ليبيا منزعجة جدا من الدول العربية لأنها لم تخرق الحظر ولم تصل في تأييدها للموقف الليبي حد تأييد منظمة الوحدة الأفريقية . إذا ما الذي يجب أن يقوله العراق أو تقوله دول أخرى بحثت طويلاً عن التأييد العربي ولم تجده؟! لا خلاف في أن من حق الليبيين أن ينتقدوا الموقف العربي الضعيف والمتراخي بنظرهم, فهم في النهاية يتطلعون الى نصرة ومساندة أشقائهم العرب لهم في المحن والأوقات العصيبة بالذات. هذا من حقهم, وهو واجب على العرب. لكن هذا الموقف العربي ليس وليد اليوم, وهو لم يتبلور خصيصا لكي يفاجئ الليبيين أو يحبطهم أو يشعرهم بأنهم وحيدون في حلبة الصراع مع واشنطن او لندن. وانما هو وليد عقود من التشتت والتمزق والمعادلات والمواقف التوفيقية بين وجهات النظر العربية الرسمية. وحتى ليبيا نفسها ساهمت مع غيرها من الدول العربية, مدركة كانت ام غير مدركة في الوصول الى هذه الحالة. وفيما يتعلق بالمشكلة الجديدة, فلعله واضح ان امتناع الدول العربية عن خرق الحصار المفروض على ليبيا ناتج وقبل كل شيء من وجود حصار اخر على العراق, ينبغي هو ايضا ان يخرق في هذه الحالة. فلو صوتت الجامعة العربية, كما فعلت منظمة الوحدة الافريقية على قرار بكسر الحظر على ليبيا. ولو قام بعض الزعماء العرب بزيارة ليبيا بطائراتهم الخاصة وليس برا عبر تونس. فان الخطوة الطبيعية القادمة ستكون قرارا بكسر الحصار الظالم المفروض على العراق, وذهابهم الى بغداد مباشرة دون المرور بعمان. وهذه المشكلة من الصعب ان تتفق عليها الدول العربية حاليا, صعوبة اتفاقها على زعيم واحد وعملة واحد وعلم واحد. اذا لم يكن هناك شيء مفاجىء او جديد في الموقف العربي يستحق ان تستشيط بسببه طرابلس, المفترض انها بحكم عضويتها في الجامعة العربية وخبرتها الأوتوماتيكية في العمل العربي, تدرك وتعرف بالضبط كيف تتصرف الدول العربية في مثل هذه المواقف والأزمات. كل ما في الأمر إذا أن ليبيا بالغت في السابق في اعتمادها على بعض الطروحات والمبادئ والأفكار. وهي مبادئ وأفكار نبيلة وعظيمة دون شك, لكنها للأسف ليست متداولة هذه الأيام, وليس هناك من هو مستعد للتضحية من أجلها. وغير ذلك فقد كان ذلك قرارا ليبيا بحتاً بالمناسبة, لم تؤيده ولم تعارضه كذلك الدول العربية, ولذا لا تساءل فيه أو عليه. ونحن نفترض أن ليبيا كانت مقتنعة تمام الاقتناع ومؤمنة تمام الايمان بما انتهجت ونادت ودعت, وفي هذه الحالة فانه يتوقع من المقتنع والمؤمن أن يدافع عن أفكاره ومبادئه حتى النهاية, ولا ينتظر مقابلا من أحد. وبالطبع فان أحدا لم يكن ليتوقع أن يكون رد الفعل الليبي هو إعلان الانعتاق من الإطار القومي العربي والانتماء إلى أفريقيا. فليبيا كانت وستظل جزءا من افريقيا وهي عضو في منظماتها الاقليمية والقارية, ولن يزيدها إعلانها الجديد افريقية, كما انه لن ينقص من عروبتها شيء, لأنها لايمكن إلا أن تكون كذلك. فأين الجديد إذن؟ إن الدول مثل الأفراد حتى وان أرادوا, لا يستطيعون تغيير أشكالهم وألوانهم وأنسابهم, وكذلك الدول لا تستطيع أن تنسلخ من (جلدها) الاجتماعي والحضاري والثقافي والسياسي. ولذا فان التوجه جنوبا نحو افريقيا لايمكن أن يكون خيارا بديلاً عن الرابطة العربية. فالمسألة ليست مسألة جغرافيا فحسب, وانما هي مسألة تاريخ وثقافة مشتركة وانتماء قومي ولغة وعادات .. و.. وأمور كثيرة أخرى. أي ان المسألة تتجاوز بكثير موقفا سياسيا هو في نهاية المطاف موقف عابر بحساب الزمن وتجارب الشعوب. لذلك فانه مهما حدث سيظل مكان ليبيا الطبيعي هو بين أشقائها وشقيقاتها العربيات وليس في أفريقيا, رغم ان انتماءها الافريقي لايضر في عروبتها في شيء. كاتب وصحافي بحريني*