في كثير من المسلسلات التليفزيونية, او افلام السينما لا يندر ان نسمع حوارا بين ممثل كبير في السن واخر في سن الشباب يتحدث اولهما بزهو يخالطه اسى وتحسر عن جيله العظيم والقيم النبيلة التي كانوا يتحلون بها والهدوء والجمال والرضا الذي كان يصبغ الحياة كلها بالوان رائعة . وربما يستطرد الاب أو الجد قائلا: هل استطاع جيلكم ان ينجب امثال طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب الريحاني وام كلثوم وعشرات من امثال هؤلاء او اقل منهم قليلا في مختلف المجالات؟ وهذا المعنى ليس جديدا تماما انه يدور على الالسن منذ وقت طويل ولكنه لم يعد يقتصر على وجهات نظر تدور على السنة بعض الكتاب والمفكرين والباحثين الاجتماعيين والمواطنين الصالحين, او تكون محورا لاعمال فنية على شاشات السينما والتليفزيون. وانما اصبح موضوعا عاما يتناوله كثير من الباحثين بالبحث والاهتمام تحت عنوان عام هو مستقبل الطبقة المتوسطة, او الطبقة الوسطى في تعبير اخر طبعا هناك دراسات كثيرة ومن وقت طويل حول الطبقات ونشأتها وعلاقاتها ومن بين هذه الطبقات الطبقة المتوسطة. وكان للنظرية الماركسية بالذات, النصيب الاكبر من تشريح الطبقات وتحليل تركيبها وبنيتها وموقعها من الانتاج, وكان مفهوم الصراع الطبقي اكثر المفاهيم التصاقا بالنظرية الماركسية والحركة الشيوعية. ولكن المتغيرات العالمية والمحلية والاقليمية القت بظلال كثيفة على طابع الطبقات جميعا واساسا الطبقة المتوسطة, تلك الطبقة المعروفة تاريخيا بانها منبع الفنانين والزعماء والفلاسفة وقادة المجتمعات. وربما يكون الكاتب الكبير الراحل احمد بهاء الدين, اول من تنبه حديثا للسوس حين بدأ ينخر في الطبقة المتوسطة المصرية ويمتص حيويتها وميزاتها الاساسية التي تصنع تأثيرها واستمرارها, ونعتها بتعبير (حملة مشاعل التقدم) منذ مايقرب من عشرين عاما. ولكن تحلل الطبقة المتوسطة, في العقدين الاخيرين بشكل خاص اصبح واضحا ملموسا وشغل عددا من الباحثين, بل ان باحثا اقتصاديا مرموقا كالدكتور رمزي زكي, الف كتابا خصصه كله لهذا الموضوع جعل عنوانه: (الطبقة الوسطى وداعا: تأملات في الثورة الصناعية الثالثة والليبرالية الجديدة) . غير دراسات اخرى كثيرة عربية وغير عربية, تناولت هذه الطبقة التي كانت توصف دائما بالديناميكية والطموح والقدرة على الاستشراف, تناولتها من زوايا مختلفة وتنبأت لها بمصائر متباينة. ومهما تكن وجهات النظر المختلفة في التوصيف والتحليل فان الاجماع كان منعقدا على انفراط عقد هذه الطبقة, وفقدانها للقيم التي قامت عليها وفي مقدمتها قيمة العمل المتفاني والالتفاف حول هدف والاحتفال بالانجاز الحقيقي وثبات دخولها المادية. من هم؟ لم تعد تلك هي اللبنات التي يقوم عليها صرح الطبقة المتوسطة, تغير تركيبها واختلط فيها القديم والجديد والاصيل والوافد وضاع من يدها ميزان التقييم. وقبل الاستطراد في حديث عن الوضع الراهن للطبقة المتوسطة, نشير بايجاز انها تلك الطبقة التي تشغل موقعا وسطا بين المالكين الكبار وبين الطبقة العاملة. ولكنها ليست قالبا واحدا بل انها تنقسم في الغالب الى شرائح عليا ووسطى ودنيا وكلا منها يتمسك باهداب التوسط, يحرص الا يهبط قليلا او كثريا فينضم الى الطبقة الادنى, وقليل منهم من يصعد الى الاعلى. وتتميز هذه الطبقة بانها تعتمد على عملها, تعيش عليه وتتشبث به, ولذلك فمن سماتها اعتمادها على التعليم, كوسيلة للتمكن من مهارة ووظيفة