نميري بين الماضي والحاضر: بقلم- قرنق دينق اقوير

من وقت لاخر وربما يقصر الزمن بين الوقتين او يطول, تأتينا الانباء بخبر عن الرئيس السوداني الاسبق جعفر محمد نميري, ورغم الدور المؤثر الذي لعبه نميري في الساحة السياسية السودانية , الذي اصبح تاريخا موثقا ضمن التاريخ السوداني الحديث, ذلك الدور الذي امتد 16 عاما, الا انه سرعان ما بدأ النميري في محو كل التاريخ بنفسه بسبب الجمود شبه التام الذي ادخل نفسه في دائرته والذي صيره كالمنعزل عن الاحداث السياسية وغير السياسية في وطنه زعيما في مكانته كون لنفسه تنظيما سياسيا (الاتحاد الاشتراكي) حكم البلاد والعباد قرابة عقدين من الزمان, كان الاجدر به الا يستسلم للضعف والركون والاستكانة في المهجر طيلة هذه الفترة (1986 ـ حتى الان). اخر الانباء عن نميري جاءت في جريدة الخليج في العدد 7049 بتاريخ 6/9/1998 ص (12) وملخص الخبر ان نميري يسعى للتوسط بين واشنطن والخرطوم وانه يثني على المعارضة السودانية ثناء طيبا لانها عقدت اجتماعها الاخير في القاهرة بدلا عن اسمرة. نحن نتساءل: هل امريكا تحتاج فعلا لوساطة نميري لكي تبدأ في تحسين علاقتها مع الخرطوم؟ الاغرب في الخبر ان نميري ذكر الامريكان بأن السودان سيحتل مركزا عالميا باكتشافه للبترول واستغلاله لهذه الثروة الغالية فيجب عليهم ادراك ذلك جيدا. ثم هل تتناسب مثل نغمة نميري هذه بما يمر الان بين اجواء البلدين (امريكا والسودان) من رياح مسمومة بسبب مخلفات الضربة الصاروخية الامريكية لمصنع الدواء السوداني؟ نقول ان امريكا ادرى بمصلحتها من اي جهة اخرى وهي لا تحتاج لمن يحثها على البحث عن مصالحها. وجميعنا نعرف علاقة نميري مع امريكا تلك العلاقة الوثيقة المتينة التي امتدت لسنوات طوال, فماذا جنى نميري من تلك العلاقة؟ لاشيء غير انه في اخر رحلة له لامريكا واثناء وجوده في عاصمتها, بدأت انتفاضة ابريل 86 الشهيرة في الظهور شيئا فشيئا حتى انقلب عليه الشعب بدعم لم يسبق له مثيل من القوات المسلحة السودانية واطاحوا به وهو عائد في الاجواء من واشنطن! فماذا فعلت له امريكا او ماذا فعلت به؟ مشكلة نميري انه وصل الى نقطة في الحكم, لم يدرك عندها اين تكمن المصلحة الحقيقية لوطنه.. والان ها هو من المهجر يبحث عن مصالح للاخرين في السودان! لقد لعب نميري بمشاعر اهل السودان حينما ظل اعلامه المكثف يقذف بمئات من الاناشيد التي تمدحه شخصيا وتمدح ثورته المباركة (ثورة مايو) وكلنا لانجهل تلك الصور التي كانت تنزل بغزارة على شاشات التلفاز السوداني وصفحات الصحف الحكومية وهي توهم الناس بالتطور والتنمية التي تشهدها ربوع البلاد, لقد استغل نميري الفراغ الدستوري والفراغ الوطني والفراغ السياسي والفراغ العلمي والمعرفي, كل تلك الفراغات التي انتفخت في مجتمعات الوطن كبالونات هائلة معلقة في الهواء, استغلها افضل استغلال وبدهاء ومكر شديدين مما مكنه من البقاء في الحكم طيلة كل تلك المدة (16 سنة) انه الان يجهل ما يحدث بالتحديد من امور في وطنه اكثر من جهله عندما كان في سدة الحكم, بسبب بعده وخوفه عن ومن الواقع وهو شكل طبيعي لا نستغربه, ولكننا نستغرب تلك اللامبالاة وتلك الهامشية اللتين اصبحتا ملازمتين له منذ ان هرب من البلاد في 1986 وحتى الان ولا ندري الى متى! طالعتنا مجلة الشرق الاوسط الانجليزية (الناطقة بالانجليزية) في عددها رقم (126) بتاريخ ابريل 1985 في ص 11 بعنوان يقول (CAN NIMAIRI SURVIVE) (هل بامكان نميري التغلب على المشاكل) اي المشاكل التي واجهته بشدة في فترة حكمه القصيرة الاخيرة. تلك المشاكل التي لخصتها المجلة في الاتي: 1 ـ خلافه مع حلفائه الاخوان المسلمين وخصامه معهم. 2 ـ عدم توفقه في كسب ود الحركة المتمردة في الجنوب التي بدأت تضرب فيه بعنف. 3 ـ فقدانه لاي حليف داخلي يدعمه ويقوي من شوكته. بالفعل لقد فقد نميري دعم الحركة الاسلامية له عندما بدأ يشكك في ولائها له ثم طرد زعيمها الشيخ حسن الترابي من منصبه في مارس 1985 وهو الذي كان يتولى منصب مستشار رئىس الجمهورية للشؤون السياسية الخارجية, ولم يكتف بطرده من الحكومة بل قبض عليه وزج به خلف قضبان السجن, انقلب