مع نشر هذه المقالة يكون ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز قد انهى نصف جولته العالمية التي يقوم بها حاليا بهدف الارتقاء بالوعي الدولي حول أهم عنوانين من عناوين امتنا العربية هما العروبة والاسلام . ولن تقتصر فائدة هذه الجولة على ما سيقوله هذا الامير العربي مما يختزنه في ضميره ووجدانه وحسب, وانما لقيمة ما سيقوله في هذا الوقت بالذات وما يحفل به من أحداث جسام تنذر بعواقب خطيرة. قبل التفصيل في شؤون هذه الجولة, لابد من الاثارة الى ان مجرد الشروع فيها, يعني ان الاوضاع الداخلية راسخة في المملكة وان قنوات المسؤوليات والصلاحيات فيها سالكة وآمنة, وان رأس السلطة فيها, خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز أمد الله بعمره, لم يغفل لحظة عن حكمة الحديث الشريف بالعمل للدنيا كما للآخرة, وان شرف المسؤولية بتحمل مهام السلطة لا يكتمل الا بالعمل على ضمان استمرارها عبر تداول طبيعي وشرعي. ومن هنا فإن الرسالة التي يحملها ولي العهد الى المجتمع الدولي والتي سيعمل على ايصالها الى (من يجهلوننا أو يتجاهلوننا) على حد تعبيره الملفت جدا, ليست من النوع العابر الطارىء القابل للتغير أو اعادة النظر, وانما هي من نوع الثوابت الاستراتيجية المستوحاة من الموروث من تراث مؤسس الدولة, المغفور له الملك عبد العزيز ومن المكتسب عبر التجارب المتعددة التي خاضتها الدولة. ولان الامير عبد الله يعلم مكانة السعودية ومكانها من الاسلام والمسلمين, كما يعلم مكانتها ومكانها في عالم الاقتصاد والنفط ودنيا المصالح المشتركة وتقاطعات هذه الابعاد كلها, حرص على ان يتضمن وفده هذا الرهط من اصحاب المعرفة والاختصاص. وهو بالقدر الذي اراد ان تتسم به رسالته من (صراحة في الحوار بهدوء ودون شطط وبمدخل واسع رحب غير متخاذل) اعرب عن امله بان تحقق جولته هدفها (فنعود وقد اعطينا باعتدال واخذنا به في كل قضايانا) . واذا كانت كلمة (قضايا) بحاجة الى تحديد أو توضيح, فإنها عندما تصدر عن الامير عبد الله تفقد هذه الحاجة, لما عرف عن سموه من مواقف ثابتة لم تهتز لحظة رغم كل التحديات والضغوطات, وبخاصة موقفه من العروبة والاسلام, ان ايمانه بوحدة الانتماء القومي ووحدانية المصير العربي وضرورة النهوض بهذه الامة ما بين محيطها وخليجها, مسألة لا تقبل النقاش أو الجدل, وليس سرا على احد انه كان باستمرار رجل المهمات الصعبة في محيطه العربي ورسول الوئام بين العواصم العربية والاسلامية التي يتمتع برصيد كبير فيها كلها. كما ان ايمانه بالاسلام السمح المتسامح, الرافض لكل ظواهر التشرذم والتفرقة, والمقترن بالحرص الشديد للدفاع عن صورة هذا الدين بالتصدي لكل من يحاولون تشويهه من جهلة او متجاهلين لنا في الخارج, أو من أدعياء متخلفين في الداخل, مسألة لا تقبل الجدل والنقاش, ولعل ما شهدنا في الفترة الاخيرة مما بذله من مساع ـ ولا يزال ــ لتطبيع العلاقات في منطقة الخليج, وخاصة مع ايران, ثم ما حققه من انجازات لانجاح آخر مؤتمر للقمة الاسلامية, ما يكفي للتدليل على موقفه هذا وما يذكرنا بسلسلة من المواقف العديدة المسجلة في سيرته السياسية الطويلة. ومن نافل القول التنويه بان الامير عبد الله هو كذلك ابن (المدرسة) السعودية الدبلوماسية, الشهيرة بالصبر والتؤدة وبالوعي العميق على مقومات الحياة السياسية والدولية وضرورة التعامل الرصين معها دون مقامرات أو مغامرات ولكن من (دون تخاذل) كما وردت عمدا في تصريحات الامير حول جولته وما يزمع ان يقيمه من حوارات, وذلك لكي لايساء تفسير كلمة (اعتدال) التي حرص كذلك على ايرادها, بسبب كثرة ما أسيء لهذه الكلمة في القاموس الغربي الذي بات يحجبها عن كل من يطالب بحق مشروع له أو يتصدى لمتعد اشر يكيل القيم بألف مكيال ومكيال. والآن, وبمعزل عن أي تفاؤل أو تشاؤم مسبق, ماذا نتوقع من هذه الجولة وأي ردود فعل قد تعكس؟ إن ما يدركه الذين (يتجاهلوننا) في الغرب وبخاصة بريطانيا والولايات المتحدة, والذين قد (يجهلوننا) في الغرب وبخاصة بريطانيا والولايات المتحدة, والذين قد (يجهلوننا) في الشرق كما في اليابان وكوريا الجنوبية والصين, فإنهم جميعا يعرفون ان ولي العهد السعودي, وان كان رسميا يتكلم بلسان السعودية, فإن صدى كلماته ومدى تأثيرها يتجاوز المملكة الى ماهو اوسع منها في بلاد العرب وعالم الاسلام, وان من لا يتأثر بمكانها ومكانتها الاسلامية لا يستطيع اغفال اهميتها الاقتصادية والنفطية والمالية. ومن هنا, من المؤكد انه سيكون لكلام الامير العربي المسلم وزنه الدولي الذي لاشك فيه خصوصا وان للمملكة سجلها السياسي الذي لا يمكن ابتزازه بسهولة أو اتهامها بالتطرف أو الارهاب أو حتى (الثورية) التقليدية. وبالتالي ليس بين طروحاتها السياسية ما يمكن تصنيفه في باب المغالاة او شروط الحد الاقصى, حتى فيما يتعلق بالجزء الحميم مما يعتبره ولي العهد السعودي من (قضايانا) . فعلى سبيل المثال, بماذا ينادي الغرب (الجاهل) أو الشرق (الجاهل) ـ اذا جاز اعتباره كذلك ــ ان يرد على موقف المملكة العربية من قضية فلسطين؟ اي تطرف ممكن ان ينسب للرياض حول هذا الموضوع, وهو تجسيد للموقف العربي والاسلامي بشكل عام؟ هل يتوقع من خادم الحرمين الشريفين أو من ولي عهده التنازل عن اولى القبلتين وثالث هذين الحرمين؟ ومن يكون المعتدل ومن هو المتطرف في أي حوار حول القدس, ذلك الذي رضي بالجزء بدل الكل, أم الذي أخذ الكل ويطالب اليوم بتوسيعه؟ وبماذا يمكن ان يبرر (المتجاهل والجاهل) استمرار الاحتلال الاسرائيلي خارج فلسطين, في كل من سوريا ولبنان؟ قد يقتنع (الاعتدال) السعودي بأن يغض الطرف عن مطالبة اسرائىل بدفع التعويضات عما الحقه عدوانها على القطرين العربيين وما أصاب شعبيهما من آثار الاحتلال وجرائم المجازر والقصف العشوائي, ولكن (اعتدالا غير متخاذل) يرفض استمرار هذا الاحتلال لحظة اخرى ولمجرد شبر من الارض. ولا أعتقد ان من بين (قضايانا) ماهو أهم وأقدس من قضية فلسطين ويهون كل ما دونها من خلاف بين العرب والآخرين, جهلة كانوا أم متجاهلين. غير ان في الأفق ثمة قضية خطيرة بدأت تلوح في السنوات الاخيرة, وبالضبط بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وابتداع الغرب, وامريكا بالذات, لخطر جديد يحل محل الشيوعية, وكأن هذا الغرب لا يستطيع العيش من دون شبح يهدده. وجيء (بالاسلام) بديلا عن (الشيوعية) فاصبح عقيدة الارهاب والارهابيين والخطر الذي لابد من ردعه ووأده في ارضه, هكذا تصدر الكتب الان في الغرب, وتكتب المقالات, وتروى القصص التي تتحول الى مسلسلات وصولا الى (كرتون) الاطفال. ولا أعرف مسألة التقى فيها الجهل مع التجاهل كما في هذه المسألة, وكأن الاسلام والمسلمين وجدوا بالامس القريب وليس منذ اكثر من خمسة عشر قرنا منها أكثر من نصفها ما يدعو العالم بأسره للاعجاب بالاسلام والمسلمين وما قدموه للثقافة والحضارة العالمية. ان الحملة العشوائية التي يشنها الغرب ضد الاسلام والمسلمين لن ترهبنا الى حدود التشكيك بتاريخنا ومعتقداتنا, ولن تنطلي على الواعين من ابناء امتنا تلك (الظواهر) التي تدعي الاسلام بعد ان خرجت علينا من معاهد التبشير المخابراتي, والامريكي منها بشكل خاص. ان ملفات دائرة المخابرات المركزية الامريكية, واخواتها من الدوائر المماثلة في اكثر من عاصمة من العواصم التي (تتجاهلنا) تحفل بأخبار وادوار هؤلاء الادعياء الزناديق ممن يلعبون لعبة اسيادهم لتشويه سمعة الاسلام والمسلمين وللتمهيد الى تمزيق روابط القربي والصداقة والتنسيق داخل المجتمعات العربية والاسلامية. ولن أسهب في موضوع اعتقد ان الغرب, وخاصة امريكا, تعرف ان الامير عبد الله هو آخر من يمكن خداعها حوله, لانه هو الآخر يعلم حقيقة الامر وفي العمق مما اصبح جزءا هاما من التجربة السعودية بكل دروسها وعبرها. وبعد.. لم يعد بيننا في دنيا العرب من لا يدرك ان التغيير في سياسة الغرب, وخاصة امريكا, تجاهنا لن يحدث من أجل خواطرنا أو سواد اعيننا أو قدرتنا على تعليم الجاهل او تنبيه المتجاهل. لا تغيير هناك الا بعد التغيير عندنا, وبداية هذا التغيير لا ان نقول كلمتنا ونمشي.. وانما ان نقولها ونقف عندها حتى تتحقق, ولابد لها ان تتحقق طالما هي كلمة حق وعدل لا افتراء فيها ولا عدوان, وهي للدفاع عن الذات لا للاعتداء على الآخر.