هي مناط وجودها وتقدمها. وهي اكثر من غيرها تمسكا وتطبيقا لقيم معينة, ارتبطت اساسا بهذه الطبقة, حتى لتنصرف كثيرا كلمة القيم الى قيم الطبقة المتوسطة, قيم تتعلق بالعمل وبالحياة وبالعلاقات بين بعضهم البعض وبين غيرهم, من افراد الطبقات الاخرى وبالوطن والسياسة التي ينتهجها في كل مرحلة من مراحل تطوره. وهناك فئات عديدة يمكن تصنيفها داخل عباءة تلك الطبقة, ولكن عمادها الرئيسي في الغالب من موظفي جهاز الدولة والقطاع العام وارباب المهن الحرة والتجار والتكنوقراط. ومهما تكن القواسم المشتركة بين ابناء الطبقة المتوسطة, في العالم فمن الطبيعي انها تختلف من بلد الى بلد, فسمات الطبقة المتوسطة ودخولها في بلد مثل امريكا ليست هي سمات ودخول الطبقة المتوسطة في الهند. والملاحظات التالية نابعة من واقع الطبقة المتوسطة في مصر, وهو بلد كبير, وكانت لديه دائما طبقة متوسطة قوية, منذ تاريخه الحديث حيث تبدت ملامح تشكيله الطبقي من بداية القرن الماضي. وكان اجماع التجار وعلماء الازهر على اختيار محمد علي واليا على مصر مؤشرا على هذا التشكيل والذي مر بطريق متعرج طويل. زيادة العدد والاشارات الحديثة المتكررة الى تآكل الطبقة المتوسطة, وفقدانها لديناميكيتها, وقيمها البانية, تأتي من الملاحظة المباشرة والانطباعات غير السطحية, لما ترصده العيون من احداث ووقائع. ولكن الدراسات الشاملة التي توفرت على استخلاص الحقائق والنتائج اعتمادا على مناهج علمية ليست متوفرة او قليلة. ومع ذلك فان هذه الانطباعات التي سجلتها مقالات او احاديث او حتى يتداولها الناس, ليست قليلة الاهمية. واكثر مايمكن الاتفاق عليه فيما يتعلق بالتحولات التي هزت اعمدة هذه الطبقة, هو الاتساع الكبير الذي تعرضت له من ناحية, والى التمايز الكبير والاستقطاب الحاد الذي حدث بين فئاتها. ولان معاهد العلم هي المعامل الرئيسية التي تفرخ هذه الطبقة, فان الانفجار الكبير في حقل التعليم الذي حدث منذ الخمسينات, وفتح الابواب على مصاريعها وتمهيد الطرق للراغبين في التعليم ضاعف من اعداد القادمين لهذه الطبقة. وهذه المضاعفة المفاجئة والمتتالية والتي تمت دون مراجعة دقيقة لحجم الكيف والاستيعاب سهلت شروط الدخول الى ساحة الطبقة, دون استكمال التكوين. واذا كانت البطالة هي الشكوى رقم واحد, منذ سنوات لابناء هذه الطبقة, فذلك لان الزيادة الكبيرة في اعداد الخريجين والذي لا يمكن لجهاز الدولة ان يستوعبهم, هو احد اسباب هذه البطالة. ومنذ اواخر الخمسينات وحتى منتصف السبعينات تشير البيانات المنشورة الى زيادة حجم العاملين في جهاز الدولة من 250 الف موظف في سنة 1952 الى مايقرب من مليون و250 الف موظف مع بداية السبعينات. واذا كان طابور الخريجين من المعاهد والجامعات يرفد الطبقة بمدد دائم, فقد اضيف اليها منبع اخر هو المهاجرون الى البلاد النفطية. واذا كان عصب المهاجرين في البداية من الفنيين وارباب المهن الحرة, فان طابورا اخر من الطبقة العاملة والفلاحين عرف الطريق الى الهجرة. ولان الدخل احد المعايير التي يتم بها تحديد المستويات الطبقية. فان الدخول التي وفرتها الطفرة النفطية, اتاحت للبعض ان يبنوا بيوتا على اطراف العاصمة او يؤسسوا مشروعات صغيرة ينضمون بعدها الى قوام الطبقة. وتكاتفت اثار الدخول النفطية مع نتائج الاصلاح الاقتصادي مع انسحاب الدولة انسحابا غير منظم من كثير من الوظائف التي كانت تتولاها منذ الخمسينات, الى حد اعتبار البعض ان