمستقبل الأمم ومصائر الشعوب مصطلحا يبدو وكأنه الخبز اليومي في زماننا الراهن والمصطلح يمكن ترجمته باختصار على النحو التالي:الكفاءة من الناحيتين الاقتصادية والبيئية وقد نتزيد من جانبنا ونطلق عليه مصطلحا نقوم خصيصا بنحته من بين شعاب لغتنا العربية فنقول: الكفاءة الاقتصابيئية . انجاز اكثر بموارد اقل وايا كان حظ المصطلح من الرواج او الانتشار فان الاجماع يكاد ينعقد حاليا في اوساط الساسة والاقتصاديين والايكولوجيين (المعنيين بشؤون وشجون البيئة بوصفها علما او سلوكا او وعيا يذيع وينتشر بين الناس), على ان مصطلح الكفاءة الاقتصابيئية انما يعني شيئا اساسيا وهو: ان تنجز الاكثر باستخدام الاقل بمعنى ان تجني البشرية وهي على اعتاب الألفية الثالثة فوائد وثمرات اكثر واجدى من خلال استخدامها موارد اقل وقد توظف في سياق هذا كله اسلوب الحفظ والصون والتوفير والترشيد ما استطاعت الى ذلك سبيلا في هذا المضمار ظلت دوائر الصناعة والانتاج ترفع الشعار الذي سبق الى صكه وصياغته رجل الصناعة والاقتصاد الامريكي هنري فورد حين كتب في عام 1926 يقول: علينا ان نجني اقصى ما نستطيع من استخدامنا للطاقة وللخامات وايضا من الزمن المستغرق في انتاج ما نريد. وبقدر ما اشتهر عن هنري فورد انه سبق الى استخدام خط التجميع الذي احدث ما يشبه الثورة في صناعة السيارات وغيرها من الماكينات والأدوات, بقدر ما أثر عن الرجل ايضا حرصه الشديد, ربما الى حد التغيير في بعض الاحيان, على اتباع سياسات تتسم بالبساطة والاقتصاد والنظافة (بمعنى تقليل الفاقد او العادم مع الحد من المخلفات, النفايات الصناعية), لدرجة قال معها المحللون ان فورد استطاع ان يوفر مئات الملايين لمؤسسته بفضل سياساته في اعادة تدوير (استخدام) المواد, وفي تخفيض استخدام الموارد الطبيعية وخفض مواد التغليف وعمليات التعبئة الى الحد الادنى فضلا عن المعايير التي عمد الرجل الى استخدامها, او فلنقل الى ابداعها من حيث توفير الزمن المستغرق في خط التجميع. مستقبلنا المشترك وبعد انقضاء 60 عاما ويزيد على مقولات وطروحات هنري فورد, طالع العالم التقرير الشهير الصادر عن (لجنة الأمم المتحدة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية في عام 1987 وهي اللجنة التي تألفت من كوكبة أبرز المتضلعين في علوم البيئة والاقتصاد والتخطيط الانمائي وتولت قيادتها رئيسة وزراء الدنمارك وقتذاك وجاء التقرير المشهود تحت عنوان (مستقبلنا المشترك) (وقدمت البيان) عرضا تحليليا وافيا له بعيد صدوره), ولقد عمد التقرير الى صيحة تحذير اطلقها تقول انه لو لم يسيطر العالم على معدلات التلوث الذي لحق بالبيئة الطبيعية بجهود يبذلها في مجالات المكافحة والتطهير فلا خطرا محدق سوف يهدد النظم البيئية الطبيعية وسيلحق هذا الخطر صحة البشر وخاصة في بيئات المدن في شمال العالم وجنوبه ولاسيما في المواقع الصناعية من الكرة الارضية. ثم طالع العالم تقريرا مهما آخر في نفس المضمار نشره اصحابه بين يدي انعقاد مؤتمر الامم المتحدة الشهير المعني بالبيئة والتنمية في صيف عام 1992 في ريودي جانيرو بالبرازيل (وقد حضره وتابع فعالياته كاتب هذه