يبقى البشر الذين يعبرون الارصفة والامكنة وحتى الازمنة, حولنا وبيننا, يبقون المعين الذي لاينتهي, وعليه فإن الحديث معهم وعنهم يظل هدف كل الكتابات والكتاب, كما سيظل الوسيلة والاداة الافضل لتحقيق اعظم الاهداف. وطالما نحن نكتب للناس بجميع فئاتهم وتوجهاتهم , فما المانع ان نكتب عنهم ايضا, الناس يطالبوننا دائما بأن نتبنى قضاياهم ونكتب حول مشاكلهم ونحلم نيابة عنهم, ونصرخ بأعلى اصواتنا ضد ما يقلقهم ويضغط عليهم وضد من يظلمهم ويصادر حقوقهم, لكنهم يمانعون ان نكتب عن سلبياتهم وتجاوزاتهم, فلماذا؟ المعلم يعتقد بأنه صاحب قضية ومعاناة, على الاعلام ان يتبناها ويناضل لايصالها والتعريف بها, لكنه يرفض الحديث عن تجاوزاته وعدم التزامه بأخلاقيات مهنته احيانا!! لماذا؟ مدير المدرسة يشكو لكنه لا يسمح بأن نشكو منه, والمثقف يظن بأنه مدفوع واقعيا للهزيمة والاحباط, ويرى في نفسه نبالة وسموا يجب ان يمتدحا دائما, لكنه يأبى الدخول في دائرة الاعتراف بتناقضاته وازدواجيته, فلماذا؟ هناك مشكلة عالقة وستظل طويلا بلا حل, طالما ابتعدنا لاشعوريا عن الاحساس بأننا بشر نخطىء كما يُخطأ في حقنا, وان القناعة التي يرسخها البعض بأن ما يكتب فانما يقصد به تجريمهم او النيل منهم او التشهير بهم قناعة لا اساس لها من الصحة, ولا تبرير لها الا احساس البعض بأنهم اكبر من الخطأ واسمى من النقد. اعتقد أن قناعة هذا البعض بأن ما يكتب مقصود به اشخاصهم الكريمة هي قناعة تشي بمرض نفسي لا اكثر, وما على هؤلاء الاشخاص سوى طلب العلاج والارتفاع فوق هذا النوع من التفكير, هذا اذا كانت الرسالة غير موجهة لهم حقيقة, ولا يعنينا ان يفكروا فيها, اما اذا كانت الرسالة موجهة لهم, فإن الامر يجب ان يتجاوز دائرة الغضب والثورة, فنحن جميعا نتحدث عن مشكلة, وهنا من الافضل ان نبحث عمن سيصلحها وكيف يمكن تجاوزها, لا عن سبب كشفها وبحثها وتطاول الصحافة على نبشها. نعتقد بأن مهمة الصحافة ان تنبش في كل شيء وان تفتح كل الملفات التي تهم الناس وتصلح امورهم وتقوّم الفساد والخلل في المجتمع دون الدخول في تفاصيل شخصية وامور خاصة, فهذه ليست مهمة الصحافة الملتزمة, هذه متعة الصحافة الباحثة عن الفضائح والغارقة في نفوذ جماعات ذات مصالح معينة. ان الكاتب حين يتناول قضية معينة, ويتبنى اطلاع الرأي العام على خطوطها العريضة ومجاهيلها فانما هو يتحدث عن ظاهرة, وليس عن حالة بطلها فلان او فلانة, صحيح ان مجموع الحالات الحقيقية في الحياة حوله هي من صنعت الظاهرة, لكنه عند الشرح والتناول والكتابة يذهب الى مساحات اخرى حيث المصلحة العامة تلتهم كل الاهتمام لديه, وحيث تتوارى الاسماء والمسميات وصور الاشخاص. وتبقى في النهاية حقيقة ان الكاتب والصحفي ينسج من واقع لا من خيال, ويشرح واقعا مطلوب منه تشريحه ونقده وتقويمه, فهذه مهمته, اذن فليس من المنطقي ان نطالبه بالذهاب الى حكايات الف ليلة وليلة, ورحلات ابن بطوطة وجحيم دانتي وملاحم اليونان. على الكاتب ان يكتب وان يقول لان هذا قدره, وما على الآخرين ذوي الحساسيات الزائدة سوى افتراض حسن النية دائما.