النميري على جماعة الترابي وهي نفسها الجماعة التي خططت له لكي يصبح اماما للمسلمين, بعد ان اقنعته بتطبيق القوانين الاسلامية التي اشتهرت باسم (قوانين سبتمبر) وتقلب امزجة نميري السياسية لم تنحصر في هذا الحدث فقط بل انه ومنذ قيامه بانقلاب مايو 1969 العسكري مع بعض الضباط من الجيش من رفقاء السلاح بدأ ثورته كاشتراكي ثائر على نظم الرأسمالية والليبرالية.. اراد تبديلها بالخط الاشتراكي لاسعاد اكبر قدر من الجماهير السودانية, ولكن سرعان ما انقلب على جماعة الحزب الشيوعي السوداني في غضون اقل من عامين وشتت شملهم ومزق اوصالهم وحاربهم بشدة ليتجه 180 درجة نحو الغرب وابو الغرب الجديد بالتحديد (امريكا) ليرمي بنفسه في احضانه. ثم انقلب على الانصار (انصار المهدي) وحاربهم بشدة وشتت شملهم وقتل زعيمهم انذاك في بداية السبعينات الامام الهادي اشعل ضدهم حربا كانت ستكون اهلية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ولكنها انتهت سريعا على اية حال وقد هرب زعيم حزب الامة الجناح السياسي للانصار الصادق المهدي وكبار رفقائه الى الخارج تحاشيا لبطش نميري. وعندما لاحظ نميري ان التمرد الجديد في الجنوب الذي بدأ منذ عام 1983 بدأ يكسب له ارضية جيدة في اوساط الجنوبيين بعد ان جاء متزامنا مع تفكك عناصر التمرد وهي حركة (SPLA) (الحركة الشعبية لتحرير السودان) التي يتزعمها الى الان (العقيد جون قرنق) قال للحركة انه يود ان يقيم معها معاهدة واتفاقية سلام وبالطبع فشل في ذلك لان الحركة اصلا قامت بسبب خرق نميري لاتفاقية (اديس ابابا 1972) للسلام والتي بموجبها اصبح الجنوب يتمتع بالحكم الذاتي وهو عبارة عن اقليم واحد. فمنذ بداية الثمانينات اصبح نميري يتشكك من القدرات التي اصبح الجنوبيون يتمتعون بها تدريجيا من تعليم وثقافة وتقدم بسبب الانفتاح الجيد الذي خلقته لهم اتفاقية 1972 فبدأ يتلاعب في بنود الاتفاقية شيئا فشيئا حتى امر بتقسيم الجنوب الى ثلاثة اقاليم وهي القشة التي قصمت ظهر البعير فثارت حفيضة الجنوبيين وثاروا وتمرودوا ودخلوا الغابة تحت مظلة الـ (SPLA) هم قالوا له: انت خنت مرة فمن يضمن انك لا تخون العهد مرة اخرى؟ قال لهم انه مستعد ان يعين زعيم الحركة جون قرنق من منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية حتى يبرهن لهم مصداقيته في خلق سلام جديد معهم ولكنهم رفضوا ومضوا في حربهم ضده. كانت اشد النتائج السلبية التي خلقتها حركة التمرد في الجنوب: الضغط على اعمال التنمية المتمثلة في استخراج البترول وحفر قناة جونقلي المائية, حتى توقفت تلك الاعمال في الجنوب تماما بعد ان هربت الشركات الاجنبية العاملة خوفا على ارواح خبرائها واموالها.. فزاد ضعف نميري وبدأت نهايته تلوح في الافق منذ تلك اللحظات. وفي لحظة ما وجد نميري نفسه بلا حليف داخلي يدعمه, ويقوي من شوكته التي بدأت تلين وتلين , لم يجد الحليف لانه حارب الكل! اصبح نميري في ايامه الاخيرة.. وحيدا يتلفت حوله كالمجنون فلا يجد ويعي شيئا فأسرع بالطيران للحليف الخارجي الاكبر (امريكا) ولكن هيهات! انه اصبح اماما للمسلمين فإما يتقدم نحو الامام بامامته هذه او يتوقف ويعود الى الخلف.. وبالطبع تقدمه للامام بدون الترابي الذي لعب دورا كبيرا في امامته هذه.. يستحيل اما عودته الى الوراء بالتأكيد ستذكره ايام كانوا يقرفون من (الاياك) قرفا لكي يرتوي ظمأهم ثم يفعلون بعد ذلك ما يحلوا لهم. واخيرا ولنا الحق في ان نتعجب ايضا من تفضيله (حسبما جاء في الخبر) من اقامة اجتماع المعارضة السودانية في القاهرة بدلا عن اسمره فأولا يقفز الى ذهننا سؤال ملح: ما هو موقف نميري السياسي الان وهل هو مع الحكومة ام مع المعارضة؟ احيانا يبدو من اقواله انه مع الحكومة واحيانا يبدو انه مع المعارضة.. ثم ما هو الوزن الحقيقي للنميري الان حتى تتاح له الفرصة في لعب دور حيوي في الساحة السياسية السودانية بعد ان تخلى عن اكبر مساعديه ورفقائه امثال القائد الجنوبي ابيل اللير وبدر الدين سليمان وغيرهما من الذين بدأوا معه (ثورة مايو) وظلوا بجانبه حتى نهايتها؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات