بعد ان أصبحت (القومية اليهودية)عنصرا حاسما في تحديد ملامح الحياة اليهودية في(الدياسبورا) (الشتات) , وبعد ان فقدت اللغة العبرية قدسيتها وأصبحت لغة الانتاج في الادبيات الاسرائيلية, أصبحت هناك ارهاصات لإنتاج عبري , شكل بداية فترة تأريخ اسرائيل, حديث, وهو ذلك الانتاج الذي كتب باللغة العبرية, أو بمحتوى عبري, مع ان اللغة التي يكتب بها قد تكون لغة اخرى, ويقصد به ذلك الانتاج الذي يكتبه اليهود في شتى انحاء العالم, وبمختلف اللغات, وعلى هذا الاساس, هناك تأريخ يهودي ــ انجليزي, وتأريخ يهودي ــ أمريكي, وتأريخ يهودي ــ فرنسي... الخ, اما التأريخ الاسرائيلي فيقصد به ذلك الانتاج الذي انتجه كتاب اسرائيليون في فلسطين, وهم يتعايشون يوميا مع الشعب العربي الفلسطيني المتشبث في ارضه وزرعه ومحراثه, ويتابعون في الوقت نفسه موجات الهجرات اليهودية الى فلسطين, ويرون بأنفسهم المبادرات الحضارية للعيش بسلام التي يقبل بها الفلسطينيون, وبالمقابل يتابعون باستمرار المواجهات المستعرة بين المستوطنين المتشددين اليهود من جهة والعرب الفلسطينيين الذين لا يملكون سوى المحافظة على ما تبقى من أرض لهم زرعوها, وتصبب عرقهم ليروي جذور زرعهم, فأنبت لهم في كل بقعة من فلسطين حكاية ومنزل. يقولون ان (الصورة تموت اذا لم نسقها ماء) و(المرأة لا تموت الا اذا توقف رجلها عن حبها) ويقولون: (الموت سيأتي) و(الموت يوشوش وصوته واطىء) . هذه هي الدعاية الصهيونية التي تشوه الوقائع أو تفسرها لمصلحتها, فصورتهم ستموت لأنها سلبية وماؤهم غير صاف لأنه يختلف عن باقي مياه البشر. اما المرأة فلن تموت, لأن حبهم زائف, وستبقى لتنتظر رجلها الذي لم يتوقف يوما عن حبها. اما الموت فهو بلاشك آت ليختطف بذرة فاسدة في ارض طيبة, والموت يوشوش وصوته بدأ يرتفع في كثير من الآراء التي يطرحها والتفسيرات التي يقدمها بعض ما يطلق عليهم: (المؤرخون الجدد) بصدد بعض القضايا, سواء ما كان منها متعلقا بالماضي أو ما كان متصلا بالحاضر, ولا نظن ان القارىء يتوقع منا حصرا شاملا لكل هذه الآراء والتفسيرات التي تبدو واضحة التأثير بالدعاية الصهيونية أو لتلك التي تتأرجح في كتاباتها بين الالتزام الصهيوني والبحث عن الذات, وحسبنا في هذا المقام ان نشير الى بعضهم, ليس لأننا نوافق على تفسيراتهم, بل من أجل ان نحرض على قراءتهم بعمق تحسبا من ان يخلط هذا (العاشق الجديد) أوراق الحكايات فيهدم المنزل ويغيب فطنة المرأة لإدراك فارسها, خاصة انه, وبعد مرور خمسين عاما على نكبة فلسطين وإنشاء الكيان الاسرائيلي, بدأ مستوطنو هذا الكيان بإلقاء نظرة جديدة الى ماضيهم, متشككين في حقهم المطلق تجاه العرب الفلسطينيين ومتسائلين عن كيفية بناء مجتمعهم. وتثير هذه النظرية الجديدة, التي تضرب عرض الحائط بالمسلمات والاساطير التي اقيمت حولها اسرائيل, معارضة ومقاومة داخل المجتمع الاسرائيلي والسلطة العسكرية الحاكمة, تجلت في الجدل الحاد الذي نتج في شهر نيسان (الماضي) من جراء عرض التلفزيون الاسرائيلي (القناة العامة) مسلسلا وثائقيا في الذكرى الخمسين لإنشاء اسرائيل. جدالات حول وثائق مرئية اتهم بعض الوزراء الاسرائيليين هذا المسلسل المؤلف من 22 حلقة بعنوان (تقوماه) (النهضة) بإضعاف معنويات المجتمع الاسرائيلي عبر التركيز على النقاط السوداء في تاريخ اسرائيل, وعبر اظهار تعاطف مع الفلسطينيين. وعبثا حاولوا ايقاف البث الاسبوعي لهذا المسلسل, لكن دون جدوى. وحول مطالبة بعض المسؤولين بتغيير احداث المسلسل, قالت الباحثة مور التشوللر: (أصبح الوقت متأخرا لأحداث تغيير المسلسل, علينا ان ننظر الى الامام, انا فقط استطيع ان آمل بأنه بعد 50 سنة من الآن ستكون نظرتنا الى تاريخ المشروع الصهيوني مختلفة) . ويقول المخرج روبين هاكر: (بصورة عامة المسلسل يعبر عن الواقع, ثمة انجازات كبيرة عبر عنها المسلسل, وكذلك؛ عيوب كثيرة, ولكن هذا جزء من نمو الدولة) . وتوافق الباحثة أمونا ألونا على رأي هاكر قائلة: (كان المسلسل محاولة جيدة لعرض ــ ومن وجهة نظر ناضجة ــ الحقيقة التي في