الدكتور فؤاد زكريا كاتب ومفكر مصري كبير, وبما انه كاتب ومفكر مصري كبير, فهو اذن كاتب ومفكر عربي عظيم, ولذلك ادهشني كثيرا ماكتبه المفكر الكبير عن موقف البعض منا من المتهمين في قضية نسف الطائرة الامريكية فوق اسكتلندا والمعروفة باسم قضية لوكيربي. ووصف هذا البعض منا بأنهم لايزالون متأثرين بنظام القبيلة , فكل من يتعاطف مع هذين المتهمين وكل من يدافع عنهما فهو يعمل بقول الشاعر... فما انا الا من غزية, فان غوت غويت, وان ترشد غزية ارشد. لان غزية هي قبيلته ولا يلين برجل من القبيلة ان يخرج على قبيلته ولكن واجبه يفرض عليه ان يتبعها ويسير على دربها, ولا اعرف كيف فات على الدكتور المفكر ان ما يحدث من بعضنا ازاء قضية لوكيربي وقضية نسف المصنع السوداني وقبل ذلك نسف المصنع الليبي ونسف المفاعل النووي العراقي. تفرضه رابطة اقوى الف مرة من رابطة القبيلة, رابطة اسمها العروبة, فنحن العرب امة واحدة, كما يعرف الدكتور المفكر ومصيرنا واحد ووجيعتنا واحدة ووقوف البعض منا مع الشقيق العربي حتى المخطىء منهم ليس موقفا تفرضه العصبية والنظم القبلية ولكن تفرضه علاقات اخرى كثيرة, اهمها اننا امة محاصرة, كما انها امة مستهدفة, والهدف ليس سرقة جزء من اراضينا او الاستيلاء على مواردنا الاقتصادية او التحكم في قرارنا السياسي ولكن الهدف الحقيقي هو ابادتنا عن آخرنا والاحتفاظ بعينات منا لحشرهم في معسكرات سياحية ليتفرج علينا السياح من الاجيال القادمة, وكما فعل المهاجرون البيض مع الهنود الحمر! وهذا الشعور بعروبتنا هو الدليل الحي على اننا لازلنا نقاوم ولم نستسلم لمصيرنا بعد. وهذا الشعور يظهر احيانا في مناسبات تافهة كيوم فوز منتخب تونس على منتخب المكسيك بثلاثة اهداف, ويوم فوز منتخب المغرب على منتخب سكوتلاندا بثلاثة اهداف ايضا في مونديال باريس وفي تلك الايام سارت المظاهرات في بعض العواصم العربية واطلق المواطنون النار في بعض المدن العربية الاخرى ويوم وفاة الرئيس جمال عبدالناصر خرج الشعب العربي كله يبكي حزنا على القائد الذي رحل حتى في ظل النظم التي كانت تجاهر بالعداء لعبدالناصر وتتهمه بانه كان السبب في النكسة التي حلت بالعرب. ويوم 6 اكتوبر وبعد التأكد من عبور القناة وتحطيم خط بارليف خرج الناس يرقصون في الشوارع ويطلقون الصواريخ ويتبادلون التهنئة على النصر العظيم والذي ادى الى تحطيم اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر! انها العروبة ياسيدي الدكتور المفكر وليس القبيلة, خصوصا واعداءنا لايخفون مقاصدهم, فنحن متهمون دائما بالحق وبالباطل. عندما وقعت مأساة نسف المبنى الحكومي في اوكلاهوما تعالت الاصوات في وقت واحد من واشنطن ولندن تتهم العرب بنسف المبنى. وعندما سقطت الطائرة الامريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية, وبعد ربع ساعة فقط من سقوطها ظهر (خبير) في الارهاب على شاشة قناة (سكاي) البريطانية واتهم العرب بانهم وراء الحادث, ثم تضاربت الاقوال بعد ذلك فاتهموا ايران اولا ثم اتهموا سوريا بعد ذلك, ثم وجهوا الاتهام الى الجبهة الشعبية, ثم استقر الرأي في النهاية على اتهام شابين ليبيين هما المقراحي وزميله فحيمة, ويؤكد الدكتور المفكر ان اكتشاف الشابين جاء نتيجة العثور على شريحة معدنية بسيطة من حجم (القرش صاغ) ولانها لا تباع الا من جهة واحدة فقد عثرت اجهزة مخابرات الغرب على اسم احد الشابين في كشف المشترين ... ياسلام! هل هو فقط الذي اشترى الشريحة اياها؟ هل اشتراها امريكان وانجليز والمان وهنود وافراد من التوتسي؟ واذا كان هذا الشاب الليبي يعمل في جهاز مخابرات عربية, فهل هو ساذج الى هذا الحد ليشتريها باسمه وبجواز سفره الحقيقي؟ ألم يكن قادرا على استخراج جواز سفر آخر وباسم آخر؟ لو كان الغرب يعاملنا نحن العرب بالعدل لصدقناه, ولكن الغرب للاسف الشديد يعامل العرب بقانون خاص يجعلنا نتشكك في جميع قراراته خصوصا التي تتعلق بالعرب! في الاسبوع الاخير مثلا حكمت احدى المحاكم الاسرائيلية على شاب اسرائيلي بالافراج عنه بعد قتله لشاب فلسطيني في مدرسة ثانوية, في الوقت الذي تحتجز فيه اسرائيل عدة آلاف من الشباب الفلسطيني والعربي لمدد تجاوزت العشر سنوات لانهم القوا حجرا على سيارة اسرائيلية, الذي يقتل عربيا يفرج عنه بضمان عنوان سكنه, والعربي الذي يقذف سيارة اسرائيلية بالحجارة يدفن حيا لمدة عشر سنوات واكثر. المفاعل النووي الذي يقبع على مقربة من الحدود المصرية لا يحتج على وجوده احد اما المفاعل النووي العراقي الذي كان في بدايته يتم نسفه من اساسه حتى لا يشكل خطرا في يوم من الايام على امن اسرائيل. مصنع الادوية الليبي نسفوه لان الغرب ابدى شكوكا نحوه كما ان بعض الدوائر الغربية انتابها الخوف من ان يتحول يوما ما الى انتاج نوع من الغازات السامة, مصنع الادوية السوداني لم يثبت لدى اي مصدر انه ينتج غازا ساما والسودان طلبت من مجلس الامن ارسال لجنة لتفتيش بقايا المصنع المتهدم لمعرفة الحقيقة, ولكن الحكومة الامريكية رفضت الطلب السوداني وخضع مجلس الامن طبعا للامر الامريكي. ماذا تنتظر ياسيدي الدكتور المفكر من الشعب العربي؟ هل يجب على الشعب العربي المتهم دائما والمقهور دائما ان يصدق مزاعم الغرب ضده؟ واذا لم نفعل ذلك فقد يتهمنا البعض باننا نعيش في ظل القبيلة ونتمسك بنظامها, وبمنطقك هذا ياسيدي الدكتور المفكر سنجد انفسنا في مأزق لا مثيل له. فقد صرح النجم الكوميدي الشهير الخواجا نتانياهو بانه اذا اقدمت السلطة الفلسطينية على اعلان دولتها المستقلة شهر مايو المقبل فمعنى هذا الاعلان سقوط اتفاقية اوسلو, وهدد بانه سيقوم بضم اجزاء كثيرة من الضفة الغربية الى دولة اسرائيل ياميت حلاوة ياجدعان... اخيرا اعترف نتانياهو باتفاقية اوسلو طيب عيني في عينك كده! اين هي اوسلو ياخواجا؟ ومتى اعترفت بها ؟ وهل نفذت خطوة واحدة من خطواتها؟ ولو حدث ياسيدي المفكر ان اعلن الرئيس عرفات قيام الدولة الفلسطينية ثم اعلن نتانياهو سقوط اتفاقية اوسلو فهل سيكون لزاما علينا توجيه اللوم الى عرفات لانه كان السبب في عدم المحافظة على اتفاقية اوسلو؟ انها مجرد حجج يادكتور لنسف حقوقنا وحصارنا في الزاوية, ان الغرب قرر بعد ازاحة الشيوعية ان يتفرغ لازاحة الاسلام ولايمكن ازاحة الاسلام الا بازاحة العرب وهم يستخدمون كل الطرق والوسائل لتحقيق هذه الغاية, وهم تمكنوا من فتح بطوننا وبدأوا يعبثون في احشائنا. اسرائيل في قلب العالم العربي تعبث في ارضنا وفي جونا ما شاء لها العبث, والاكراد في العراق والبربر في الشمال والزنج في جنوب السودان وهم يلعبون الآن بورقة الشيعة والسنة على حدود افغانستان وايران وهذا الذي تراه سيادتك يادكتور وتصفه بانه سلوك قبلي هو لون من الوان الدفاع عن النفس, فنحن لا نصدق الغرب باننا وراء تفجيرات المبنى الحكومي في اوكلاهوما ونحن ايضا لا نصدقه عندما يتهم حماس وحزب الله بالارهاب, لان حماس لم تحتل فلسطين وتطرد اهلها وحزب الله لم يحتل شمال اسرائيل ولم يقم بطلعات جوية لقصف اهداف داخل اسرائيل يوميا ونحن لا نصدق الغرب عندما يتهم المصنع السوداني بانه مصنع لانتاج الغازات السامة ونحن لا نصدقه عند اتهامه للشابين الليبيين بانهما وراء اسقاط الطائرة الامريكية, ونحن بصراحة نفرح عند قيام حزب الله بعملية فدائية داخل الشريط المحتل, ونرقص طربا عند قيام حماس بضربة مؤثرة ضد الكيان الاسرائيلي. وبعد ما تراه ياسيدي الدكتور فؤاد زكريا من مظاهر القبلية في صفوفنا لا علاقة له بالقبيلة من قريب او بعيد ولكنها نتيجة الاضطهاد والضغط والحصار من جانب الغرب العنصري المتعصب وهو نوع من انواع الدفاع عن النفس وسط بحر المؤامرات التي تعصف بنا كل يوم انها ليست قبلية يادكتور ولكنها العروبة, العروبة يادكتور؟ هل تذكرها؟!