كان أمامي هذا الاسبوع ثلاثة موضوعات اعتبرها اساسية في مجريات الاحداث الاقليمية, كل منها اثر في نفسي بطريقة ما, وددت ان اكتب فيه . الموضوع الأول هو ما نشر في الصحف العربية والعالمية في وسط الاسبوع الماضي وقرأته في احدى الجرائد الدولية وكان إلى جواره بنفس الصفحة مقال مكمل للأول, ويتضح هذا التكامل في عنواني المقالين حيث الاول (كازينو الواحة في اريحا يفتح ابوابه غدا) والثاني (اسرائيل تختبر صاروخا مضادا للصواريخ قريبا) هذان الخبران لهما دلالة لا تخفى حتى على ابسط المتابعين سياسيا, والمفارقة ان ينشرا في اليوم نفسه وفي نفس الصفحة, وهو موضوع قد أعود اليه في وقت لاحق. اما الموضوع الثاني الذي قرأته وكان منشورا في صحيفة الهيرالد تريبيون الدولية وسط الاسبوع الماضي ايضا فقد كان عنوانه (صدام المراوغ لم ييأس من انتاج السلاح النووي) واهمية هذا المقال الدراسة ان كاتبه هو خيري حمزة, وهو من كبار العلماء العراقيين في هيئة الطاقة النووية العراقية, قبل ان يلجأ اخيرا للولايات المتحدة, وفي هذه الدراسة من الاسرار ما يستحق ان يعلق عليه ويلفت اليه النظر. اما ثالثة الاثافي فقد كانت قضية الصراع في افغانستان, وهو صراع متجدد وينذر بخطر وخيم, وقد فرض نفسه علي بسبب خطورته رغم اهمية الموضوعين السابقين اللذين أشرت اليهما من قبل. اهمية الصراع في افغانستان اهمية ايديولوجية وسياسية وعسكرية اقليمية, تتلخص فيما اسميه محاولة فرض اليقين السياسي في عصر يتجاوز اليقينيات السياسية الى التعددية وقبول الحوار, وفرض الهيمنة الاقليمية في عصر تنفر الشعوب فيه من الهيمنة, وهو صراع قد يؤدي إلى الدخول في حرب اقليمية يمكن ان تستنزف بقية الطاقة المختزنة لشعوب منطقة غرب آسيا والخليج. لهذا فان ما يحدث في أفغانستان جد خطير ويتطلب اعمال ليس الفكر وحده بل الفعل ايضا والمتمثل في التحرك السياسي المناسب. توشك حركة طالبان ان تسيطر على كامل التراب الافغاني عسكريا, وستحاول الحصول على الاعتراف السياسي والاقليمي بها لتأكيد سيطرتها على كل افغانستان, وهي تحمل تصورا للتطبيق السياسي, والاجتماعي يضيق باجتهاد الآخرين خاصة المخالفين في المذهب الاجتهادي من الفئات السنية غير المتفقة مع اجتهادات طالبان, او الفئات الشيعية التي لديها اجتهادات اخرى, كما ان المتشددين الباكستانيين يقومون بدعم نشاط هذه الحركة لأسباب فئوية أو مصلحية تتناسب مع تطلعات الدولة الباكستانية في تلك المنطقة من العالم. طالبان الخارجة من رحم الحرب الباردة والمؤسسة على قيم التعصب واقنعته المختلفة, والمدعومة ــ كما تقول التقارير ــ بمصالح تجار المخدرات, تتجاوز بما تراه يقينيات شروط الدولة المعروفة الى تركيبة غريبة او غامضة تريد ان تقيمها في افغانستان مفارقة للعصر والدولة الحديثة, وستظل ألما في الرقبة كما يقال للدول المجاورة الاسلامية والعربية على وجه الخصوص. كيف ستتعامل الدول الخليجية مع حركة طالبان بعد طلب تأهيلها السياسي المتوقع؟ وهناك مخاطر كامنة في تركيبتها السياسية, منها ما له علاقة بالايديولوجية التي تطرحها للحكم ومنها ما يتعلق باحتضان اشكال التطرف, ومنها كذلك فرض قناعة واحدة على الشعب الافغاني الذي سوف تظل شرائح منه ترفض هذا الشكل من اليقين. كما ان وجود يد باكستانية ذات دفعة كبيرة أو صغيرة وراء قوة طالبان ومهما كان نصيب هذا الأمر من الحقيقة فانه يشكل سؤالا مهما من المفترض ان يوجه وهو: ما هي الاسباب الكامنة في شبه القارة الهندية التي دفعت باكستان الى صناعة (وحش اقليمي) ؟ وهل هذه الأسباب داخلية ام خارجية؟ وهو وحش مثل الكثير من الوحوش قد يرتد على صانعه؟ ولم تعد العلاقات الدولية تؤمن بمقولة (كن أسدا وكلني) بل تؤمن دائماً بمقولة (كن أسدا وكل غيري) , فالرقم الباكستاني والسؤال عما يريد الباكستانيون على وجه التحديد ازاء شبه الفوضى السائد والمغلفة بلغز كبير سوف يحدد الكثير من ملامح موقف الآخرين ومنهم أبناء إقليم الخليج العربي. بمقتل الدبلوماسيين الايرانيين في مزار شريف, والذي دفع وزير خارجية ايران لأن يلتقي بمثيله الامريكي لأول مرة, وبتدخل آلية الامم المتحدة, وبحشد مشهود للقوات الايرانية على الحدود الايرانية ــ الافغانية على خلفية تأجج المطالبات الشعبية الايرانية بالثأر, فان هناك احتمالا لاشعال فتيل حرب قد تتحول الى حريق في المنطقة, وتجر الى صراع اكبر قد يكون باكستانيا ــ هنديا وربما تركيا أيضاً, هذا الصراع وبخلفية القوى النووية الكامنة فيه ينذر بوضوح انه لن يترك ناجيا من هذا الحريق, وعلينا ان نضع السؤال في نصابه وهو اين موقفنا من كل ذلك؟ بعض دول الخليج بادرت بمحاولات لتهدئة الوضع, ولكن هذه المحاولات تحتاج الى متابعة وتحتاج قبل ذلك ايضا الى رؤية جماعية لخطورة الموقف. من المخاطر الأخرى الواردة في الاشتباك المنتظر تطور مسألة الصراع الطائفي الذي ذر بقرنه الآن في أفغانستان, وهو ان تضمن صراعا سياسيا فسيعيد الينا تاريخ المذابح على مر التاريخ بين فئات المسلمين في عصر لم يعد يعبأ كثيرا بهذا النوع من الصراعات, وسوف يقف العالم يتفرج عليها حتى تنطفىء النار بعد ان تتحطم القوى كلها على صخرة الصراع العبثي, وفي وضع مثل هذا بالتأكيد سوف تتحول بعض النيران الى منطقتنا التي تتقاذفها المصالح والتي قد يجد البعض خلالها تحقيقا لبعض مصالحه بمد هذا الصراع الينا. كل ما سبق من أسئلة من المفترض الاجابة عليها, حتى لا نجد أنفسنا غارقين في مستنقع لا يعرف أحد كيف الخروج منه, والاجتهاد المقترح ــ حتى لا نشير إلى المأزق دون تقديم بعض الاجتهادات ــ يتكون من أربع خطوات: الأولى: تتركز في أنه لابد من فتح قنوات خاصة خليجية لتقصي الحقائق مباشرة في تلك المنطقة من العالم ودون المرور او التقيد بآراء طرف ثالث, فقد ذهبت بعثات الامم المتحدة الى افغانستان وخرجت منها دون طائل او رؤية سياسية, وباءت كل الوساطات بالفشل, كما ان الوسطاء لهم اجندتهم السياسية الخاصة بهم, ولابد للخليج من ان يكون له قناة معلومات وافية وواقعية لمعرفة الحقائق على الارض. الثانية: انه لابد ان ينأى الخليج العربي الصغير بسكانه عن زج نفسه في هذا الصراع سواء عبر الاستقطاب الباكستاني او الايراني او في الحسابات الدولية الخاصة (مثل صراع شركات النفط الامريكية والفرنسية التي قد تكون سببا وراء توهج الصراع وحدته) . الثالثة: هي البعد بوضوح ودون لبس عن اثارة النعرات الطائفية التي قد تخرج بعض اطروحاتها من افغانستان لتصب في مصالح ضيقة وخاصة للبعض, وهو بعد خطير لابد ان ننأى عنه حتى عبر المعالجات الصحفية, والاعلامية الخليجية في معرض تعليقاتها المختلفة على تطور الصراع واحتمال تفاقمه, لأن الاشتراك في هذه المعزوفة الطائفية المبتذلة سيعرض امننا في الخليج الى الخطر الفادح. الرابعة: تتمثل في فهم ان الخليج ليس في عجلة من امره ازاء مطلب التأهيل السياسي لطالبان, وايضا لابد من عدم قطع شعرة معاوية مع الفئات المختلفة حيث لا احد في الخليج له مصلحة في تغليب فئة افغانية على اخرى, وفتح الباب امام الحوار مع الجميع سيشكل في المستقبل دافعا للحوار الخليجي ــ الافغاني, كما سيشكل جدية الاهتمام الخليجي بالوضع الافغاني دون اضرار بالمصالح المشتركة. ما يجري في افغانستان خطير كما قلت سابقا وهو يزداد خطرا في ظل ابعاد الجغرافيا السياسية شديدة التأثر والتأثير والمرجو الا يفهم احد ان اجراس الانذار التي تدق بقوة في غرب القارة الآسيوية, انها تدق بعيدا وتعني البعيدين, فهي أقرب ما تكون منا.