الطبقة المتوسطة الحديثة هي بنت الدولة وحاضنتها ومصدر رزقها. وان هذه الابوة هي التي حملت لها كل العيوب والاوزار التي ظهرت اعراضها فيما بعد. الحراك الطبقي نقول تكاتفت هذه الاسباب جميعا لتحدث (حراكا طبقيا) عاصفا - بلغة الاجتماعيين - وتعلو ببعض الفئات والشرائح, وتهبط بالبعض الآخر. وكما جاء في واحد من تقارير البنك الدولي عن مصر: ارتفع نصيب 5% من السكان من 17% من اجمالي الدخل القومي في اواخر الستينات الى 22% في اواخر السبعينات بينما انخفض نصيب 20% من السكان من 7% الى 5% خلال نفس الفترة. وربما لا تنقل هذه الارقام قوة وتأثير مايحدث في الواقع من استقطاب وتنافر وتباعد بين فئات الطبقة الوسطى, حتى داخل المهنة الواحدة, حيث يقف البعض في اعلى السلم والآخرون في ادناه, ويفصل بينهما بون شاسع. وعلى سبيل المثال يصل الدخل الشهري لطائفة من الاطباء الى ثلاثين الف جنيه شهريا, بينما لايزيد دخل الواحد في طائفة اخرى في مهنة الطب عن ثلاثمائة جنيه شهريا, ومن الطبيعي ان يكون لكل من الفريقين من الاطباء عالمه ومسلكه والمدارس التي يتعلم فيها ابناؤه والمصايف التي يقصدها انهما لايكادان يلتقيان حتى في النقابة. فعلا ان واحدا من اهم ملامح التغيير على وجه هذه الطبقة. هو ذلك التفاوت الكبير بين الافراد المنتمين اليها, على عكس مايمكن رصده في الاربعينات والخمسينات والستينات, حيث كان الحراك يتم ببطء وهدوء. وهذا التوسع الكبير والتفاوت في الدخول مزق الخيوط التي كانت تربط عالم هذه الطبقة, ويلقنها الآباء للابناء, وتساقط كثير من القيم. جزر منعزلة وفي محاولة قيمة لرصد التحولات في الطبقة الوسطى, قامت بها مجلة سياسية هي (احوال مصرية) تصدر عن دار الاهرام قام اثنا عشر باحثا بدراسة جوانب مختلفة في الوضع الراهن لهذه الطبقة. ومن بين هذه الجوانب اضطلعت باحثة - مروة البدري - بدراسة ميدانية عن حالة الاتصال داخل عينة من الطبقة الوسطى, ولمعرفة مهارات الاتصال لدى ثماني اسر من العينة توجهت باسئلة تسعى لاستكشاف مدى انتظام وقوة العلاقة والتفاعل مع الآخرين في اطر ثلاثة: القرابة والاصدقاء والجيران في العمارة السكنية نفسها. ومن النتائج التي انتهت اليها: لكم اصبحت الحياة الاجتماعية للطبقة الوسطى فقيرة كئيبة موحشة تآكلت مهارات الاتصال واصبح الناس جزرا منعزلة وانهار مفهوم الحي المديني الذي مثل في الماضي كيانا عضويا قارب مابين القلوب باكثر ما قارب بين عمارات سكنية شتى. انها مأساة الطبقة الوسطى في مصر. واخيرا فاني كواحد من ابناء هذه الطبقة والذين شهدوا طرفا من تماسكها وبداية تآكلها وانهيار مثلها وسيرها الحثيث على هذا الطريق. والعمارة التي سكنتها في القاهرة في مطلع الستينات وتلك التي انتقلت اليها في الحي نفسه اواخر الثمانينات وكانت العمارتان وسكانهما تعبيرا عن حالتين من حالات الطبقة المتوسطة. ان سكان العمارة الثانية لايتفقون حتى على صيانة العمارة, ويترددون بل ويمتنع بعضهم عن دفع اشتراكه ليس في تجميل العمارة ولكن في المنافع المشتركة مثل نور السلم, بينما تزحم سياراتهم من آخر طراز الشارع الصغير. وعلاج الصدوع التي شقت هذه الطبقة لن يتأتى من داخلها ولكن بنجاح المجتمع كله في نفض السلبية والتواكل واللامبالاه, وتبنى خطة تنمية تنتشل المجتمع كله بمختلف طبقاته, تنمية تحمل في جوفها زيادة الانتاج وعدالة التوزيع, وهذا وحده هو مايضيء اروع وانبل مافي قلوب الجميع طبقات وافرادا.