السطور), وفي التقرير الجديد وعنوانه (تغيير المسار) قال المشرف على التقرير ستيفن شميديني: (اتصور انه سوف يستحيل على اي نشاط انتاجي خلال العشر سنوات المقبلة ان يصمد امام المنافسة الا اذا اخذ باسباب الكفاءة.. الاقتصابيئية بمعنى ان ينتج المزيد من السلع والخدمات بينما يستخدم موارد اقل ويفرز ملوثات اقل ايضا. مصطلحات (قلة الحيلة) وها قد مضت ست سنوات وتزيد قليلا تداول الناس فيها التعبير اياه, الكفاءة الاقتصابيئية كما اسميناها, ولو من باب قلة الحيلة, الى الحد الذي باتوا يضعونه نظيرا او بديلا لا غنى عنه لنظام الانتاج الصناعي التقليدي كما عرفته البشرية منذ سنوات الثورة الصناعية الاولى, ثورة البخار والفحم والمداخن والاكاسيد المسمومة التي طالما ازهقت ارواحا واعطبت ملايين الاصحاء في مدن الثلث الثاني من القرن التاسع عشر وما بعده. والنمط الصناعي التقليدي يقوم عادة على استخدام اكبر كم من المواد الاولية وافراز اكبر كم من النفايات السمية المحتوى واطلاقها في الهواء او صرفها في مجاري الانهار او دفنها بين طيات التربة فاذا هي تلحق التلوث والتدهور والدمار بالهواء الذي نتنفسه والماء الذي نستخدمه والتربة التي نعيش على مزروعاتها. شهادة باحثين من أمريكا على الجانب الآخر من الصورة يرسم الباحثان الامريكيان ويليام ماكدونو (عميد كلية الهندسة المعمارية بجامعة فرجينيا) ومايكل برونغارت (من كبار المتخصصين في علوم الكيمياء) نموذجا نظريا للنشاط المستحدث تحت شعار الكفاءة الاقتصابيئية. والنموذج المفهومي يتألف من المحاور الاساسية التالية التي يقسم بها النشاط المطلوب: (1) انه يطلق في الجو وفي المياه والى التربة كميات اقل من المادة السمية الضارة. ( 2 ) انه يلبي الشروط التي تنص على الانظمة واللوائح التي تسنها مؤسسات الرقابة على البيئة وسلامتها بالنسبة لصحة البشر من حيث انه يهدف الى الحيلولة بين البشر والنظم الطبيعية وبين سرعة الاصابة بالتلوث من جراء الانشطة الصناعية. (3) انه ينتج كميات اقل من المواد الخطرة التي تتطلب تأهبا دائما ويقظة لاتكل ولا تهدأ من جانب اجيال المستقبل وهو ما قد تنوء به مواردها وامكاناتها و.. أعصابها ايضا. (4) انه يخلف كميات اقل واصغر من النفايات, (5) انه يبدد كميات اقل من المواد الثمينة فيما يمكن استعادة كميات اكبر من تلك المواد المرتفعة القيمة من اجل اعادة استخدامها ومع هذا كله, ينبه الباحثان الامريكيان الى ان مثل هذا النظام المستحدث في عمليات الانتاج لن يكون بجديا الى الحد المطلوب, اذا لم يواكبه نمط من السلوك اكثر ابداعا واشد ابتعادا عن الانماط التقليدية. ثلاث تاءات هناك من دعاة البيئة المعاصرين من يتصور انه قد بلغ غاية المراد من رب العباد عندما نشر الدعوة الشهيرة ينبه فيها الناس الى ضرورة اتباع ما يوصف بانه التاءات الثلاث وهي نصائح او تعليمات او توجهات او حتى اوامر يبدأ كل منها بحرف التاء على النحو التالي: ( 1 ) تخفيض (الخامات). (2) تفعيل المواد (اعادة استخدامها). ( 3 ) تدوير المنتوجات بدل اهدارها والتخلص منها صحيح ان جهود التخفيض والتفعيل والتدوير يمكن ان تحد من سرعة التلوث واستنفاد المواد الثمينة القابلة الى النضوب كالبترول مثلا.. ولكنها لن تقضي تماما على خطر التلوث وخطورة الاستنفاد او النضوب. اكثر من هذا.. نحن ندعو الى اعادة تدوير او اعادة استخدام المواد المتخلفة عن العمليات الصناعية ومن ذلك مثلا اعادة استخدام مادة القناني البلاستيكية الفارغة من مشروبات الصودا او مياه الشرب. ولكننا في الحقيقة لا نقوم بتدوير هذه المادة البلاستيكية بل على الاحرى نقوم بخفض نوعيتها الى مادة بلاستيكية غاية في الرداءة. وهناك مثلا من يصنع هذا البلاستيك المتخلف والمعاد تدويره, ملبوسات زهيدة الثمن.. وقبل ان يعمد الناس الى تهنئة انفسهم على مثل هذا الصنيع فان التجارب العلمية تحذرهم بان الملابس المصنوعة من هذا المخلوط البلاستيكي الرديء.. لا تصلح لملامسة الجسم البشري بل قد تصيب البشرة وسطح الجلد بمشكلات صحية لا تحمد عقباها. وفي هذا السياق يورد الاستاذان الامريكيان (في دراسة نشرتها مجلة اتلانتيك منشلي, سطورا تقول: ان الاتباع القسري والاعمى للاساليب (البيئية) دون التعمق اصلا في فهم الآثار الناجمة عنها يمكن ان يكون عقيما. والافضل عدم سلوك هذا السبيل على الاطلاق. ما العمل؟ .. طيب.. ماذا يفعل الناس.. سواء كانوا في دوائر اهل الحكم او في صفوف المواطنين العاديين؟ .. آخر ما توصل اليه المعنيون في هذا الشأن هو ان مجرد تخفيض التلوث لم يعد كافيا للحفاظ على صحتنا وسلامة كوكبنا, بديهي ان طريق الحل يبدأ عند محطة الوعي, ولم تعد المسألة مجرد العمل على تقليل كميات التلوث الذي بات يصيب الهواء والماء والتربة, وهي العناصر الاساسية التي نعيش بداهة عليها, بل المسألة تكمن اساسا في وعي الاخطار التي اصبحت محدقة بحياتنا وصحتنا ومستقبل ابنائنا نحن البشر. وهذه الاخطار تكمن في المواد المتطايرة من حولنا وفي الانبعاثات الشديدة الخطورة التي تنطلق في الاجواء كي تحدق بنا من كل فج وصوب, من حيث ندري واحيانا من حيث لا ندري. ان هناك من يدعو مثلا الى احراق النفايات من اجل التخلص من الملوثات الخطرة. فهل يدري الناس ان عمليات الحرق في حد ذاتها تؤدي الى جزيئات من المواد الخطرة التي تتناثر وتتطاير وتنتشر في الجو المحيط بنا وتلوث البيئة التي نعيش فيها. لقد اجرت جامعة هارفارد دراسة نشرتها في عام 1995 واثبتت ان هذه المواد العالقة والجزيئات المتطايرة في الاجواء يموت من جرائها سنويا ما يصل الى 100 الف انسان وخاصة بين صفوف الاطفال وكبار السن. وهكذا اوصت الدراسة, لا بمجرد الاقتصار على تحجيم الملوثات او تخفيف آثارها.. بل بالمبادرة الى ازالتها من الاساس, على ان يتم ذلك بفضل اعادة تصميم الأدوات التي نستخدمها والعمليات التي نقوم بتشغيلها وبشرط ان نحتذي في هذه الجهود الطموحة نموذجا جوهريا له اسم واحد هو: ــ محاكاة الطبيعة. بمعنى ان نفهم العمليات التي تتم في الطبيعة بفضل الفطرة التي خلقها المولى سبحانه وتعالى, ولنأخذ مثلا على ذلك من شجرة الكرز. ان المرء يحار عندما يطالع مع الربيع, وخاصة في بلدان المناخ المعتدل من البحر المتوسط الى كاليفورنيا في شرق الولايات المتحدة, يحار في تلك الوفرة او الكثرة الكاثرة من براعم وازهار شجيرات الكرز.. وقد ينظر المرء الى الارض وعلى شفتيه سؤال يقول: ــ لم يارب كل هذه الازهار التي تساقطت فوق الارض ولما لا تنتفع بها الشجرة, ولا جادت بالثمرات؟ درس من الشجرة ان الطبيعة هنا ليست مسرفة ولا هي تبدد مواردها.. انها تسير وفق قوانين منضبطة تفرض علينا ان نمعن الفكر كي نفهمها حق الفهم وفي هذا السياق يبادر الى اجابة السؤال الباحثان الامريكيان ماكدوهو وبرونغارت قائلين: ان هذه الوفرة التي تحملها شجرة الكرز أمر مفيد ومأمون ايضا. ان البراعم والازهار وربما بعض الثمار تقع فوق الأرض, لا على سبيل التبديد او الاهدار, فالطبيعة لا تفعل ذلك قط.. بل ان الزهرات يعدن الى التربة وليتحولن بين طياتها الى مغذيات تثري البيئة المحيطة بالنبات وكل جزء صغير من مادة النبات يسهم وفق قانون ما في صحة النظام البيئي وفي اطار دورة حياتية تحمل شعارا ينبغي وضعه باستمرار في بؤرة وعينا وهو.. المخلفات هي غذاء جديد. وكل ما يتخلف عن عملياتنا الصناعية والانتاجية ينبغي ان يصمم بطريقة تجعلنا نستعيده لكي يصبح من مغذيات التربة ومن عناصر تجديد البيئة واهم ما في التصميم المنشود هو الحرص على الا تؤدي المواد والسلع بل والخدمات التي نستخدمها الى اثارة مواد خطرة او جزيئات او انبعاثات تصيب صحة الانسان او الحيوان او النبات يستوي في ذلك سجادة نراها جميلة ونفيسه ولكن الجزيئات المنبعثة منها تشكل خطرا على رئة الانسان بفعل احتوائها على مواد النايلون والغيبرجلاس, ويستوي ايضا المبيدات الحشرية التي نقصد بها مقاومة الآفات الزراعية, فاذا بنا نقحمها داخل النظام الحيوي للنبات فاذا بها تحمل الينا اخطار التلوث في التربة وفي الزرع وفي اجسامنا ايضا ويستوي ايضا ذلك الافراط في استخدام مواد الطاقة ومنها البترول او الفحم بكل محتواها الكربوني الضار باحوال هذا الكوكب ومن يعيشون فوق ظهرانيه, في هذا الاطار يحلم الباحثون بالتحول من نموذج قديم وخطير الى نموذج مستحدث وسليم.. من نموذج الباخرة.. التي تستخدم احدث موارد الحديد والخشب والبترول ويتنفس راكبوها هواء فاسدا داخل مقصوراتهم وقد تغرق يوما في قاع المحيط (تأمل مصير تايتانيك مثلا!). الى نموذج الشجرة.. بأطوار حياتها وقدرتها على الصمود بوجه الاعاصير واشاعتها بيئة صحية من حولها ظلا وهواء نقيا وضياء ثم هي تعطي البشر ثمرات وتعطي الحيوان عشبا وبعض اغصان للغذاء.. ثم تجود على التربة بمغذيات من مخلفات الجمع والحصاد.. كما انها تتغير بألوانها وبراعمها وثمارها عبر تغير المواسم وتبدل الفصول.. والفضل في هذا يعود بالدرجة الاولى الى ذلك التعامل العبقري بين الشجرة بوصفها كيانا بيولوجيا ومؤسسة متكاملة للانتاج والترفيه, ومن اعظم وأنظف واضمن طاقة موجودة في الطبيعة هي طاقة الشمس. ان هذه الثورة الصناعية الجديدة ليست مجرد تحذيرات او امنيات, ان العلماء يجهدون في محاولة وضع اقدامهم وأقدام البشرية على اول الطريق.. وثمة جهود يبذلها الباحثون في كلية (أوبرلن) الامريكية لتصميم بناء جديد يعتمد تماما على طاقة الشمس ويوصف بانه ينتج من الطاقة اكثر مما يحتاج ويقوم بتنقية مياه الصرف الناتجة عنه كما يعمد على استخدامها من جديد.