كثير من الاحيان غير مريحة) , وأضافت: (لقد نظرت بإيجاب الى النقاش حول التراجيديا الفلسطينية, ان ما ازعجني هو انه لم تعرض مقاطع اكثر عمقا عن الحاضر الاسرائيلي) . وانتقد الوزراء الاسرائيليون ــ ايضا ــ بث فيلم تلفزيوني يظهر القمع الذي تعرض له الفلسطينيون عند قيام اسرائيل. وقد جندوا طاقاتهم لمنع بث فيلم وثائقي آخر حمل اسم النشيد الوطني الفلسطيني (بلادي ــ بلادي) , استخدم مخرجوه محفوظات منظمة التحرير الفلسطينية, غير ان معارضتهم لم تسفر سوى عن اضافة عنوان فرعي (في طريق الارهاب) الى عنوان الفيلم. وقد اثيرت عاصفة من الجدل والخلافات حول فيلم (بلادي ــ بلادي) , ففي بداية استعدادات التلفزيون الاسرائيلي للاحتفال بذكرى قيام اسرائيل, بدأ ببث حلقات فيلم (بلادي ــ بلادي) يوميا, وذلك في النصف الثاني من شهر نيسان (الماضي), مما اثار ضجة صاخبة ونقاشا مثيرا للجدل في الاوساط الاسرائيلية الداخلية, لأن احداثه وصوره جاءت شاخصة وخالية من البهرجة والرقابة الاعلامية, وخارج اطار الدعاية اليهودية. وقال منتج الفيلم, جدعون دروري: (ليس مهما ان يؤدي التقيد بالموضوعية التاريخة الى اغضاب البعض, المهم ان هذا الفيلم سيبث كاملا) . ويقول افنر بن عاموس, رئيس دائرة التربية في جامعة تل أبيب, تعليقا على بث الفيلم: (لقد خضع تعليم تاريخ اسرائيل طويلا لمفهوم مفاده ان لليهود حقا مطلقا في ارض وجدوها خالية بعد الفي عام في المنفى, اما اليوم, فللمؤرخين نظرة اقل بساطة, وباتت أعمالهم تؤثر على المناهج والكتب المدرسية) . ويصف أنتينا شابيرا رئيس جامعة تل أبيب السابق, وأحد المؤرخين الاسرائيليين المعروفين, المسلسل الوثائقي بالقول: (انه ليس عملا تغلب عليه سمة المديح والثناء لأنه يصعب القيام بإنتاج فيلم دعائي الطابع في هذه المناسبة من عمر اسرائيل تحكمه دعاية الوكالة اليهودية) . وتصف باربارا ديميك مراسلة (انكويرر صنداي ماجازين) الامريكية, المسلسل بأنه (جاء في وقت تشهد فيه اسرائيل انقساما حادا حول مستقبلها وتباينا في وجهات النظر حول اسطورة ماضيها, حيث تدور مناقشات وحوارات حادة في أروقة الجامعات من تل أبيب الى القدس على مدى عشر سنوات, ويرى من اطلق عليهم بالمؤرخين الجدد في اسرائيل انه يجب الخروج من دائرة تعليم تاريخ اسرائيل الضيقة التي تعطي أوصافا بالتمجيد والانتصار الباهر بدءا بالمذبحة ــ الهولوكوست ــ الى نهاية المطاف بإنشاء الدولة العبرية الحديثة بدون التوقف عند بعض اللحظات الزمنية غير المشرفة أو الجديرة بالثناء. وما يميز الحلقات التلفزيونية انها تخرج بالمناقشة والحوار من محيط الملاذ الاكاديمي النظري الى بيوت ومنازل الشعب) . ويرى بيني موريس, وهو من اكثر المؤرخين الاسرائيليين الجدد انفتاحا في طابعه النقدي للتأريخ الاسرائيلي, ان الحلقات التلفزيونية لفيلم (بلادي ــ بلادي) : (ستكون المركبة والآلية التي يستطيع من خلالها المؤرخون الجدد الوصول الى عامة الشعب,, وسيكون لها تأثير كبير على المجتمع الاسرائيلي وذاكرته أكثر من الكتب والصحف) . ويتابع موريس: (انه على مدار أربعين عاما كان المجتمع الاسرائيلي متناغما ورقيق المشاعر, اذ صب المؤرخون جل اهتمامهم للترويج لاستراتيجية تكوين الدولة وتثبيتها, ولكن في عقد الثمانينات بدأنا نكتب بانفتاح أكبر وطابع تقديري كان يلقى استحسانا من صفوة رجال الفكر والثقافة والسياسة) . ويتناول الفيلم عروضا مصورة للهجرة اليهودية الاولى الى فلسطين, واحتلال اسرائيل لمدينة القدس القديمة خلال حرب 1967, كما يتعرض الفيلم في احداثه الى قتل العشرات من الفلسطينيين في قرية كفر قاسم بالجليل الاعلى, على ايدي القوات الاسرائيلية, لانتهاكهم حظر التجول. ويصور الفيلم جنودا اسرائيليين يكسرون ذراع سجين فلسطيني بالحجارة الصلبة, كما أظهر, وبوضوح, جنودا اسرائيليين يطوقون فلسطينيين ويكسرون أذرعهم وأرجلهم بطريقة استفزازية, بحجة تلقينهم درسا, مما أثار ضجة محلية وعالمية, ودفع بسلطات الامن الاسرائيلية إلى محاكمة ضباط تورطوا بهذا العمل. كاتب وباحث سياسي*